العدد : ١٤٤٢٥ - الأربعاء ٢٠ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٤٢٥ - الأربعاء ٢٠ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

قضايا و آراء

وقائع مخزية ومشاهد مشينة في التاريخ الإنساني

بقلم: د. محمد العباسي

الجمعة ٠٨ ٢٠١٧ - 01:00

حقًّا، إننا نعيش في عالم غريب.. رغم أننا في الألفية الجديدة  والقرن الواحد والعشرين.. فإن البشرية لا تزال تعيش بربرية القرون الوسطى.. العالم لم يتعلم ولا يبدو مستعدًا لأن يتعلم من الماضي المقيت.. لا تزال الحروب قائمة.. لا يزال يقتل بعضنا بعضا بكل وحشية.. لا نزال ندك المدن بكل ما فيها ومن فيها بشتى أشكال القذائف والقنابل.. برًا وبحرًا وجوًا.. لا تزال المذيعات الفاتنات ينقلن لنا أخبار المجازر ضد الإنسانية في القنوات الإخبارية كافة من دون أن ترمش لهن الأجفان.. ولا نزال نشاهد مناظر الدماء والأجساد الممزقة وكأننا نتفرج على ألعاب الفيديو.. بنايات تتهاوى على الرؤوس.. وأطفال يتم انتشالهم من تحت ركام الطوب والحجارة ومن بين الأسياخ الحديدية.. نساء وعجائز تقطعت أوصالهن وتاهت معالمهن البشرية.. ويستمر القتل والدمار والعنف والتفجيرات والقصف من شاهق السماء بصواريخ موجهة.. أو غير موجهة، كما هو الحال مع البراميل المتفجرة.. ولا تزال صناعة أعتى أدوات وأسلحة القتل والفتك والتدمير هي من أكثر الصادرات التجارية من مصانع دول العالم الكبرى.. ناهيك عن قنابل الدمار الشامل من غازات سامة وجرثومية.. وقنابل النابالم الفوسفورية الحارقة والعنقودية والذرية والنووية والفراغية والهيدروجينية والكهرومغناطيسية.. ذات الدول الكبرى التي تتكلم عن دفاعها عن حقوق الإنسان وتنصب نفسها في خانة الدول المتقدمة والمتمدنة والراقية.. وكل أفعالها هراء مستفحل، ورياء أخرق، وكذب بلا حياء.. بل هي نفس الدول التي تفتعل الأسباب وتشجع على الفتنة وتختلق الحروب فقط لتتاجر بالسلاح ثم لتتدخل بعد الدمار لتحصيل المكاسب من إعادة الإعمار!!

وبين أشكال المجازر الجماعية كافة بأسلحة الحروب والفتك، نكتشف بين كل حين وبمحض الصدفة الناتجة عن تسريبات «مشبوهة»، مشاهد مصورة للتعذيب وسوء المعاملة لأفراد من البشر وقعوا في الأسر بين أيدي مجموعات من الذئاب البشرية.. والأغرب أن مثل هذه المناظر المصورة هي نادرة وقليلة، ولكننا كلنا نعلم أنها لا تمثل سوى قمة لجبال جليدية غامرة تحت الأسطح المائية.. نعلم أن الواقع الذي لا يتم بالضرورة تصويره وتسريبه لا بد أعظم بمئات المرات مما يظهر للعلن.. وربما نتذكر جميعًا تلك المشاهد المروعة لبعض ما كان يمارسه الجنود الأمريكان في سجن «أبوغريب» في العراق.. ولكم أن تتخيلوا ما كانت تمارسه المخابرات الأمريكية ضد معتقلي «غوانتنامو» من جهة.. وكم التعذيب والترهيب بالنيابة عن الأمريكيين الذي كان يمارس ضد السجناء في معاقل دول العالم الثالث.. حيث كانت أمريكا «تتعاقد» معهم لممارسة تعذيب الأسرى، بعلم تام من قمة الإدارات الأمريكية، طالما أنها ممارسات تقام خارج الأراضي الأمريكية.. لماذا يا ترى كانت المخابرات «تصدر» سجناءها إلى معاقل خارجية؟ الحجة كانت ولا تزال صورة من النفاق المفضوح، بعذر أن القوانين الأمريكية ترفض ممارسة التعذيب على أراضيها!! لكن، وبكل وقاحة، لا تستنكر أن يمارس التعذيب بالنيابة عنها مأجورون من الدول الأخرى.. ولا أقصد هنا ممارسات قد يقوم بها بعض المرتزقة، بل تعذيب ممنهج في سجون ومعاقل وأقبية تديرها مخابرات رسمية بعلم تلك الدول، بل تتقاضى تلك المؤسسات أجرًا سخيًا مقابل خدماتها الدنيئة!!

ونشاهد هذه الأيام تسريبات جمة لسوء معاملة الشباب والشابات في العراق على أيدي مرتزقة الحشود الشعبية الطائفية (المدعومة من الحرس الثوري لولاية الفقيه).. ويتم الضرب والركل والجلد والحرق والإعدامات الممنهجة ضد العشرات والمئات من الفارين من مناطق القتال في أطراف العراق كافة.. فيختفي العشرات في سجون سرية، وينتهي بهم الحال في مقابر جماعية بحجة أنهم من الإرهابيين.. حتى لم نعد نرى الفرق بين ممارسات هؤلاء وهؤلاء.. وقبل فترة شاهدنا بعض جنود حرس الحدود الأتراك يكيلون الضرب والركل ضد عدد من الشباب السوريين ممن كانوا يحاولون دخول الأراضي التركية.. وتخرج علينا بين كل حين تسجيلات للأكراد وهم يعذبون ضحاياهم من الفارين أصلاً من بطش الدواعش من جهة وبطش مليشيات الحشود الشعبية الطائفية من جهة.. كما شاهدنا في بداية الثورة السورية جنود النظام وهم يدوسون ويقفزون فوق ظهور الموقوفين من أبناء الشعب السوري المسالم، وهم مكبلين ومُلقَين على الأرض كالخراف المذبوحة.. فلولا هذه التسجيلات ما صدق الناس ما يجري هناك من تعذيب لا إنساني وقسوة وتنكيل.. لو لم نكن قد شاهدنا عملية تعليق ذاك العراقي كالذبيحة وحرقه حيًا فوق الإطارات المشتعلة لربما لم نكن سنصدق هذه الهمجية والحقد الطائفي لدى المليشيات الطائفية ضد سنة العراق وسنة سوريا!!

هل يا ترى سمعتم بذاك الذي يدعونه «أبو عزرائيل»؟ أظن أن الاسم وحده يكفي لتتوقعوا هكذا شخصية.. و«أبو عزرائيل» هذا هو قيادي في ما يسمى «كتائب الإمام علي» في العراق.. ويفتخر بأفعاله وجرائمه ضد ضحاياه من الأسرى، سواء كانو من الدواعش أو لمجرد الشك بأنهم مع الدواعش.. ويظهر في العديد من التسجيلات وهو يحرق ضحاياه أو ينشب النار في لحية جثة هامدة أو حتى يشق صدر رجل ويخرج قلبه بين يديه.. ومن حوله رفاقه يهللون فرحًا وتمجيدًا.. وأعلنت أمانة ما يسمى «كتائب الإمام علي» في بيان اطلعت عليه (شبكة رووداو الإعلامية): «انتشر في الآونةِ الأخيرة، على مواقع التواصل الاجتماعيّ، فيديو منسوب لأحد أفراد كتائب الإمام عليّ (وهو يقوم) بعملٍ شنيع لا يمتُّ للإسلام والإنسانية ولا لمدرسة أهل البيت بصِلة..»، وأضاف البيان: «نحنُ إذ نستنكرُ هذا الفعلَ المشين، ونُعلنُ أمام الله (جلّ جلاله) براءتنا من هكذا أفعال، لا تُمثّلُ إلا ردّةَ فعل صاحبها فحسب، فإننا سنقومُ بمعاقبة القائمينَ بمثل هذه الأفعال عقابًا رادعًا». ثم خرج علينا «أبو عزرائيل» واسمه الحقيقي «أيوب فالح الربيعي» على نفس الموقع ناكرًا: «الأمانة العامة لكتائب الإمام علي لم تتبرأ مني، وإنما أعلنت في البيان الصادر استنكارها وشجبها لهذه الأعمال فقط». (4/6/2017)

نحن هنا وباختصار شديد نتحدث فقط عن النزر اليسير مما تم تصويره ونشره.. فلكم أن تتصوروا الكم الهائل مما لا يتم تصويره ولا يتم تسريبه.. لكم أن تتخيلوا مصير المئات من المعتقلين الذين يختفون بعد تصويرهم وهم يُساقون كالماشية مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين نحو مصائرهم المجهولة.. فما خفي لا بد هو أعظم مما نرى ونعلم.. والأغرب من كل هذا أن عمليات الخطف والتعذيب والقتل في منطقتنا العربية خلال السنوات القليلة الماضية كلها مرتبطة بمليشيات مدعومة من إيران.. والأحداث متشابهة وذات نمط واحد وضد مذهب واحد.. قد تتعدد مسميات الأحزاب الداعمة والممولة، لكنها كلها تتلقى الدعم اللوجيستي والمالي والمعنوي من الحرس الثوري الإيراني.. سواء في العراق أو سوريا أو اليمن أو لبنان.. وتبقى الضحية واحدة.. السنة بالدرجة الأولى، ومن بعدهم العرب بشكل عام، وإن كانوا من الشيعة الأشراف.

لكن، بشكل عام، يجب ألا ننسى أن عمليات التعذيب والتفجيرات والتصفيات البدنية لا تنحصر في الممارسات الشيعية ضد السنة.. فلبعض الدروز في سوريا مواقف داعمة للنظام السوري.. للأكراد مواقف عرقية ضد العرب والتركمان وذوي الأصول التركية.. للدواعش قصص وحشية ضد كل من كان يخالفهم في القرى والمدن التي استولوا عليها في العراق والشام وحتى في ليبيا، بغض النظر عن مذاهبهم وأعراقهم وأديانهم.. وتشهد تلك المشاهد المصورة من إعلام داعش همجية ووحشية لا تكاد تكون حقيقية من هولها.. من نحر للرقاب، وإغراق تحت الماء، وحرق في الأقفاص، ورمي من فوق أسطح المباني العالية، وسحل وتقطيع للأوصال.. ناهيكم عن سبي النساء واغتصاب الفتيات الصغيرات، وبيع البشر في أسواق النخاسة.. ويجب ألا ننسى أن «الدواعش» و«النصرة» وكذلك النظام السوري عمدوا إلى إعدام حتى جنودهم ورجالهم كلما شعروا من ناحيتهم بالتردد في المشاركة في أعمالهم الوحشية ضد الأبرياء.

أجل، قد يحاجج البعض بأن أعمال العنف هذه ليست حصرًا على مناطقنا فقط.. نعم، فالقتل والحرق والرجم والمجازر لم تزل تتكرر في بورما من قبل البوذيين المتشددين ضد المسلمين.. في الهند من قبل الهندوس المتعصبين ضد المسلمين.. في نيجيريا من قبل بعض الجماعات المسلمة ضد غير المسلمين.. وكذلك شهد التاريخ القريب مذابح «راوندا» في 1994 بين جماعات الـ«هوتو» ضد الـ«توتسي».. وفي نفس الأثناء (1992-1995) شهد العالم مجازر صرب البوسنة ضد مسلمي «سراييفو».. وقبل أكثر من نصف قرن خرج العالم من الحرب العالمية الثانية التي خلفت أكثر من 50 مليون قتيل مدني وقتل فيها أكثر من 25 مليون عسكري.. وقد قضى في مجزرة القنبلة الذرية على «هيروشيما» اليابانية أكثر من 140 ألف شخص.. وأكثر من 80 ألفًا في قنبلة «ناغازاكي».

لا تزال البشرية تمارس وحشية أسوأ من كل وحوش الأرض.. لا يزال التعذيب يُمارس على نطاق واسع على مرأى ومسمع من العالم.. لا يزال بيننا بشر يستمتعون بممارسة شتى صنوف التنكيل والاضطهاد والجور والبغي والظلم والتعسف.. لا تزال إيران تمارس الإعدامات الظالمة ضد السنة والعرب والبلوش والأكراد والأذريين والأفغان، وكل من يثور ضدها وضد مظالمها من أبناء شعبها، بغض النظر عن العرق والدين، وبذريعة الدين.. ولا تزال إيران تنشر الخراب في دول الجوار بذريعة تصدير ثورتها وتضطهد الأقوام بذريعة الدفاع عن المضطهدين من الأقليات الشيعية في الدول ذات الغالبية السنية.. ولا تتوانى في إذكاء الحروب ومدها بالسلاح والعتاد والدعم المالي والمعنوي.. ولا يزال «حزب الله» ينادي بتحرير القدس عبر تدمير اليمن وسوريا وعبر التصريحات الكلامية الجوفاء.. ولا يزال «الإخوان المسلمون» في تركيا ومصر وقطر يخططون لنشر الدمار من أجل الفوز بالحكم والسيطرة.. ولا يزال القدس أسيرًا لدى بني صهيون والعالم يتفرج.. ولا يزال صدى صيحة تلك الفلسطينية تتردد «واه معتصماه».. والعرب منشغلون بعضهم ببعض، وما من مُغيث!!!

 

‭{‬ أكاديمي بحريني متقاعد.

mazeej@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news