العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

ما يحتاج إليه العراق بعد «داعش»

لا يختلف اثنان على أن جريمة الغزو الأمريكي للعراق في مارس من عام 2003 خلفت آثارا سلبية كثيرة ومتعددة الجوانب، فانهيار المرافق العامة جميعها تقريبا ليست سوى جانب مادي واحد من هذه الجوانب، وأن ترميمها وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل الغزو وقبل الحصار أيضا، هي مسألة وقت ومرتبطة بالدرجة الأولى بمدى تمكن الحكومة العراقية من تشغيل مختلف مرافق الإنتاج في البلد، وخاصة بعد إعادة الاستقرار الأمني المرتقب بعد التخلص من آفة تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» ومن الجماعات الإرهابية الأخرى التي كانت أحد إفرازات جريمة الغزو والتي تسببت حتى الآن في إغراق الشعب العراقي في حمامات من الدماء وعشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمشردين إلى غير ذلك من أصناف العذاب التي قاساها الشعب العراقي على مدى سنوات أعقبت هذه الجريمة.

فالإرهاب الذي ضرب العراق بعد جريمة الغزو كلف الشعب العراقي الكثير من الخسائر، ولا يمكن لعاقل أن يرفض الإقرار بأن الإرهاب واحد من العوامل الرئيسية التي ساهمت في تخريب العملية السياسية في العراق وتسبب في فتح ثغرات خطيرة في البنية الاجتماعية للشعب العراقي تمثلت في ارتفاع وتيرة النعرات الطائفية وكادت في فترة من الفترات تجرف المكونات الدينية والمذهبية، بل العرقية أيضا، إلى صدامات خطيرة من شأن حدوثها أن تعجل في تفتيت البنية الجغرافية العراقية وتهدد مستقبل بناء دولة حديثة تقوم على حقوق المواطنة التي تنشدها الغالبية العظمى من أبناء العراق.

التطورات الأمنية التي يشهدها العراق والنجاحات العسكرية التي يحققها في مواجهة تنظيم «داعش» وغيره من الجماعات الإرهابية تبشر بأن هذا البلد يسير على الطريق الصحيح نحو كسر الحلقة الأخطر التي يواجهها بعد جريمة الغزو، لكن تخلص العراق من إرهاب «داعش» وغيره من الجماعات الإرهابية، ليس هو مفتاح خروج بلد الرافدين من المستنقع الخطير الذي دفعته إليه جريمة الغزو وما أعقبها من تداعيات خطيرة ناجمة عن الممارسات الخاطئة للنخب السياسية العراقية التي رأت في إسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين فرصتها السانحة لتصدر المشهد السياسي وقيادة دفة الدولة العراقية «الجديدة».

القوى السياسية العراقية التي تسلمت زمام قيادة الدولة «الجديدة» بعد إتمام جريمة الغزو انشغلت جميعها بترتيب بيوتها الداخلية وركزت جل اهتمامها على جني أكبر قسط من المغانم السياسية ما بعد الجريمة ونحت جانبا، أو لنقل لم تعط الاهتمام المستحق والمطلوب والتفرغ كليا لاستلام زمام الأمور، وخاصة أن الدولة العراقية تم تدمير مؤسساتها المختلفة تدميرا كاملا ومتعمدا، وخاصة المؤسسات الأمنية والعسكرية التي تعتبر صمامات الأمان الحقيقية للحفاظ على الدولة وسيادتها، كل ذلك أسهم كثيرا في عدم تمكن العراق من الحسم المبكر لمواجهة التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم «داعش».

تتحمل الحكومة العراقية وجميع القوى المشاركة في العملية السياسية في البلاد مسؤولية تصحيح ممارساتها الخاطئة التي ساهمت في تعطيل وتأخير خروج العراق من المأزق الأمني والاجتماعي الذي تسببت فيه جريمة الغزو، والتخلي على الانحياز الحزبي الأعمى لصالح الوطن العراقي بجميع مكوناته العرقية والدينية والمذهبية، إذ لا يكفي ادعاء هذا الحزب أو ذاك وتلك الكتلة السياسية أو غيرها، تمثيلها لجميع هذه المكونات، فالمحك والمعيار يكمن في الممارسة، وما شهده العراق من ممارسات بعد جريمة الغزو تؤكد أن الانحياز الحزبي والمذهبي كان سيد ممارسات جميع القوى السياسية العراقية، الأمر الذي أسهم في تصاعد حدة النعرات العرقية والمذهبية والدينية.

فالعراق ما بعد التخلص من «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية أمام خيار واحد فقط وهو العودة إلى الأرضية الوطنية العراقية دون غيرها، فالارتكاز والوقوف على هذه الأرضية هما الممارسة الوحيدة القادرة على انتشال العراق من الأوضاع غير الطبيعية التي يعيشها منذ أكثر من أربعة عشر عاما، فمصلحة الوطن والمواطن العراقي من دون النظر إلى انتمائه، عرقيا كان أو دينيا ومذهبيا، يجب أن تكون هي أولوية العمل السياسي للقوى العراقية التي تريد حقا بناء عراق جديد قادر على احتضان جميع أبنائه، لأن غير ذلك يعني الدخول في دوامة من الصراعات سيكون ثمنها أكبر بكثير من ثمن الصراع مع الإرهاب.

لا نريد أن نحكم مسبقا على السلوك الذي سوف تنتهجه القوى السياسية العراقية، سواء كانت داخل مؤسسة الحكم أو خارجها، ولكن تجارب الممارسات السابقة لا تجعل المرء متفائلا كثيرا في إمكانية حدوث انقلاب إيجابي في هذه الممارسات، فالتربية الحزبية الضيقة التي غذت عقول الكوادر الحزبية في هذه القوى، بما في ذلك القيادات، تجعل من مسألة التخلي نهائيا عن المصلحة الحزبية أو المذهبية لصالح المصالحة العامة ومصالح جميع المواطنين أيا كانت انتماءاتهم تبقى مسألة في غاية الصعوبة، أو بصحيح التعبير مسألة معقدة وتحتاج إلى وقت طويل من الممارسة، فهذه في اعتقادي المهمة الأصعب التي سيواجهها العراق ما بعد «داعش» وعلى جميع القوى، وتحديدا تلك التي تقود الدولة العراقية إلى أن تكون على مستوى المسؤولية وإلا فإنها ستقود العراق إلى وضع أصعب وأخطر من الوضع الذي تسببت فيه «داعش» وأخواتها، وستكون مسؤوليتها عن تدمير العراق وفشله لا تقل عن مسؤولية من قادوا ونفذوا جريمة الغزو.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news