العدد : ١٤٤٢٧ - الجمعة ٢٢ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٢٧ - الجمعة ٢٢ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٣٩هـ

مقالات

أمريكا وأزمة قطر.. أي موقف؟.. أي دور؟ -2

بقلم: السيد زهره

الأربعاء ٠٦ ٢٠١٧ - 01:00

المخربون في الدولة العميقة والمال القطري

تيلرسون يشن حربا في الخارجية على ترامب وسياساته

51 جامعة أمريكية وعديد من مراكز الأبحاث تتلقى أموالا من قطر

وزير الخارجية ينحاز إلى قطر والإخوان.. ويحمي أتباع أوباما


ماذا وراء الخلافات في أوساط الإدارة الأمريكية حول الموقف من أزمة قطر, وخصوصا الخلاف بين الرئيس ترامب ووزير الخارجية تيلرسون؟.. ما هي الأسباب والعوامل التي يمكن على ضوئها تفسير وجود مؤسسات أمريكية, كوزارتي الخارجية والدفاع, تدعم قطر عمليا في الأزمة وتحاول إنقاذها من ورطتها؟

 في الإجابة عن مثل هذه التساؤلات, قدم المحللون تفسيرات كثيرة, لكن الحقيقة ان هناك عاملين كبيرين جدا مرتبطين أشد ارتباط يمكن على ضوئهما تفسير هذه المعضلة الأمريكية:

العامل الأول, يتعلق بالدولة العميقة في أمريكا وصراعها مع الرئيس ترامب, وسعيها لإفشاله, أو حتى إسقاطه.

والعامل الثاني, يتعلق بالنفوذ الذي تتمتع به قطر داخل أمريكا عبر مئات الملايين من الدولارات التي أنفقتها عبر السنوات الطويلة الماضية على المؤسسات والجامعات ومراكز الأبحاث وأجهزة الإعلام الأمريكية.

 وفي هذا المقال, سنناقش بشيء من التفصيل دور هذين العاملين المترابطين.

‭}}}‬

ترامب والدولة العميقة

كما سبق أن كتبت في أحد أعمدة «يوميات سياسية», فإن الدولة العميقة في أمريكا تخوض صراعا ضاريا مع الرئيس الأمريكي ترامب. والموقف من أزمة قطر أحد جوانب هذا الصراع.

 ولمزيد من التوضيح نعيد التذكير هنا بأن ترامب أتى الى الرئاسة من خارج «المؤسسة» الأمريكية التقليدية الراسخة الجذور, بل من خارج الحياة الحزبية نفسها.

ولهذا, كان من الطبيعي منذ البداية ان تنظر هذه المؤسسة الأمريكية بعين الريبة والشك الى ترامب.

وقد زاد من استفحال هذه المشكلة وأطلق شرارة الصراع مع ترامب أمران:

الأول: ان ترامب بعد فوزه بالرئاسة اعلن صراحة في خطاب التنصيب أنه سوف يواجه «المؤسسة» الأمريكية التي اعتبرها فاسدة ولا تخدم مصالح الأمريكيين وسوف يحطم نفوذها.

والثاني: ان ترامب أعلن عن سياسات, وخصوصا في السياسة الخارجية، تتناقض مع ما تتبناه هذه المؤسسة من سياسات, ومع مصالحها التي استقرت عبر عقود طويلة.

 بناء على ذلك, قررت «المؤسسة» الأمريكية شن الحرب على ترامب.

 لنلاحظ ان هذه «المؤسسة» وراءها قوى وجماعات ضغط ونفوذ قوية جدا ونافذة جدا في أمريكا, ولديها أساليبها المشروعة وغير المشروعة, والعلنية والسرية, للدفاع عن مصالحها. 

ولهذا أصبح تعبير «الدولة العميقة» شائعا في الإشارة الى هذه القوى ونفوذها داخل وخارج مؤسسات الدولة الأمريكية.

أمر آخر أجّج الصراع بين ترامب وهذه الدولة العميقة هو الإرث الأسود الذي خلفه عهد أوباما. على امتداد ثماني سنوات, رسخ أوباما سياسات خارجية تعتبر مدمرة مثل التدخل في شؤون الدول وتبني مشروع تدمير الدول العربية, ومثله التواطؤ مع النظام الإيراني.. وهكذا.

الأخطر من إرث هذه السياسات ان رجال أوباما مازالوا موجودين في كل المؤسسات الأمريكية في المواقع القيادية وغير القيادية, وخصوصا في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي وغيرهما من مؤسسات الدولة.

هؤلاء يكنون بالطبع العداء والكراهية لترامب, وهم اليوم في طليعة أدوات الدولة العميقة لتحديه ولإفشال سياساته.

باختصار, على ضوء ما سبق, فإن الدولة العميقة تسعى الى تحطيم ترامب وتحدّي سياساته بمختلف الأساليب. هم مثلا وراء تسريبات مكالماته ومحادثاته, ووراء الضجة الكبرى حول علاقته بروسيا.. وهكذا.

 المهم انه لا يمكن فهم الخلاف في أوساط الإدارة الأمريكية من أزمة قطر, الا على ضوء هذا الصراع.

 ولنتابع بعضا مما كتبه المحللون الأمريكيون عن هذه القضية.

‭}}}‬

الحرب على ترامب

المحللون في أمريكا والعالم قدموا تفسيرات كثيرة للخلاف العلني داخل الإدارة الأمريكية حول الموقف من أزمة قطر.. بعض المحللين أرجعوا هذا الى مصالح شخصية لقيادات أمريكية مثل تيلرسون وغيره.

على سبيل المثال, بيتر سالسبيري الباحث في مؤسسة «شاتام هاوس» كتب في مجلة «نيو ستيتسمان» يقول ان وزير الخارجية تيلرسون ووزير الدفاع ماتيس لديهما علاقات وثيقة طويلة مع قطر، وهذا هو الذي يفسر موقفهما الذي يتناقض مع موقف ترامب.

ويوضح ان تيلرسون كان رئيسا لشركة اكس موبيل التي هي أكبر مستثمر في قطاع الغاز في قطر. وماتيس كان قائدا للقيادة المركزية الأمريكية التي أنشأت أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في قطر بها أكثر من 10 آلاف جندي امريكي.

لكن القضية كما ذكرت أكبر وأبعد من هذا.. أكبر وأبعد من مجرد مصالح او ارتباطات شخصية.. القضية تندرج في إطار هذا الصراع المحتدم بين ترامب والدولة العميقة, وخصوصا في وزارة الخارجية.

ومن بين عشرات التحليلات التي قرأتها وتناقش هذه القضية, اخترت تحليلين هما أهم ما كتب, ويطرحان نفس الأفكار.

التحليل الأول, نشره موقع سياسي امريكي تحت عنوان «الدول العميقة في حرب مفتوحة مع البيت الأبيض». والتحليل الثاني كتبه جوزيف كلين المحلل السياسي تحت عنوان «الدولة العميقة في حرب مع أجندة ترامب في السياسة الخارجية».

في التحليل المطول الذي كتبه جوزيف كلين، يقول في البداية: «الدولة العميقة في وزارة الخارجية الأمريكية تحاول تخريب أجندة دونالد ترامب في السياسة الخارجية. تحاول ان تفعل هذا في قضايا كبرى، وخصوصا الصراع العربي الإسرائيلي, وقطر, والتغير المناخي. ويضيف ان الخارجية الأمريكية تحت قيادة تيلرسون هي في «حرب مفتوحة» مع البيت الأبيض.

 ويشرح الكاتب تفصيلا كيف تشن الخارجية الحرب على ترامب في هذه القضايا.

يقول ان المواقع القيادية في وزارة الخارجية مازالت شاغرة, حيث مازال القياديون من إدارة أوباما هم الذين يشكلون السياسة الخارجية, وهم الذين يتحدون أجندة البيت الأبيض.

ويذكر ان الوزير تيلرسون تدخل من أجل حماية هؤلاء من اتباع أوباما, وللحيلولة دون الاستغناء عنهم كما يريد ترامب، وأتاح لهم الفرصة لتحدّي ترامب ومواقفه وسياساته.

ففيما يتعلق بايران مثلا وتحدّي سياسة ترامب, يقول الكاتب ان وزارة الخارجية اتخذت نفس الموقف الذي كان يتبناه أوباما, وانحازت الى جانب ايران. والوزارة هي التي طلبت من ترامب مثلا, على عكس قناعاته, أن يوقع شهادة بأن ايران تلتزم بتنفيذ الاتفاق النووي.

أما فيما يتعلق بِأزمة قطر فيذكر الكاتب ان وزارة الخارجية سعت الى تسفيه الانتقادات الحادة التي وجهها ترامب الى قطر واتهامه لها صراحة بدعم وتمويل الإرهاب والجماعات الإرهابية.

الوزارة تعمدت ان تعلن موقفا يتناقض مع موقف ترامب. فمثلا في 6 يونيو الماضي, قالت المتحدثة باسم الوزارة ان قطر بذلت جهدا عظيما لوقف تمويل الجماعات الإرهابية وإن علاقاتنا مع قطر قوية.

واستمرت الوزارة بعد ذلك في كيل الاشادات والمديح لقطر واعتبارها شريكا في الحرب على الإرهاب.. وهكذا.

الكاتب يقول في نهاية تحليله ان الرئيس ترامب, وليس البيروقراطيون في الخارجية الأمريكية, هو الذي انتخبه الشعب الأمريكي. ولهذا يجب ان تكون له الكلمة النهائية في قضايا السياسة الخارجية وأولوياتها.

ويقول ان «المخربين في الدولة العميقة وفي المؤسسات الحكومية, يجب ابعادهم فورا عن مواقعهم التي من خلالها يخربون أجندة الرئيس».

‭}}}‬

المال القطري

هذا الصراع بين الدولة العميقة وترامب, وفيما يتعلق بأزمة قطر على وجه الخصوص, لا يمكن فصله عن الدور الذي لعبه المال القطري عبر السنوات الطويلة الماضية في الحياة السياسية والبحثية والإعلامية الأمريكية.

ومن بين التحليلات والتقارير العديدة التي ناقشت هذه القضية, نشر موقع «الدراسات الأمنية» الأمريكي, وهو موقع يهتم بالدراسات والتحليلات الاستراتيجية, تقريرا استراتيجيا مطولا, يعتبر أهم ما كتب في هذا الشأن.. التقرير يناقش تفصيلا كيف قامت قطر بإفساد الكثير جدا من المؤسسات الأمريكية المهتمة بقضايا السياسة الخارجية والأمن القومي.

لنتابع ما جاء بهذا التقرير.

يتوقف التقرير بداية عند الخلاف الحالي في أوساط الإدارة الأمريكية حول الموقف من قطر والاخوان المسلمين, ويقول انه على الرغم من رغبة الرئيس ترامب في تصنيف جماعة الاخوان المسلمين منظمة إرهابية, فإنه متردد في فعل ذلك تحت ضغط «المؤسسة». وفي الوقت الذي اعلن فيه ترامب تأييد السعودية وحلفائها في سعيهم لإجبار قطر على وقف دعم الإرهابيين, كان لوزير الخارجية تيلرسون رأي مخالف.

 ويعتبر التقرير ان الخلاف حول قضية مثل هذه أمر غريب لأنه لا أحد ينكر ان دولة قطر تدعم الإرهابيين فعليا ببلايين الدولارات والتسهيلات, وعبر شبكة تلفزيون الجزيرة. كما ان الكل يعلم ان جماعة الاخوان تنفذ عمليات إرهابية مباشرة اوبشكل غير مباشر.

 ويقول التقرير ان هذه الحقائق تطرح سؤالا يفرض نفسه هو: كيف يمكن ان تختلف المواقف وتتضارب هكذا حول حقائق واضحة, وحول أمور يدركها حتى المواطن العادي بحسّه الفطري؟

 الجواب هو: نفوذ قطر والإخوان في أمريكا.

 ويوضح التقرير ان أفكار الإخوان وأموال قطر دفعت أساتذة الجامعات والباحثين, ومراكز الأبحاث, والبيروقراطيين, الى ان يفرضوا على أمريكا مجموعة غريبة من القيم والأولويات والمواقف.

 وكمثال على هذا, يقول انه في الوقت الذي كان فيه الرئيس الأمريكي ترامب على وشك ان يأمر الخارجية بوضع الإخوان على قائمة المنظمات الإرهابية -وهو ما فعلته عدة دول عربية بالفعل- خرجت مجلة «فورين بوليسي» في 3 مارس الماضي, ومعهد بروكينجز في 11 ابريل, بمقالات تكاد تكون نسخة واحدة, ترفض هذا التوجه, وتردد حججا من قبيل أن بعض الجماعات فقط من المنتمين إلى الإخوان تمارس العنف, وان اعتبار الجماعة بأسرها جماعة إرهابية سوف يضرّ بالعملية الديمقراطية وليس في صالح أمريكا.. وهكذا.

 أيضا, في الوقت الذي اعلن فيه ترامب تأييده للمقاطعة التي فرضتها الدول العربية الأربع على قطر لدفعها إلى وقف دعمها للإرهاب, فإن وزارة الخارجية أعلنت مواقف تعني في جوهرها ان المهمة الأساسية للوزارة هي إنقاذ قطر وإنهاء عزلتها, حتى ان تيلرسون أشاد بأمير قطر والجهود التي يبذلها في مكافحة الإرهاب.

‭}}}‬

هذا هو السر

يقول التقرير ان الحقيقة الواضحة هي أن مؤسسة الخارجة الأمريكية تنحاز الى الاخوان والى قطر.

 ويطرح التقرير مرة أخرى التساؤل: كيف وصلوا إلى هذا الحال؟

 يقول ان هناك تفسيرات كثيرة, لكن السبب الأكبر هو نفوذ الإخوان وقطر, والأموال القطرية الطائلة التي جعلت الدوائر السياسية والبحثية في أمريكا تتبنى مواقف لا يجوز أبدا أن تتبناها.

 ويقدم التقرير رصدا للجهات والمؤسسات التي تتلقى أموالا قطرية بشكل دائم.

يقول هنا: دعك من ان الحكومة القطرية دفعت مليون دولار منحة لمؤسسة كلينتون بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاد بيل كيلنتون الخامس والستين, ودعك من المصالح القطرية الأمريكية المتشابكة.

 غير هذا, هناك قائمة طويلة جدا من المؤسسات الأمريكية التي تؤثر في الراي العام والسياسة الخارجية تتلقى الأموال القطرية.

 ويذكر التقرير: قطر تقدم منحا مالية لجامعة تكساس, ونورث تكساس, والدوحة تستضيف فرع جامعة فرجينيا. والباحثون في جامعات مثل اريزونا (المقاطعة التي ينتمي اليها جون ماكين) وجامعة اليونوي, ودينفر, وبترسبرج, وبرتلاند, كلهم يتلقون أموالا من قطر.

 ويذكر التقرير انه اجمالا, فإن 51 جامعة أمريكية تتلقى أموالا من قطر. ويضيف انه من الطبيعي ان يدافع هؤلاء عن قطر ومواقفها.

 وغير الجامعات, هناك مجلس الأعمال الأمريكي القطري, وهناك عشرات من مراكز الأبحاث تدعمها قطر ماليا.

 وينتقد التقرير بعنف هذا الدعم الذي تحظى به قطر من المؤسسات الأمريكية, وخصوصا مؤسسة السياسة الخارجية.

 يقول: لقد عزز «الربيع العربي» حلم قطر بأن يتولى الاخوان المسلمون الحكم من تونس الى القاهرة الى غزة وربما دمشق. لكن على الرغم من مليارات الدولارات التي أنفقتها قطر لدعم الاخوان في هذه الدول, فإن حلمها تبدد.

 ويضيف انه على الرغم من هذا الفشل, لا يوجد أدنى شك في ان قطر ليس لديها أي نية لتغيير سياساتها.

 وعلى ضوء كل هذا, يقول التقرير انه من الصعب جدا ان نفهم الأسباب وراء هذا الدعم الذي تحظى به قطر في مؤسسة الخارجية الأمريكية.

 ويضيف ان مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية كل ما يهمها هو إنهاء المقاطعة التي فرضتها الدول العربية الأربع على قطر, ولا يهمها كثيرا الحصول على تنازلات من قطر.

 ويشير الى تحليلات نشرتها صحف أمريكية مثل «وول ستريت جورنال» وغيرها كتبها مسؤولون سابقون في إدارة أوباما يدافعون فيها عن قطر وينتقدون السعودية.

 ويقول: صحيح انه من قاعدة «العيديد» في قطر تنطلق الطائرات الأمريكية لمحاربة الإرهابيين, لكن في نفس الوقت فإن قناة الجزيرة تساعد على تجنيد آلاف الارهابيين. ويقول: باختصار, الاستثمارات القطرية في مؤسسة السياسة الأمريكية مربحة بالنسبة لقطر, لكن استثماراتنا نحن ليست مربحة بالنسبة لنا.

‭}}}‬

إذن, على ضوء هذين العاملين الكبيرين, صراع ترامب مع الدولة العميقة وأموال قطر, يمكن فهم الخلاف في أوساط الإدارة الأمريكية حول أزمة قطر.

 ويبقى السؤال المهم: كيف يمكن ان يتطور الموقف الأمريكي اذن؟ وماذا على الدول العربية المقاطعة لقطر أن تفعل؟

 هذا ما سنناقشه في المقال القادم بإذن الله. 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news