العدد : ١٤٤٩١ - السبت ٢٥ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٩١ - السبت ٢٥ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

التعليم الديني في إسرائيل ودوره في تشكيل الهوية (1)

عرض وتقديم د/ أحمد علي سليمان

الجمعة ٠١ ٢٠١٧ - 11:45

المكون المعرفي هو مجموعة المعارف والخبرات التي يكتسبها الإنسان من مصادر متعددة وتصب في نهاية الأمر في العقل؛ لِيُكَوِّن تصوره وحكمه على الشيء أيا كان، ولا شك أن الخلفيات الثقافية والدينية والمكون المعرفي هي العامل الحاسم الذي له دور كبير في توجيه السلوك نحو الحوار أو الصراع في الأفراد والأمم، وحتى في الحضارات، والمكون الثقافي هو الناتج الطبيعي والثمرة الـمُـرَّة أو الحلوة للمكون العقدي. وعلماء التربية وعلماء النفس وعلماء الاجتماع يقررون بأن رؤية الإنسان لذاته ودوره ورسالته ورؤيته للبيئة المحيطة، وكذلك رؤيته للكون والحياة، تتشكل من خلال مصدرين اثنين، هما: العقيدة التي يعتقدها الإنسان ويدين بها، والثقافة التي تربى عليها وتكوَّن عقلُه ووجدانُه من خلالها. والقيمة عندما تستمد قداستها من العمق الديني فإن حرية ممارستها تنبعث من أقوى المشاعر تأثيرًا في حياة الإنسان، وبذلك يكون المكون المعرفي والديني هو النبع للشعور بالالتزام الأخلاقي، أو الصراع مع الآخر... ومن ثم نستطيع أن نقرر أن المكون المعرفي هو انعكاس للمكون العقدي، وعلى ضوئه يتشكل عقل الإنسان ورؤيته، ويتشكل وجدانه العام وفق هذه الأيديولوجية.. وعند الحديث عن الثقافة الصهيونية يظهر أثر المكون المعرفي ودوره في عملية الصراع وإخضاع الآخر والسيطرة عليه، واختراقه تحت تهديد السلاح.... وإذا كانت إسرائيل تتباهى أمام العالم بأنها تنتهج النهج العلماني والليبرالي.. فإن هذا الكلام مجانب للحقيقة؛ فإسرائيل تعد من الدول القليلة في عالمنا المعاصر التي يرتبط كيانُها الثقافي والسياسي والاجتماعي بالدين، بل تعتبر الدينَ أساس وجودها وسببَ نشأتها، فهي دولة ثيوقراطية يهودية، واسمها يدل على ذلك، ويحتلُ فيها الدين مكانةً بارزةً عند جميعِ طوائفِ المجتمع الإسرائيلي وطبقاتِه. والتعليم الديني في إسرائيل هو أخطر أنواع التعليم؛ لأنه يقوم على الفكر الديني الصهيوني الذي يكرس العنصرية ويعزز التعصب واحتقار الآخر فضلاً عن رفضه وعدم قبوله..  وفي الصفحات التالية نعرض للقارئ الكريم موضوعًا في غاية الأهمية وهو «التعليم الديني في إسرائيل ودوره في تشكيل الهوية» وهذا الموضوع هو عنوان رسالة علمية نال بها الباحث/ ربيع عبدالوهاب ربيع درجة الدكتوراه من كلية التربية جامعة بنها مؤخرًا، وتكونت لجنة المناقشة والحكم على الرسالة من: أ.د. هاني عبدالستار فرج أستاذ أصول التربية بكلية التربية جامعة الإسكندرية (رئيسا ومناقشا)، أ.د. صلاح الدين محمد توفيق أستاذ ورئيس قسم أصول التربية بكلية التربية جامعة بنها (مشرفًا)، أ.د. صلاح السيد عبده رمضان أستاذ أصول التربية كلية التربية جامعة بنها (مشرفًا)، أ.د. محمد عبدالرازق ويح أستاذ أصول التربية بكلية التربية جامعة بنها (مناقشًا). وناقشت الطالب يوم السبت الموافق 6 أغسطس 2016م وتمت التوصية بمنح الباحث درجة دكتوراه الفلسفة في التربية مع التوصية بطباعة الرسالة وتداولها بين الجامعات المصرية والعربية، وكانت لجنة الحكم والمناقشة قد أشارت إلى تميز الرسالة بشرف السبق في بحث موضوع التعليم الديني في إسرائيل وتحليل المناهج التعليمية في هذا النظام التعليمي. وتناولت دور مؤسسات التعليم الديني في تشكيل هوية النشء الإسرائيلي تشكيلاً يتوافق مع سياستها التعليمية. 

واستخدم الباحث في رسالته منهج التحليل التاريخي، والمنهج الوصفي والنقدي؛ للوصول إلى الحقائق التي تفسر عملية الصراع، حيث انطلق الباحث د. ربيع عبدالوهاب ربيع في مقدمة دراسته -وقد حددها بإطار زمني من عام 1948 حتى اليوم، وبإطار موضوعي يتعلق بالمرحلة الابتدائية في التعليم الحكومي فقط- من أن دراسة التعليم الديني في إسرائيل ما هي إلا دارسة في الخطاب الديني اليهودي، هذا الخطاب الذي يتم غرسه في عقول النشء الإسرائيلي من خلال المراحل التعليمية الدينية المختلفة.  وقد أخذ هذا النمط من التعليم ينمو في إسرائيل حتى أصبح أكثر عمقًا من التعليم المدني، وباتت المدارس الدينية تخرج نوعيات متشددة إلى حد بعيد من المستوطنين الذين يرفضون الآخر بشكل قطعي، وباتوا لا يرون حلًّا لمسألة الوجود الفلسطيني سوى الطرد والتشريد والقتل..!!. وأوضح الباحث أنه إذا كانت معرفة طبيعة هذا المجتمع وخصائصه في زمن الحرب ضرورة حتمية للوطن العربي، فهي في زمن السلم من باب الأولى ألزم وأوجب، وإذا كانت إسرائيل تمثل منذ نشأتها التحدي الأساسي للعرب، فإنها تمثل اليوم تحديًّا أخطر، فالصراع العربي الإسرائيلي لا يقتصر على الجانب العسكري أو السياسي فحسب، بل يمتد إلى صراع حضاري سيظل دائرًا بأشكال مختلفة، ودرجات متفاوتة في الحرب والسلم. وبالعودة إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر (2001)، هذه الأحداث التي شكلت نقطة فاصلة كبداية لنمط جديد من أنماط التعامل الدولي والتفاعلات الإنسانية بما أعطته من دفعة جديدة للخطاب السياسي الذي تتبناه قوى اليمين الديني في الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، الأمر الذي يُحتم صراع الحضارات من وجهة نظرهم، والحضارات في تصورهم تتمحور حول الأديان، ولعل ذلك ما يُفسر الدعوات المتعددة التي انطلقت من جهات كثيرة تدعو إلى إعادة النظر في الخطاب الإسلامي متزامنة مع إعلان الإدارة الأمريكية الحرب على الإرهاب، ولم تقف خطورة الحرب على الإرهاب عند حدود الأبعاد السياسية والأمنية في ملاحقة الحركات الإسلامية، وإنما امتدت إلى محاولة التأثير على المجتمعات العربية والإسلامية من خلال تجفيف وتبديد منابع الدين داخل هذه المجتمعات، والعمل على تغيير مناهج التعليم المرتبطة بثقافتها وهويتها.

وأوضح الباحث أنه رغم كثرة النداءات والتوصيات بتغيير المناهج في البلدان العربية والإسلامية، لم نجد من ينادي بالنظر في مناهج الآخر، وبالأخص مناهج العدو الصهيوني، والنظر فيما تحويه هذه المناهج من دعوات إلى العنصرية والعدوان واحتقار الآخر، وكيف يكون تأثير هذه المناهج على الخطاب الديني والسياسي في إسرائيل، وتأثير هذا الخطاب على عقول الطلاب الذين ينشئهم متشبعين بالعنصرية والتطرف. وتساءل: لِمَ يصمت كل الغربيين عن الخطاب الديني الصهيوني الذي يقدمه التعليم الديني في إسرائيل؟ هذا الخطاب الذي يشرع «للترانسفير- التهجير القسري» الذي مورس ويمارس ضد الشعب الفلسطيني منذ سنة 1948 حتى اليوم، حتى لقد قذف بنحو سبعة ملايين فلسطيني من ديارهم إلى المنافي والمخيمات والمستنقعات، من دون أية حقوق للإنسان.. هذا الخطاب الديني اليهودي هو الذي يشرع للإبادة التي تمارس الآن ضد الشعب الفلسطيني -إبادة البشر والشجر والحجر وكل مقومات الحياة- ويبلغ الخطاب الديني اليهودي قمة العنصرية عندما يقدس العنصر اليهودي، ويجعله شعبًا مقدسًا معصومًا دون كل الشعوب، وفوق كل الشعوب. 

وأشار د. ربيع عبدالوهاب إلى أن فريقا من المشتغلين بالعلوم الإنسانية بذلوا جهدا كبيرا لتحقيق معرفة صحيحة بواقع الإنسان الإسرائيلي محاولين قدر ما وسعه الجهد اختراق حواجز الجهل بهذا الإنسان الذي أتعب العالم من حوله. ولقد لجأت إسرائيل إلى التعليم الديني من أجل غرس القيم اليهودية، والحفاظ على التقاليد الدينية وحماية الدولة من الانصهار في الصهيونية العلمانية، كذلك الرغبة في احتواء واستقبال المهاجرين الجدد والقادمين خاصة من البلاد الإسلامية الإفريقية في الخمسينيات من القرن الماضي، وذلك من أجل إعدادهم للعيش في المجتمع الجديد وتعليمهم اللغة العبرية والعادات والطقوس الدينية الخاصة.

كما سببت إشكالية الهوية إزعاجًا لليهود منذ أكثر من قرنين، فقد عاش اليهود في الشتات منعزلين في مجتمعاتهم، وكان هذا الانعزال بالنسبة لهم درع الأمان للحفاظ على يهوديتهم وشريعتهم، «فطبيعة المجتمع الصهيوني تختلف عن سائر المجتمعات الأخرى في كونه مجتمعًا يفتقر إلى الفطرة الطبيعية في قيامه، ويفتقر إلى وحدة التاريخ ووحدة المكان، فأفراده أجناس مختلفة قادمة من الشرق ومن الغرب». «وتدل الإحصاءات أن اليهود المقيمين في إسرائيل اليوم جاؤوا من مائة واثنين دولة معظمهم لا يحسون برابطة تربط بعضهم ببعض، ولكن إسرائيل تحاول صهر الجميع في لغة واحدة هي اللغة العبرية، وذلك بتدريس النشء اللغة العبرية وتاريخ اليهود بالشكل الذي تهواه، بغضّ النظر عن الحقائق التاريخية».

وللحديث بقية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news