العدد : ١٤٤٩١ - السبت ٢٥ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٩١ - السبت ٢٥ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

شعائر الحج.. ورحلة داخل الأسرار والأنوار (1)

بقلم: د. إبراهيم أبو محمد

الجمعة ٠١ ٢٠١٧ - 11:42

عندما أمر الله تعالى سيدنا آدم بالطواف حول البيت طاف ثم فكر.! وقال يا رب: إن لكل عامل جزاء ولكل عمل أجرا فما هو أجري على هذا العمل؟ فقال الله له «أغفر لك ذنوبك مع أول شوط من الأشواط»، فقال آدم بطبيعة الإنسان الطامع في رحمة الله: زدني يا رب فقال الله له «وأغفر لكل من طاف حوله من أبنائك»، فقال آدم: زدني يا رب. فقال الله له «وحق عليّ أن أغفر لكل من يستغفر له الطائفون من موحدي أبنائك»، فقال آدم لربه: حسبي حسبي.

وهكذا فالحج في اللغة هو القصد، وفي الاصطلاح الشرعي هو قصد زيارة بيت الله الحرام، وبيت الله الحرام هو أول بيت للناس، وخير بيوت الله في الأرض المساجد، والبيت الحرام يمتاز ويختص بأنه هو اختيار الله لخلقه في أرض الله، وكل بيوت الله في الأرض هي من اختيار البشر لأنفسهم، في بقعة من بقاع الأرض، لكن الله جل جلاله وضع هذا البيت لخلقه واختاره لهم في هذا المكان.

البيت العتيق مثابة للناس وأمنا: 

وصف العتيق هنا ليس من القدم فقط، وإنما هو من العتق أي الحرية لأن هذا البيت لم يخضع لجبار أبدا ولم يكن تحت سيطرة طاغية على مدار العصور، فهو البيت الحر وهو البيت الآمن أبدا، والإنسان في هذا البيت يشعر بالأمان أكثر مما يشعر به في بيته الخاص الذي يملك مفتاحه، وعندما جاء أبرهة الحبشي ليهدم البيت بجنوده وأفياله تعرض الجنود لبعض إبل عبدالمطلب فذهب إلى أبرهة يطلب منه أن يرد عليه إبله وكان عبدالمطلب زعيما في قومه، فهابه أبرهة وأكرمه وأجلسه بجواره، وعندما بدأ الحديث بينهما طالبه عبدالمطلب بأن يرد عليه إبله فسقط من عين أبرهة، وقال له: جئت لأهدم بيت آبائك وأجدادك وتحدثني في بعض الإبل؟ فقال عبدالمطلب مقولته المشهورة: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه. ويظن بعض الناس ومعهم أبرهة أن الإبل كانت أهم عند عبدالمطلب من البيت، وهذا غير صحيح، فعبدالمطلب رجل خبير بشأن هذا البيت ولديه يقين قاطع بأن بشرا مَهما كان لا يمكن أن يحتل هذا البيت أو يسيطر عليه، ومن هنا كانت كلمته: أما الإبل فهي لي وأما البيت فله رب يحميه، وفعلا قد حماه ودحر عدوه وأرداه وجعله عبرة في التاريخ لكل جبار عنيد.  إن رسالة المكان مرتبطة بحال أهله؛ فقد غادر إبراهيم عليه السلام أرضه على الرغم من تعلقه بها لأنها ضاقت به، ثم هو حين أراد أن يستقر مجددا دعا الله أن يصلح حال المكان بأن يجنب ناسه الشرك والبؤس. لذلك، إذا نظرنا إلى السعي الإبراهيمي ومدلوله بالنسبة إلى المسألة وجدناه يدل على أن حرمة المكان لا تنفك عن حال من يقوم عليها. ثم جاءت مسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم تمثلاً لهذه المعاني، فغادر مكة على الرغم من تعلقه بها كما هاجر من قبله إبراهيم عليه السلام من أرضه لما ضاقت به أو ضاق به أهلها، ثم عاد الرسول الخاتم إلى مكة فاتحا مطهّرا المكان الذي كان الخليل من قبله قد وضع قواعده ليكون بلدا آمنا، فعل ذلك ثم عاد ليستقر في المدينة المنورة التي طابت له مقاما وأهلاً. من هنا يتبين أن مكة المكرمة مجال نموذجي تتجلى فيه قدسية المكان في أصدق تعبيراتها؛ وذلك بالحراك الذي تكتنـزه تلك البقاع. هذا الحراك الذي أتاحه سياق تاريخي ممتد ركّزته الرسالة الخاتمة بفضل عقيدة التوحيد، وبفضل المسعى الإبراهيمي المؤسس. ولما كان محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم هو دعوة إبراهيم حين دعا ربه فقال: «وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ»، فكان محمد صلى الله عليه وسلم هو لسان الصدق الذي دعا به جده إبراهيم ومن ثم فهو الوريث الحق لرسالة إبراهيم عليه السلام، ولذلك دخل الحج ليكون هو الركن الأخير من أركان الإسلام. وتعالوا بنا لنتعرف على بعض أسرار المناسك، لنرى عظمة الخالق في تقريرها.

الإحرام:

يبدأ الدخول إلى الحج بمنسك يسمى منسك الإحرام، ومعناه الدخول في المنسك بنية الحج أو العمرة بهيئة مخصوصة في زمن مخصوص يرتدي فيها الإنسان لباسا مخصوصا ويحرم عليه بعد الدخول في المنسك بعض ما كان مباحا له من قبل. وفي هذا المنسك دروس منها: 

الدرس الأول : يفهم من مدخل هذه الفريضة أن الإحرام يعلم الناس أن كل توقيت له عمل، ولكل وقت طاعة، ولكل زمن عبادة، كما يعلمهم أن ينتظموا في صفوف متساوية مع الآخرين. 

الدرس الثاني: يبدأ هذا المنسك بخلع الملابس العادية ملابس الزينة والأبهة والتفاضل والتي تضفي على أصحابها نوعا من العزة والكرامة، ثم ارتداء الملابس المعينة، حيث المساواة بين الناس في الهيئة والملبس والعبودية وإظهار الافتقار إلى الله، فالإحرام إعلان بمساواة الناس جميعهم في الهيئة والمظهر، كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم عالمهم وجاهلهم، يرتدون ثوبا واحدا، يتساوى فيه الجميع وكأنه إعلان من جميع الناس للمساواة أمام الله رب الجميع، وهذا هو الدرس الثاني الذي نستوعبه من مدخل هذه الفريضة، المساواة الكاملة بين الجميع في الهيئة والمظهر والملبس وأداء المناسك، وتطالب الغني بما تطالب به الفقير، مساواة كاملة بين كل الناس لإظهار عبوديتهم جميعا لرب الناس ملك الناس إله الناس.

الدرس الثالث في معنى الإحرام: الإحرام كلمة تعني أن الإنسان يحرم على نفسه بعض ما كان مباحا، فليس من حقه أن يقص الشعر أو يقص الأظافر، وليس من حقه أن يمس طيبا، وليس من حقه أن يخلع ملابس الإحرام ليرتدي ملابس أخرى، ليس من حقه أن يجادل، ليس من حقه أن يفسق، ليس من حقه أن يعاشر أهله، «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ»، وفي هذا الدرس جملة من الآداب التربوية، والآداب التربوية تبني نفسية المسلم.. تعلم المسلم وتربيه على الضبط الإرادي والالتزام، وكأنه ينتظم في جيش شعاره هو التلبية، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، وقضية التلبية هنا هي قضية التزام، يعلن فيها المسلم ولاءه لله واستجابته لأمره وإن لم يفهم، فيحرم عليه ما كان مباحا في الأمس القريب، ومن هذا الالتزام التأدب مع أجناس الوجود، ويبدأ هذا الأدب بالتأدب مع البشر فيمنع عنه الجدال، ويتأدب مع الحيوان فلا يجوز أن يؤذي أي حيوان حتى مع الأسماك والطيور، فلا يجوز له الصيد صيد البر أو صيد البحر، كما لا يجوز له أن يقتل أي حيوان، ثم يتأدب مع النباتات فلا يجوز له قطع الشجر في الحرم ولا في غير الحرم، ثم يتأدب مع الجمادات المسخرة له بأمر ربه ويتأدب حتى مع الجمادات، فالكعبة إنما هي بناء من حجر وفيها حجر معين يقف كل المسلمين أمامه ولا بد لكل مسلم أن يستلمه أو يقبله أو على الأقل لا بد من الإشارة إليه، فكأن الله جل جلاله في هذه الرحلة يؤدب الإنسان مع كل أجناس الوجود بما فيها الجمادات التي تهان منه في كل لحظة من الليل والنهار، فيأتي في هذه الرحلة ليطوف حول هذا البناء بأمر ربه حول بيت من حجر ويستلم منه حجرا ويقبله ويشير إليه ونحن نعرف أنه بيت من حجر، والحجر الأسود فيه حجر لا يضر ولا ينفع، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: «والله إني لأعرف أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك». بهذه التعاليم نشأت دائرة للعلاقات الاجتماعية أوسع وأرحب من كل العلاقات المعروفة بين البشر، لأنها علاقة تتجاوز الإنسان ليدخل فيها كل أجناس الوجود بين الإنسان وبين البشر، بين الإنسان وبين الحيوان، بين الإنسان وبين النباتات، بين الإنسان وبين الجمادات، بين الإنسان وبين الطيور، وكأن هناك علاقة تكاد عاقلة بين الإنسان وبين مفردات الوجود يتبادل فيها الإنسان الأدب والمحبة والصداقة والتسخير بينه وبين جميع أجناس الوجود. استجابة وامتثالا لقول الله تعالى: «وليطوفوا بالبيت العتيق». وسوف نستكمل في المقال التالي بعض أسرار مناسك الحج.. 

‭{‬ المفتي العام لقارة أستراليا  ‭{‬

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news