العدد : ١٤٤٢٧ - الجمعة ٢٢ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٢٧ - الجمعة ٢٢ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ محرّم ١٤٣٩هـ

الاسلامي

هل تتكرر تلك الأعجوبة مرة أخرى؟ (5)

بقلم د / غريب جمعة

الجمعة ٠١ ٢٠١٧ - 11:39

أمين الرافعي أعجوبة الصحافة وصاحب القلم المؤمن الحر


أمين الرافعي في عيون معاصريه: 

كان الأديب الكبير عباس العقاد كاتب حزب الوفد الأول وكان الأستاذ/ أمين الرافعي كاتب الحزب الوطني الأول ولكل اتجاه سياسي يختلف عن الآخر ولكن العقاد كان من أقدر الكتاب على تصوير ما يدور بخلد الرافعي بل الوصول إلى أعماقه بحكم معرفته التامة به لذلك كتب عنه في ذكراه كلامًا من أصدق وأدق ما كتب عن الرافعي ولعل القارئ حين يقرأ رأي العقاد الكبير في أمين يدرك كم كان هذا الرجل عظيما بكل ما تعني الكلمة على الرغم من اختلاف العقاد معه في حياته لكنه حفظ له مكانته بعد مماته ولنقرأ ما كتب في عدد يناير 1928م من جريدة «البلاغ» المصرية قائلاً:

«رأيت أمينا قبل مرض الوفاة يمشي في الطريق على مهل، فرأيت شبحًا يتماسك، وجسدا قد تهدم إلا قليلا، ونفسا تمشي وحدها وهي تشعر بعزلتها ولا تكاد تشعر بها من فرط الاطمئنان إليها وسيما السكينة والرضوان التي تحف بها، فعلمت أني أرى أمينا في تهافت جسده وأمينا في قوة نفسه، ورأيت كيف يعمر الإيمان الجسوم الفانية، فهي منه في ملأ عزيز الحوزة منيع الجانب وعجبت أن يكون هذا أمينا، وهو بعد في إبان الفتوة وعنفوان الحياة. 

كان أمين رحمه الله مؤمنا وكفى به عزاء في شقاء الحياة وكفى به شقاء في عالم الكفاح، فلولا إيمان الرجل لما ألقى بنفسه حيث ألقى في ميدانه ولولا إيمانه لعز عليه الصبر على بلائه، فالإيمان عدته، والإيمان حليفه، وبالشقاء من يأتيه الكيد من حليفه الحميم، وبالسعادة من يأتيه العون من عدوه المبين. 

لم تكن للفقيد آراء تحتمل الخطأ والصواب وإنما كانت له عقائد لا تترخص بشك، ولا تأذن في هوادة، وكان حد العقيدة عنده أن يجهر بالرأي، فما هو إلا أن يخالفه فيه المخالفون، حتى ينضح عنه، ويشتد في تأييده ويأخذ على المعارضين سبيل الشك في أصوله وفروعه، حتى يلتقي الرأي بالأيمان، ويمتزج اليقين والبرهان، وإذا بكل رأي كأنه دين ذو شعائر وفروض، لا تختل منها شعيرة ولا تمس منها فريضة، وإذا بنفسه كلها قد صبت قواها على الرأي فلا بقية فيه لسواه. 

لم أذكر هذه السليقة التي فطرت على الاعتقاد إلا ذكرت إلى جانبها سلائق المتشككين التي فطرت على الشك لقد ابتلي عصرنا هذا بداء الريب والتردد فزالت عنه طمأنينة العقيدة، وفترت حرارة اليقين، وتلطف بعض المبتلين بهذا الداء فوصفوه بسعة النظر، والإحاطة بجوانب الآراء وخرجوا من ذلك كله بأن لكل مسألة وجوها، وأن اليقين ضرب من التعسف. 

ومما لا ريب فيه أن سعة النظر مع ضياع العقيدة مرض في النفس يناقض الفطرة التي فطر الناس عليها ليستقروا ويؤمنوا، وأنه خير للإنسان أن يكون له آراء وأن تكون له مع الآراء عقيدة، أما أن ينظر إلى المسائل من جميع نواحيها ثم يضل في تيهها فخير من ذلك النظر على جانب واحد.

ويعلق الدكتور، محمد رجب البيومي على ذلك بقوله: «أن ما قاله العقاد بعد التأمل المتئد، والنظر الممتد كان واضحا كل الوضوح في خاطر أمين الرافعي عن فطرة خالصة إذا أعتقد أن الظاهر لا بد أن يكون صورة الباطن وأن الإيمان لا يكون إيمانا إلا إذا طابق القول الفعل وقد بلغ به هذا الاعتقاد مبلغ الإيقان الراسخ فكانت نفسه نفسا مطمئنة لا تزعزعها الشكوك مهما تقول المتقولون ومهما أرجف المرجفون». 

ثم يقول في موضع آخر: (مشفقا على أمين).

«مسكين أمين الرافعي !! لقد بالغ في الطيبة حين ظن أن كثيرًا من الانتهازيين والوصوليين ينوؤون تحت وخز الضمير حين يفرطون في الواجب وأن تبكيت النفس اللوامة يورثهم ألما لا يمكن احتماله، والواقع المشاهد أن قوما كثيرين تتحجر أحاسيسهم فلا تنبض بشعور وأن ما يسمي بالضمير قد فقد مدلوله لديهم، فهم يأتون بالكبائر قريري العين مثلوجي الفؤاد. وفيهم من كان يذهب إلى أماكن تعذيب الأبرياء ليتلذذ بالسياط الشاوية والأشلاء الدامية والأنات المتصاعدة وهو يعلم أن ضحاياه أطهار أشراف لا ذنب لهم إلا أن قالوا ربنا الله، أما هو فينتفخ زهوا بما يرى ويسمع ولكن انتفاخه يزيد ويتسع شيئا فشيئا حتى يفرقع منفجرا في الهواء وتلك عقبي الظالمين». 

ونكتفي بشهادة العقاد في هذه الحلقة ويا لها من شهادة تغني عما سواها ولكنا سنوافيك بشهادات أخرى في حلقة قادمة وفاء بحق المشهود له ـ يرحمه الله. 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news