العدد : ١٤٤٩١ - السبت ٢٥ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٩١ - السبت ٢٥ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

المؤمن بين السراء والضراء (2)

بقلم: عبدالسلام محمد وحيد عمري

الجمعة ٠١ ٢٠١٧ - 11:21

وقد قيل إن عنوان السعادة في ثلاث: مَن إذا أُعطي شكر وإذا ابتُلي صبر وإذا أذنب استغفر.

وحق التقوى في ثلاث: أن يُطاع فلا يُعصى وأن يُذكر فلا يُنسى وأن يُشكر فلا يُكفر.

والشكر هو: الاعتراف بنعمة الله تعالى، والاعتراف بفضله، والاستعانة بنعمه على طاعته، فإذا أعطى الله العبد نعما فاستعان بها على طاعته واعترف بأنها فضل الله فقد شكر. والشكر سبب للزيادة: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ» (إبراهيم: 7)، كذلك من شكر الله شكر الوالدين، فثلاث مقرونة بثلاث، قال تعالى: «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول» (المائدة: 92)، فمن أطاع الله ولم يطع الرسول فكأنه لم يطع الله، وقال تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ» (النور: 56)، فمن أقام الصلاة ولم يزكي فكأنه لم يصل، وقال تعالى: «أن اشكر لي ولوالديك» (لقمان: 14)، فمن شكر الله ولم يشكر والديه فكأنه لم يشكر الله، ومن شكر الله شكر الناس، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ) رَوَاهُ أحمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وصححه الألباني. قال الخطابي: هذا الحديث فيه ذم لمن لم يشكر الناس على إحسانهم، وفيه أيضا الحث على شكر الناس على إحسانهم. وشكر الناس على إحسانهم يكون بالثناء عليهم وبالكلمة الطيبة وبالدعاء لهم. إن المؤمن يقابل النعم بالشكر، وإن أصابته ضراء من فقر ومرض أو ضيق عيش أو فقد أحبة أو خسارة في مال أو أي نوع من أنواع الخسارة أو الإيذاء البدني أو المعنوي أو غير ذلك يصبر صبرا جميلا، ولا يسخط لقضاء الله ولا ييأس من رحمة الله، ومن يأخذ بالأسباب ويتحلى بالصبر يعوضه الله خيرا ويؤجره، ويفتح له أبواب الجنة، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ سَفِينَةَ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ أم سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ عبد تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أبو سَلَمَةَ قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رواه مسلم). قال الله تعالى: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُل أَفَإِن مَّاتَ أو قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» (آل عمران: 144)، جاء في تفسير الوسيط للدكتور محمد سيد طنطاوي -رحمه الله- حول قول الله تعالى «وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» أي: وسيثيب الله تعالى الثابتين على الحق والصابرين على الشدائد الشاكرين له نعمه في السراء والضراء، سيثيبهم على ذلك بالنصر في الدنيا وبرضوانه في الآخرة، وعبر هنا بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين، مع أن الصبر في هذا الموطن أظهر؛ وذلك لأن الشكر في هذا المقام هو أسمى درجات الصبر، لأن هؤلاء المؤمنين الصادقين، الذين وقفوا إلى جانب النبي صلّى الله عليه وسلّم في ساعة العسرة، لم يكتفوا بتحمل البلاء معه فقط، بل تجاوزوا حدود الصبر إلى حدود الشكر على هذه الشدائد التي ميزت الخبيث من الطيب، فالشكر هنا صبر وزيادة، وقليل من الناس هو الذي يكون على هذه الشاكلة، ولذا قال تعالى: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» (سبأ:13)، وقال تعالى «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ» (آل عمران: 145)، ما الفرق بين سيجزي وسنجزي؟ الفرق أنه صرّح بالفاعل في آية وأضمر في الأخرى؛ أما عن الابتلاء والضراء والشدائد والمصائب التي أقسم الله على وقوعها حيث قال تعالى «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إذا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)» (البقرة: 155-157)، فالبشارات بالخير كل الخير للصابرين، الذين حبسوا أنفسهم لطاعة الله، ورضوا بقضاء الله وقدره، وعلموا أنهم ملك لله وأنهم إليه راجعون. لقي الفضيل بن عياض رجلا فقال له الفضيل: «كم عُمُرك؟ قال الرجل: ستون سنة، قال الفضيل: إذا أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله توشك أن تصل، فقال الرجل: (إنا لله وإنا إليه راجعون) قال الفضيل: هل تعرف معناها، قال: نعم، أعرف أني عبدالله وأني إليه راجع، فقال الفضيل: يا أخي، من عرف أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف بين يديه، فليعلم أنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول فليعد للسؤال جوابا، فبكى الرجل وقال ما الحيلة، قال الفضيل: يسيرة، قال وما هي يرحمك الله؟ قال: تُحسن فيما بقى، يغفر الله لك ما قد مضى وما بقى، فإنك إن أسأت فيما بقى أُخذت بما مضى وما بقى».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news