العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٧ - الثلاثاء ٢١ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

قراءة إيمانية اجتماعية في سورة الحديد (3)

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٠١ ٢٠١٧ - 11:07

أفلا يتدبرون القرآن؟!!


علمنا سابقًا العلاقة بين الحياة والنبات علاقة وطيدة في مراحل تطورهما وفي اعتماد كل منهما على الآخر، فالحياة بلا نبات لا شيء والنبات بلا حياة حطامًا. وقد بين القرآن الكريم هذه الحقيقة في سورة الحديد قال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: 20-21).

وَتَكَاثُرٌ: مباهاة وتطاول بالعدد والعُددْ.

أَعْجَبَ الْكُفَّارَ: راق الزراع.

يَهِيجُ: ييبس في أقصى غاية.

يَكُونُ حُطَامًا: فتاتًا هشيمًا متكسرًا بعد يُبسه.

(كلمات القرآن الكريم تفسير وبيان، حسنين محمد مخلوف، دار المغني، الرياض: المملكة العربية السعودية).

يخبر الله تعالى عن الدنيا عند الغافلين عن خلقها ويبين غايتها عندهم بأنها (لَعِبٌ وَلَهْوٌ) تلعب بها الأبدان، وتلهو بها القلوب، وهذا مصداقه ما هو موجود وواقع بين الغافلين من أبناء الدنيا، فإنك تجدهم قد قطعوا أوقات عمرهم بلهو قلوبهم وغفلتهم عن ذكر الله وعما أمامهم من الوعد والوعيد، وتراهم قد اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا ؛ بخلاف أهل اليقظة وعمال الآخرة، فإن قلوبهم معمورة بذكر الله ومعرفته ومحبته، وقد شغلوا أوقاتهم بالأعمال الصالحة التي تقربهم إلى الله من النفع القاصر والمتعدي، وقوله (وَزِينَةٌ)؛ أي: تزين في اللباس والطعام والشراب والمراكب والدور والقصور والجاه وغير ذلك (وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ)؛ أي: كل واحد من أهل الدنيا يريد مفاخرة الآخر، وأن يكون هو الغالب في أمورها، والذي له الشهرة في أحوالها، (وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَاد)؛ أي: كل يريد أن يكون هو الكاثر لغيره في المال والولد، وهذا مصداقه وقوعه من محبي الدنيا والمطمئن إليها اطمئنان الغفلة، بخلاف من عرف الدنيا وحقيقتها، فجعلها معبرًا ولم يجعلها مستقرًا، فنافس فيها بتعميرها بنواميس الله في الخلق، وبقربه إلى الله واتخذ الوسائل المعمرة للأرض وفق منهاج الله، والموصلة إلى دار كرامته، وإذا رأى من ينافسه التنافس المرضي (بفتح الميم والراء) نافسه التنافس الصحي الشرعي، بالأعمال الصالحة ومنها: الزراعة والصناعة والتجارة والتربية والتعليم واستغلال خيرات الأرض والاستغلال الأمثل وأصلح في الأرض ولم يفسد فيها.

ثم بين الله سبحانه وتعالى حقيقة الحياة الدنيا في صورة كونية نباتية واضحة وبينه للجميع، فمثل الحياة بحياة نبات الأرض الذي ينزل الماء على حبوبه وبذوره فينكسر كمون وسكون أجنة البذور والحبوب والأجزاء المتكاثرة الخضريّة لتبدأ مرحلة الطفولة للنبات حيث يظهر الجذير والرُويشة وتتكون البادرات، ويستمر النبات في النمو الخضري التي تختلف من النباتات الحولية من 1 – 3 شهور والنباتات الحقلية: الأرز والشعير والذرة يستمر نموه الخضري من 1 – 3 شهور، والنباتات العشبية 6 – 8 سنة، والأشجار المعمرة في المتوسط من 3 – 10 سنوات. (انظر الهرمونات النباتية والتطبيقيات الزراعية، الشحات نصر أبوزيد، مكتبة مدبولي – القاهرة: مصر، د.ط، ص: 421. 1990م).

وأهم علامات الظواهر الشكلية لتلك المرحلة ازدهار الأوراق والأفرع الجانبية والزاحفة، وارتفاع معدل إنتاج الأوكسينات (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ)؛ أي: الزرع.

ثم تبدأ مرحلة البلوغ في النبات والتي تتميز ببدء ظهور البراعم الزهرية وتفتح الأزهار وتكوين الثمار واكتمال البذور مع وقف النمو الخضري تقريبًا وضعف القمم الطرفية، وبقاء الأزهار والثمار يدفع النبات إلى مرحلة الشيخوخة، وهنا تضعف عملية البناء الضوئي، وتنقص العمليات الحيوية، وانخفاض المحتوى الكلوروفيلي خاصة عند عملية الإزهار والإثمار.

من أهم العوامل المسببة داخليًا في سرعة دخول النبات إلى مرحلة الشيخوخة.

النقص في إنتاج الأوكسينات، والإنزيمات والأحماض النووية والبروتينات.

النقص في الأجسام البروتوبلازمية داخل الخلايا الحية للنبات مثل الكوروبلاست والميتوكوتوريا.

انتقال العناصر الغذائية إلى الثمار والبذور.

وقف نشاط المناطق المرستيمية وعدم مقدرتها على الانقسام.

وبذلك يدخل النبات إلى مرحلة الشيخوخة والاصفرار كما قال تعالى: (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّ) (الحديد: 20).

في النباتات أحادية الحول تجف الأعضاء الهوائية والجذرية.

النباتات ثنائية الحول تنتهي حياتها بالجفاف والموت.

النباتات العشبية والمعمرة: تبدأ أعضاؤها الهوائية في الذبول والجفاف.

في الأشجار المعمرة متساقطة الأوراق تنقض أوراقها دفعة واحدة، وفي الأوراق مستديمة الخضرية تسقط الأوراق الصفراء والتي وصلت مرحلة الشيخوخة.

ومن علامات شيخوخة النباتات الحولية، شيخوخة القمم الطرفية للسوق الرئيسة الهوائية.

نقص اللون الأخضر واصفرار الأوراق.

جفاف وموت القمة الطرفية للنبات.

تبدأ الأوراق في السقوط والسيقان في التكسر ثم تختلط أجزاء النبات الساقطة على التربة بالكائنات الحية المحللة والمفتتة كالنمل والأرضة والقوارض والبكتريا والفطريات وبذلك يتم تحليل أجزاء النبات وعودة مركباتها إلى البيئة الخارجية.

وقد لخصت الآية القرآنية هذه المراحل تلخيصًا معجزًا.

الماء يسقط على البذور والحبوب.

ينمو النبات ويزداد نموه الخضري والزهري والثمري (أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) أي أعجب الزراع نباته لقوته ونموه وحسن منظره وإنتاجه ثم تبدأ مرحلة الشيخوخة وأهم مظاهرها الخارجية اصفرار الأوراق والسيقان (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا).

تبدأ الأوراق والأزهار والثمار في السقوط (ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا).

العقلاء والعالمون والمؤمنون ينظرون إلى الحياة بنفس المراحل هي للزراعة والنمو والحصاد وإرجاع الأمر كله لله، فتراهم يجتهدون في فلاحة الأرض وخدمتها وزراعتها وجني المحصول وتخزينه إلى الأيام المقبلة، وهكذا ينظر المؤمن للدنيا – الدنيا دار العمل والإبداع والإتقان وجني الثمار.

أما السفهاء فينظرون للدنيا أنها تمتع ولهو ولعب ورقص وغناء وحفلات ومغريات وملابس وموضات، ومناصب وجاه وتفاخر وتنافس مرضي على ما فيها، وأنانية واحتقار للفقراء والمساكين والمحتاجين والبعد عنهم وعن حسدهم وينسى هؤلاء سنة الله في الخلق.

فالشباب زائل والصحة زائلة والمال إما زائل أو مزول عنه، والموت مصير كل مخلوق حي والآخرة آتية لا محالة.

لذلك قال الله تعالى: (سَابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد: 21).

وفي الآخرة الحياة الحقيقة الدائمة يومها يقول المقصر (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) (الفجر: 24)، بالإيمان والعمل الصالح، أما الذين فهموا حقيقة الحياة الدنيا وآمنوا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وعملوا الصالحات بنية خالصة لله فهؤلاء في الجنة ينعمون، والحمد لله رب العالمين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news