العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٦ - الاثنين ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

مقالات

صفعة واشنطن لمصر هي غير عادلة وغير حكيمة

بقلم: خلف أحمد الحبتور

الثلاثاء ٢٩ ٢٠١٧ - 01:00

رأى المصريون في المرشح دونالد ترامب صديقاً محتملاً لهم. لقد أحيا انتخابه الآمال بذوبان الجليد الذي كان سائداً في العلاقة بين القاهرة وواشنطن، بسبب دعم إدارة أوباما لنظام «الإخوان المسلمين» المعزول.

عمد أوباما إلى حجب المساعدات عن مصر كإجراء عقابي، مع العلم بأن القيادة الجديدة ورثت بلاداً على شفير الفوضى والإفلاس بسبب ممارسات الإخوان إبان حكمهم. وقد بادرت السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت إلى مدّ يد المساعدة إلى مصر، الدولة العربية التي تضم العدد الأكبر من السكان، لدعم استقرارها والوقوف على قدميها من جديد.

اليوم، استعاد اقتصاد البلاد -البورصة، والاحتياطيات الأجنبية، والصادرات، والسياحة، وقطاع الطاقة- عافيته، وليس للرئيس أوباما أي فضل في ذلك.

دعا الرئيس ترامب نظيره المصري عبدالفتاح السيسي إلى البيت الأبيض من أجل «تفعيل العلاقات من جديد». وقد قال عن الرئيس المصري إنه «رجل رائع»، مطمئناً إياه بأنه سيجد في الولايات المتحدة وفيه شخصياً «صديقاً وحليفاً عظيماً». فضلاً عن ذلك، أشار إلى أنه سيصنّف «الإخوان المسلمين» في خانة «الإرهابيين»، لكنه عاد فتراجع عن موقفه.

لو كنت مكان الرئيس السيسي لفكّرت في نفسي «بوجود أصدقاء من هذا القبيل، ما حاجتنا إلى الأعداء!» تذكّرني «قبلة» ترامب بفيلم «العرّاب»، إنها قبلة الموت. يدّعي الصداقة والود مع فلاديمير بوتين ويفرض عقوبات على روسيا، والآن يهدّد بخوض حرب تجارية مع الصين التي وصف رئيسها بأنه «شخص مميّز جداً.

في اليوم نفسه الذي وصل فيه صهر ترامب جاريد كوشنر الذي هو أيضاً مستشاره إلى القاهرة لمناقشة عملية السلام في الشرق الأوسط وسبل توطيد العلاقات الأمريكية-المصرية، أبلغت وزارة الخارجية الأمريكية الحكومة المصرية بأنه سيجري تعليق الجزء الأكبر من المساعدات المخصصة لمصر، والتي تُمنَح بموجب اتفاق كامب ديفيد، على خلفية المخاوف بشأن حقوق الإنسان.

وفي هذا الإطار، توقّفت السلطات الأمريكية عند القانون الجديد للمنظمات غير الحكومية، الذي أقرّه مجلس النواب المصري، والذي يفرض قيوداً على أنشطة تلك المنظمات في العمل الإنمائي والاجتماعي. أُقِرّ مشروع القانون في شكل أساسي لمنع المنظمات غير الحكومية من إرسال أموال إلى جماعة «الإخوان المسلمين» والتنظيمات الإرهابية التابعة لها التي تعيث قتلاً ودماراً منذ سنوات.

انتقدت وزارة الخارجية المصرية القرار، معتبرةً أنه يكشف عن «سوء تقدير لطبيعة العلاقات الاستراتيجية» بين الحلفاء، مضيفةً أنه أظهر «غياب الإدراك لأهمية دعم الاستقرار والنجاح في مصر».

 

يوم الخميس، تلقّى الرئيس المصري اتصالاً من نظيره الأمريكي الذي أعرب عن رغبته في تحسين العلاقات والتغلب على العقبات، فيما أكّد على متانة الصداقة بين مصر والولايات المتحدة. لا تكفي المشاعر الجميلة لشفاء الجراح التي تسبّبت بها هذه الضربة المذلّة التي تمنح زخماً واندفاعة لأهداف الإخوان. لقد أقرّ الرئيس السيسي، في مناسبات كثيرة، بأنه على الرغم من أن بلاده تسلك طريق الديمقراطية، هو ليس في وضع يسمح له بالتساهل مع المجتمع المدني ما دامت مصر تتعرض للهجوم، ولا يزال اقتصادها هشّاً وإن كان يشهد تحسّناً في الوقت الراهن. لقد استُهدِفت كنائس مسيحية عدّة بتفجيرات أسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا، ولقي مئات الجنود وعناصر الشرطة مصرعهم.

ليس منطقياً تضييق الخناق على بلدٍ يحارب الإرهابيين في الجزء الشمالي من شبه جزيرة سيناء، ويجد نفسه مضطراً إلى حماية حدوده القابلة للاختراق مع ليبيا من المتسللين المنتمين إلى داعش، فيما يُطلَب من البلد نفسه أن يكون وسيطاً في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. ما يجري يقودنا إلى الافتراض أن الولايات المتحدة تُضمر أطماعاً جيوسياسية تحت غطاء حقوق الإنسان.

هل نعتقد حقاً أن المسؤولين في الحكومة الأمريكية والمشرعين الأمريكيين قلقون فعلاً على حقوق المصريين الذين يملكون مطلق الحرية لانتخاب رئيس جديد العام المقبل، ولا يغمض لهم جفن حرصاً منهم على هذه الحقوق؟

زجّت تركيا بنحو مئة ألف مواطن تركي في السجون، وعمدت إلى توقيف نصف ذلك العدد تقريباً، وبالكاد سمعنا تنديداً بهذه الممارسات. أدّت الحرب على المخدرات التي يشنّها الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي إلى إعدام آلاف الأشخاص من دون محاكمات، ومع ذلك تتطلع الفلبين إلى الحصول على منحة أمريكية قدرها 433 مليون دولار في العام المقبل!!

حصلت إيران، الدولة الراعية الأسوأ للإرهاب في العالم، على صفقة مربحة من المؤكّد أنها لم تأخذ في الاعتبار السجل الإيراني في مجال حقوق الإنسان.

باختصار، ثمة ازدواجية واضحة في المعايير في أسلوب التعاطي الأمريكي والبريطاني مع مصر من جهة والبلدان الأخرى من جهة ثانية. عندما تعرّضت فرنسا وألمانيا وبلجيكا وتركيا للاعتداءات وعمدت إلى تطبيق إجراءات صارمة لمكافحة الإرهاب -فرض قانون الطوارئ في حالتَي فرنسا وتركيا- حصلت تلك الدول، وهذا عين الصواب، على دفق من التعاطف وعروض المساعدة. أما مصر فتُلقى عليها الملامة ويجري تحميلها المسؤولية.

عندما تعرّضت طائرة ركّاب روسية انطلقت من شرم الشيخ للتفجير في اعتداء يُشتبَه في أنه من تنفيذ تنظيم مرتبط بـ«الدولة الإسلامية»، ما تسبّب بوقوع خسائر فادحة في الأرواح في أكتوبر 2015، اختارت المملكة المتحدة تعليق رحلاتها إلى المنتجع الواقع على ضفاف البحر الأحمر، استناداً إلى تقرير استخباري أمريكي نقلَ وقائع «تهديدات إرهابية» حتى فيما كانت القضية لا تزال قيد التحقيق.

على الرغم من التنسيق المصري مع فرق متعددة من الخبراء البريطانيين المتخصصين في أمن الطيران، والاستثمارات الطائلة في أمن المطارات، ناهيك عن الاعتراضات الغاضبة من البريطانيين الراغبين في تمضية عطلتهم في شرم الشيخ، وكذلك من شركات الطيران والسفريات البريطانية، لم تعمد المملكة المتحدة، بعد انقضاء نحو عامَين على الحادثة، إلى استئناف الرحلات إلى شرم الشيخ، في قرار يثير حتى حيرة الوزراء في الحكومة البريطانية.

أتساءل: مَن هي الجهة التي تمسك فعلاً زمام الأمور في الحكومة الأمريكية؟ هل يقف ترامب خلف تعليق المساعدات أم أنه رضخَ للضغوط من وزارة الخارجية التي تتبع قواعد مختلفة في اللعبة؟ أم أذعن لحفنة قليلة من المشرعين الجمهوريين بقيادة السيناتور ليندسي غراهام، والذين يبحثون باستمرار عن أعذار للانقضاض على مصر؟

قام غراهام ومرافقه المعتاد، السيناتور جون ماكين، بزيارة للقاهرة عام 2013، حيث طالبا في مؤتمر صحفي بالإفراج عن محمد مرسي في حين أطلقا على الثورة الشعبية توصيف «الانقلاب»، فما كان من المعنيين في مصر إلا أن أرشدوهما بكل تهذيب ولياقة إلى طريق الخروج. 

ناضلت مصر من أجل نيل استقلالها من بريطانيا. لقد رفض الرئيس جمال عبدالناصر الخضوع لسيطرة أي قوة كبرى، والرئيس السيسي يسير على النهج نفسه في هذا المجال. العداء الذي أظهره أوباما تجاه القاهرة أجبرها على التوجّه نحو موسكو لتحديث ترسانتها من الأسلحة، وتَجري مفاوضات حالياً بين روسيا ومصر من أجل بناء مصنع للطاقة النووية في ضواحي الإسكندرية.

وسط أجواء الهستيريا المناهضة لروسيا في الولايات المتحدة، هل يمكن أن يكون ذلك من العوامل المحفِّزة خلف محاولة الحكومة الأمريكية تركيع مصر؟ إذا كان الأمر كذلك، لن تتكلل هذه المحاولة بالنجاح، بل يمكن أن تؤدّي إلى نتائج عكس المتوخاة. لقد أخلّت الولايات المتحدة ببندٍ وارد في اتفاق كامب ديفيد، وبناءً عليه منحت القاهرة حق الانسحاب من الاتفاق أو إعادة التفاوض عليه.

مصر شريكٌ دبلوماسي ودفاعي وتجاري للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومعظم دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى هذا الأساس، أطلب من قادتنا التعبير عن اعتراضاتهم الشديدة على الصفعة المهينة وغير المبررة التي سدّدتها واشنطن لدولة هي عضو في أسرتنا. 

لست مطّلعاً على الأسباب الكامنة وراء المحاولات التي تبذلها واشنطن لإضعاف مصر، لكنني مازلت أذكر محاضرة ألقاها عضو سابق في «مؤسسة راند» أمام المجلس الاستشاري للسياسة الدفاعية الأمريكية في يوليو 2002. فقد جاء في الورقة التي حملت عنوان «اطردوا السعوديين من شبه الجزيرة العربية»: «العراق هو المحور التكتيكي، والسعودية المحور الاستراتيجي، ومصر الجائزة».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news