العدد : ١٤٤٨٤ - السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٨٤ - السبت ١٨ نوفمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ صفر ١٤٣٩هـ

الثقافي

وهج الكتابة: ابن حزم وحريق الكتب

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٢٦ ٢٠١٧ - 11:16

عندما أحس بدنو أجله، رثى نفسه ببعض الأبيات: 

فيا ربُ مَحزونٌ هناكَ وضاحكٌ

وكم أدمعٍ تزرى وخدٍ محددِ

عفا الله عنى يوم أرحلُ ظاعنًا

عن الأهلِ محمولاً إلى ضيق ملحدِ

وأتركُ ما قد كنت مغتبطًا به

وألقى الذي آنست منه بمرصدِ

فوارا حتى إن كانَ زادي مقدما

ويا نصبي إن كنت لما تزودِ

بعد مضي أكثر من تسعة قرون على وفاته عاد الحديث عن تراث العالم الأندلسي ابن حزم، وعن مؤلفاته التي احرقوا بعضها واختفى معظمها بعد سقوط الأندلس. انه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الأندلسي القرطبي اليزيدي الذي يعتبر من ألمع علماء الأندلس، وكان أديبًا وشاعرًا وناقدًا وفيلسوفًا كما وصفوه، وعمل أيضًا وزيرًا لبني أمية. إن العثور على مؤلفات ابن حزم المفقودة سوف يلقي الضوء على جزء مهم من تاريخ الأندلس وفترة ازدهارها وأسرارها وعلاقتها بالمشرق العربي. ويقال بأنه تم العثور على العديد من مخطوطاته في مخازن المكتبة العامة الكبرى في مدريد، والمتحف الكبير وفي أسواق بيع القطع الأثرية والأنتيكات في إسبانيا وفي بعض الدول الأوربية.

وكان المعتضد بن عبّاد الذي حكم بين عامي 1042م و1069م حاكم إشبيلية قد أمر بإحراق كتب ابن حزم، والسبب كما يقوله البعض بأن ابن حزم اعتنق المذهب الظاهري إلا أن بعض الدراسات الحديثة أشارت إلى أن ولاءه للخلافة الأموية في قرطبة اعتبره بن عبّاد تهديدًا لسلطته فقرر الانتقام منه بحرق مؤلفاته. عاش ابن حزم حياة مليئة بالعذابات والمعاناة والمصائب بسبب أفكاره التي ناضل من أجلها بالقلم ما ينيف عن أربعين عامًا، ولكن علماء عصره حقدوا عليه ونسجوا له المؤامرات والدسائس وألبوا ضده الحاكم إلى أن أحرقت مؤلفاته ومزقت في العلن بإشبيلية. ويتضح رد فعل ابن حزم في القصيدة التي كتبها في أعقاب الحادثة: 

فإن تَحرقوا القِرطاسَ لا تَحرقوا الذي

تَضمَّنهُ القرطاسُ بل هو في صَدري

يسيرُ معي حيث استقلتْ رَكائِبي

وينزلُ أن أنزلُ ويُدفنُ في قَبري

دعوني من إحراق رقٍ وكاغدٍ

وقولوا بعلمٍ كي يرى الناسَ بَدري

القلم وما ادراك ما القلم، والفكر وما ادراك ما الفكر، عرف الحكام والسلاطين والغزاة قيمة كل ذلك وانتبهوا لخطورة الكلمة فكانوا يطعمون الكتب للمحارق أو لمياه البحر كي يغتالوا الثقافة، لأن ثقافة الشعوب وتراثها هي من أهم عناصر قوة أي امة. فها هو المستشار الخاص للملك الفونسو - الذي طرد العرب من الأندلس- يشير بعدم حرق كتب المسلمين، لكونها إرثًا وتراثًا يحق للإسبان الاحتفاظ بها وتوارث ملوك إسبانيا عهدة الحفاظ تلك الكتب، وهو ما حفظها حتى اليوم. انهم يعرفون قيمة الثقافة فحافظوا عليها على الرغم من أنها ثقافة الأعداء بالنسبة للأسبان. من أشهر مؤلفات ابن حزم (الذي ولد في عام 994م وتوفي عام 1064م): الفِصَل في المِلَلْ والأهواء والنِّحَل؛ طوق الحمامة؛ جمهرة أنساب العرب؛ نُقَطُ العروس؛ ورسالته في بيان فضل الأندلس وذكر علمائه؛ الإمامة والخلافة؛ الأخلاق والسير في مداواة النفوس والمحلّى بالآثار؛ الإحكام في أصول الأحكام.

ولحكاية حرق الكتب في التاريخ سوابق كثيرة تمتد إلى أزمنة سحيقة، فمن الكتّاب من أحرق كتبه بنفسه ومن احرق الحكام كتبه. فمن بين الذين أحرقوا كتبهم بأنفسم هم أبو حيان التوحيدي وابو عمرو بن العلاء وابن سينا والماورديو أبو السعود وابن جبير والربعي والقرطبي وغيرهم من العلماء والمفكرين ربما بدافع الخوف من الانتقام لاتهامهم بالزندقة، لأنه باستخدام تعبير الزندقة قُتل الكثير من المفكرين ومنهم الذي علق على جسر بغداد. ومن الحوادث البعيدة في حرق الكتب: تدمير مكتبة آشور بانيبال، وإحراق أخناتون النصوص التي تختلف مع فكرة الوحدانية التي كان يدعو إليها، اذ قام الكهنة بحرق كتبه حينما مات. واحراق مكتبة الإسكندرية حيث جعلت كتبها العامرة شعيلا للحمامات لأربع سنوات وحرقها يعتبر اكبر كارثة حلت في تاريخ التدمير والحرق لأنها كانت في زمانها من اكبر المكتبات في العالم. ثم إحراق الإمبراطور الصيني كين الكتب بدافع سياسيّ غرضه توحيد الصين، حين احتجّ أربعمائة عالم على إحراق الكتب فدفنهم أحياء. ثم ابن رشد الذي أُحرقت كتبه في الاندلس في عهد ملوك الطوائف. ثم تدمير مكتبة المنصور في قرطبة في عام 1000 والفقية الزاهد داود الطائي الذي يسمى (تاج الأئمة) الذي ألقى بكتبه في البحر، والزاهد المعروف يوسف بن أسباط الذي ألقم كتبه غارًا في جبل وسدّه عليها، وأبي سليمان الداراني الذي سجر كتبه في تنور وسفيان الثوري الذي نثر كتبه في الريح بعد تمزيقها، وأبي سعيد السيرافي الذي أوصى ابنه أن يُطعم كتبه النار. كان الأعداء يعرفون قيمة الكتاب فكانوا يتخلصون منه بأي طريقة لأنه زاد الأمة وسلاحها ليس بالحرق فحسب بل بالغرق ايضا مثلما فعل هولاكو –كما يقال- حينما رمى مكتبة بغداد في نهر دجلة حتى تحوّل ماؤه إلى أسود بسبب كثرة الكتب.

 

Alqaed2@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news