العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الأكراد يسخنون مستقبل المنطقة

كما هو متوقع، ومن منطلق المصلحة الوطنية لدول الجوار العراقي، أن ترفض هذه الدول الخطوات أي خطوات أو مشاريع انفصالية يقدم عليها أكراد العراق، حيث أعادت تركيا موقفها المعلن من هذه القضية وجددت أنقرة «رفضها للاستفتاء المزمع إجراؤه في إقليم كردستان وقيام أي كيان كردي بالمنطقة»، فمصلحة تركيا وإيران وكذلك سوريا لا تختلف عن مصلحة العراق فيما يتعلق بقيام كيان كردي مستقل لأكراد المنطقة، ذلك أنه بالنسبة إلى الدول الثلاث (باستثناء العراق) فإن هذا الكيان، إن تأسس واستقل عن العراق، فإن حدوده الجغرافية لن تكون عند الجزء العراقي فقط، وإنما ستكون له امتدادات جغرافية في دول الجوار الثلاث، إذ إن قيام دولة كردية مستقلة يعد من الطموحات التاريخية لأكراد المنطقة، وأعلنت القوى الكردية من كل الانتماءات السياسية وفي فترات مختلفة عن رغبتها في رؤية هذا الحلم يتحقق، باعتباره -كما ترى هذه القوى- حقا مشروعا للأكراد.

كما يعلم جميع المتابعين للشأن الكردي، فإن أكراد شمال العراق مقدمون على استفتاء حول «تقرير المصير» مدعوم بقوة من رئيس الإقليم مسعود البرزاني، الذي وإن لم يعلن صراحة أن هدف الاستفتاء هو الانفصال عن العراق في «دولة مستقلة» إلا أنه يجاهر بهذا الطموح ويعتبره حقا مشروعا للأكراد، كما هو مشروع لجميع الشعوب، هذه الخطوة أثارت حفيظة وامتعاض الدول المجاورة للعراق، مثل تركيا وإيران وسوريا كذلك، وإن كانت هذه الأخيرة مشغولة بأزمتها الداخلية الطاحنة، هذا الامتعاض الصادر عن دول مثل تركيا وإيران لم يأت انطلاقا من حرصهما على «سلامة ووحدة العراق وسيادته»، فهذه الوحدة والسيادة منتهكة من جانب البلدين، وإنما من منطلق عدم الإصابة بعدوى الانفصال.

فإن انفصالا كرديا لشمال العراق وإقامة كيان مستقل فوق الحدود الجغرافية التي يشغلها أكراد العراق في الوقت الراهن، سوف يعزز ويقوي من نزعة الانفصال لدى أكراد تركيا وإيران، فهم يعتبرون أنفسهم جزءا من شعب كردي واحد موزع في أكثر من دولة، تجمعهم لغة وثقافة واحدة، بل وأرض واحدة بحسب إيمانهم وقناعتهم التاريخية، فتركيا تخوض صراعا دمويا مريرا منذ عدة عقود ضد حزب العمال الكردستاني التركي الذي تتهمه بالسعي لإقامة دولة كردية في المناطق التي يعيش فيها أكراد تركيا، وعلاقة إيران مع أكرادها ليست بأفضل حال وإن لم تصل حدة الصدامات العنيفة معهم إلى تلك الدرجة التي عليها في تركيا.

العراق نفسه بكل مكوناته الدينية والسياسية (العرب بالدرجة الأولى) يرفض انفصال إقليم كردستان عن العراق ويعتبر هذا الانفصال مقدمة نحو تفتيت العراق إلى عدة كيانات على أسس عرقية ومذهبية، الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث نشوب نزاعات داخلية عنيفة تزهق عشرات الآلاف من أرواح العراقيين، إضافة إلى ذلك، فإن تفتيت العراق من شأنه أن يلغي دوره كقوة إقليمية تتمتع بقدرات وتأثير قوي على تحديد مستقبل المنطقة، إذا ما استطاع العراق الخروج من المحنة التي أدخلته فيها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها بعد جريمة الغزو عام 2003.

عديد من المراقبين والمتتبعين للأوضاع في المنطقة يرون أن «الرفض» التركي والإيراني، وكذلك العراقي، لانفصال إقليم كردستان عن العراق، لن يوقف التوجه الكردي، طالما أن هناك ضوءا أخضر من قوى إقليمية ودولية مثل الولايات المتحدة الأمريكية و«إسرائيل»، فأكراد العراق يحظون بدعم من هذه القوى، وإن لم تفصح عن تأييدها العلني لذلك، لأنه من دون هذا الضوء فإن الأكراد لا يمكن لهم أن يتحدثوا عن هذا الاستفتاء وغيره من الخطوات التي تقود إلى الانفصال، فالقيادة الكردية في شمال العراق تعرف جيدا تعقيدات وحساسية خطوات كهذه، فجميع الدول الحاضنة للأكراد والمجاورة للعراق لا يمكن أن تقبل بفكرة الانفصال رغم كل ما يميز علاقاتها مع بعضها البعض من حالة عدم ثبات وعداء أيضا كما هو الحال بين تركيا وسوريا.

فالكيان الصهيوني هو صاحب المصلحة الأولى في تفتيت دول المنطقة مثل العراق وسوريا، وهو لا يخفي دعمه لأكراد العراق منذ عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين حتى يومنا هذا، أما الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال «رفضها» المائع لتوجهات أكراد العراق الانفصالية، فإن لها مشروعا استراتيجيا يتعلق بإعادة رسم خريطة المنطقة السياسية وإدخالها في دوامة من الصراعات لإضعاف دولها، لأن ذلك كله يصب في مصلحة «إسرائيل» لكي تستمر في احتلال مركز اللاعب الأول والمؤثر في المنطقة.

فالأكراد يعرفون جل المعرفة أن لون الضوء الأمريكي أمام أي توجه نحو الانفصال وإقامة دولة مستقلة لهم في شمال العراق، أو في أي جزء من الدول التي يوجدون فيها، هو الذي يحدد مسار هذا التوجه، وكما يبدو من خطوة الاستفتاء وغيرها من الخطوات، فإن الضوء المنبعث من وراء المحيط هو اللون الأخضر، لهذا يخرج مسعود البرزاني ويؤكد في عديد من المناسبات أنه «لا توجد قوة تحول دون إجراء الاستفتاء»، وأن «الأكراد هم من يحددون مستقبلهم السياسي»، وغير ذلك من التصريحات الواثقة.

مسألة حق الشعوب في تقرير مصيرها لا خلاف عليها، فكل شعب له هذا الحق، ولكن هناك الكثير من المعايير والمحاذير التي تحكم هذه العملية، فوضع الأكراد مختلف تماما؛ إذ إنهم مواطنون يعيشون في دول مستقلة وذات سيادة، وإن تعرضوا للظلم والتهميش ومصادرة حقوقهم القومية والثقافية في الدول التي يعيشون فيها، فإن من حقهم أن يطالبوا بكامل حقوقهم وأن يتمتعوا بحقوق المواطنة الكاملة أسوة بجميع المواطنين في هذه الدول من دون تمييز بسبب العرق أو الثقافة وغيرها من التمايزات، فالمبدأ الأهم هو أن يعيش الجميع متساويين في كل الحقوق، أما خلاف ذلك فهي قضايا يمكن معالجتها.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news