العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

ستائر المسرح لم تغلق بعد

رغم الإجماع على النجاح الكبير الذي حققه الجيش العراقي في معركة الموصل وحسمه هذه المعركة لصالح تطهيرها من عناصر ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، وأن هذا النجاح يمثل إضافة نوعية للجهود الوطنية والإقليمية والدولية للتصدي لآفة الإرهاب الخطيرة التي يمثل «داعش» رأس حربتها الحادة، فإن هذه الانتصار العراقي ليس هو نهاية المطاف ولم يضع حدا لهذه الآفة الخطيرة، فقد تنجح هذه الجهود وهذه الحرب «العالمية» في القضاء على البنية العسكرية لهذا التنظيم، أي «داعش»، سواء في العراق وسوريا أو في غيرهما من البلدان، لكن التخلص والقضاء على هذه البنية العسكرية لا يعني تخليص العام من آفة الإرهاب نهائيا، فهناك عوامل وظروف موضوعية كثيرة ومتنوعة تسببت في ظهور وخلق «داعش» من شأن استمرارها أن يولد «داعش» آخر في أي وقت وفي أي مكان.

تنظيم ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» ليس سوى أحدث نسخة من نسخ الجماعات الإرهابية المتطرفة، على شاكلة «قاعدة» أسامة بن لادن ومن قبلها «طالبان» باكستان وأفغانستان وغيرها من الجماعات الإرهابية المتطرفة، فحين كانت «قاعدة» أسامة بن لادن تتصدر المشهد وتستحوذ على اهتمام مختلف أجهزة الدول بسبب أنشطتها الإرهابية المنتشرة في أكثر من بلد، كان البعض يعتقد ان القضاء على «القاعدة» أو تقليص خطرها بعد إسقاط شقيقتها الحاكمة في افغانستان، أي حركة «طالبان»، سيكون بداية النهاية لهذه الآفة الخطيرة ولم يخطر على بال أي من المراقبين والمتتبعين لأنشطة هذه الحركات، ان عملية التفريخ مستمرة بسبب استمرار الظروف والعوامل التي خرجت «طالبان» و«القاعدة» من أرحامها.

فإلى جانب الدور الكبير الذي لعبه الخطاب الديني المتطرف والمتزمت وتصاعد لغة التكفير والإقصاء من فوق العديد من المنابر الدينية، في نشوء وظهور العديد من الحركات الدينية المتطرفة التي تقمصت الدين الإسلامي غطاء لأنشطتها ولإضفاء الشرعية عليها، فإن هناك عوامل خارجية لا يقل تأثيرها السلبي في ذلك عن تأثير الخطاب المتطرف، فالتدخلات الأجنبية في شؤون الدول الداخلية ومحاولة فرض نمطا سياسيا واجتماعيا معينا على بعض شعوب المنطقة بعيدا عن إرادتها الجامعة، أسهم في تقديم المبررات لدعاة التطرف الديني لترويج خطابهم وفهمهم «للخصوصية» الوطنية من خلال تصوير تلك التدخلات على أنها استهدافا متعمدا للعقيدة ولتعاليم الدين الإسلامي.

فهذه العوامل، إلى جانب غيرها من العوامل مثل غياب العدالة الاجتماعية وعدم احترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، ما زالت مستمرة ومتفشية في العديد من الدول والمجتمعات، فيما محاولات التدخل في شؤون الدول الداخلية ومحاولة فرض أنماط حياتية معينة على شعوبها، لم تتوقف بل تصاعدت أكثر في الآونة الأخيرة، وليس جريمة غزو العراق ومن بعده غزو ليبيا وإسقاط نظامها السياسي وكذلك إشعال فتيل الحرب الأهلية في سوريا التي أتت على الأخضر واليابس وشردت ملايين السوريين من ديارهم وخارج وطنهم، إلا دليل مؤكد على دور هذه السياسة الحمقاء ومساهمتها في خلق وترعرع وانتشار وتعدد الجماعات الإرهابية.

هذه الدول الثلاث، ومن قبلها أفغانستان، تعتبر من أكثر الدول التي شهدت تواجدا ونشاطا للجماعات الإرهابية المتطرفة، وهذه الدول تعرضت كلها لتدخلات خارجية شرسة وعنيفة، من قبل قوى دولية وإقليمية، وهذه الدول الآن هي التي تتصدر مشهد التصدي للجماعات الإرهابية المنتشرة فوق أراضيها، وفي مقدمتها تنظيم «داعش» الذي وحد أكبر عدد من الدول في مواجهتها بعد أن نشر رعبه وأعماله الدموية في أكثر من منطقة متجاوزا بكثير جدا حدود ما يعرف بـ«دولة الخلافة» التي أعلنها من مدينة الموصل العراقية قبل ثلاث سنوات.

هذه المدينة التي نالت قسطا وفيرا من التدمير خلال عملية تحريرها من سيطرة «الدواعش»، شهدت الصعود السريع و«المفاجئ» لقوة هذا التنظيم العسكرية، حيث استطاع بعد ذلك السيطرة على مساحات شاسعة من أراضي العراق وربطها بتلك التي يسيطر عليها في سوريا تمهيدا لتحقيق حلم إقامة «دولة الخلافة» المزعومة، وفي هذه المدينة العراقية أيضا تلقى التنظيم أكبر ضربة وهزيمة عسكرية، قد تكون بداية النهاية للتواجد العسكري العلني «لداعش» في كل من العراق وسوريا، فإن تحقق ذلك، وهو مرجح جدا، تكون قد طويت صفحة مهمة من صفحات الحرب على الإرهاب، لكن هناك صفحات أخرى تبقى مفتوحة.

كما سبق القول، فإنه ما لم تتم عملية معالجة كثير من العوامل والظروف التي أنتجت هذه الجماعات الإرهابية ومكنتها من استنساخ نفسها بين فينة وأخرى، فإننا سنكون على موعد مع نسخة أخرى من «داعش»، وليس مستبعدا أن تكون نسخة أخطر من سابقتها وأشد فتكا وتدميرا من سابقتها، فالتجارب تؤكد أن عملية التوالد والاستنساخ لم تتوقف، لأن الظروف الموضوعية المساعدة ما تزال مستمرة ولم يتم معالجتها العلاج الصحيح، وما تم لا يعدو أن يكون عمليات ترقيعية سرعان ما تتهاوى أمام الواقع ولا تستطيع أن تصمد أمام متطلباته.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news