العدد : ١٤٤٢٥ - الأربعاء ٢٠ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٤٢٥ - الأربعاء ٢٠ سبتمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

نقرأ معا

القاهرة تحتفي بطبعة ثانية من «أصوات في الثقافة السودانية»

الاثنين ١٤ ٢٠١٧ - 11:52

يضم هذا الكتاب «أصوات في الثقافة السودانية» للكاتب السوداني الراحل مكي أبوقرجة الذي صدر في أبوظبي عام 2005 وصدرت طبعته الثانية أخيرا في القاهرة عن دار صفصافة، مجموعة من المقالات التي نشرها بصحيفة «الاتحاد» بأبوظبي على مدى خمس سنوات (2000 - 2005)، وأعادت نشرها صُحف عربية وسودانية. 

وسعى المؤلف من خلالها إلى تقديم نماذج من الثقافة السودانية مثل عبدالله الطيب والطيب صالح ومحمد المهدي المجذوب وجمال محمد أحمد وغيرهم لأجيال منقطع بها.. حجبتها الظروف السياسية الماحقة عن رؤية ذاتها وتجاذبتها المهاجر والمنافي -ما أبقت لها ظهرًا. محاولا أن يشد من أزر تلك الأجيال وأن يقول إن لها تاريخًا مجيدًا وحضارةً حاذقةً ثريةً ووطنًا جديرًا بالانتماء إليه. هذا فضلا عن قراءاته في رؤية الآخر الأجنبي للسودان مثل قراءته المعنونة «التاريخ السوداني في قصص بورخيس».

وأكد المؤلف أن كتاباته سرت كثيرًا من القراء فأعربوا عن سعادة غامرة وفخر مشبوب، ولولا ذلك لما أقدم على جمعها في كتاب. وقال «أما أصدقاؤنا المثقفون الحادبون الغارقون في هوى الوطن وهمومه فقد أبدوا حماسًا فائقًا منذ الوهلة الأولى.. ظلَّوا مثابرين على الاتصال والتنويه عقب كل مقال.. وجدوا فيه تعبيرًا عن صورة ذلك الوطن السعيد.. وكثيرٌ منهم أسهم بشكل إيجابي في إثراء تلك الكتابات مزودًا بالكتب النادرة والمعلومات المفيدة والنصائح الغالية وفي مقدمتهم العالم الكدود د. فيصل عبدالرحمن علي طه الذي أشرع قلمه -دون مَن وادعاء- يقف منافحًا عن تاريخ أمته وحقوقها ومصالحها وحدودها السِّياسية ومياه نيلها وموروثها من القيم الأخلاقية الباهرة.. ولا غرو فهو الليث من ذاك الأسد».

ورأى أبوقرجة أن الثقافة السودانية غورها عميق وروافدها متعدِّدة وأنساقها متشابكة. فقسماتها تشكَّلت عبر آلاف السنين. شاركت في صنع الحضارة الإنسانية -إنْ لَمْ تكن ينبوعها الأول- ثُمَّ لَمْ تلبث أن ران عليها انقطاع. 

وأضاف: «لسنا بصدد الإحاطة بكلِّ ذلك، وما كُنَّا عليه عاكفين. ولكن حاولنا تقصي بعض تجلياتها من خلال رؤى سفرت بعد قراءات ومشاهدات ومسامرات واستعراض عميق لموروثنا من الحكايات والروايات المتصلة بخصائص تلك الثقافة ومظاهرها المتنوِّعة. نفعل ذلك في دُجى ليلنا هذا الطويل، فنستدعي بمحبة واحتفاء وجوهًا عزيزة لنفرٍ كريم من مبدعينا، أدباء وفنانين ومؤرخين ومعلمين ومناضلين ونقابيين ومتصوفة وقديسين، رجالاً ونساء وأشخاصا عاديين من غمار الناس -ملح الأرض- مروا سراعًا كأنفاس الصباح إلَّا أنّ آثارهم بقيت كعظمة الإماتونج ورسوخ جبل مرة وكبرياء الداير. 

نستدعي أيضًا بعضًا من أيام أمتنا الولود؛ معاركها وبطولاتها وانتصاراتها، وانكساراتها.. أيامها النضرات ومواقفها المشرفات وأعيادها المشرقات. وفي اعتقادنا الجازم أنَّ ما يحيق الآن بوطننا من محن وأزمات ما هو إلَّا تعبير عن قصور وعينا بتاريخنا وثقافاتنا. وما السِّياسة -في أرقى خطاباتها- إلَّا تجلِّي الوعي بالذات والعمل من أجل حياة غنية مثمرة زاخرة بالنشاط الإنساني الخلَّاق.

ولفت في مقدمة الطبعة الثانية إلى أن الطبعة الثانية تصدر كما كانت الأولى إلاّ من تنقيح خفيف وإدخال مقالتين في الكتاب «الفتى ضمير المدينة» و«صورتان للملكة آمنة»، مؤكدا أن الظروف التي ظللت هذه المقالات مازالت كما هي لا تبرح مكانها والأزمات السياسية والاقتصادية والأخلاقية تأخذ بتلابيب البلد. ومازلنا نؤكد أن مخرجنا هو الاهتمام بثقافتنا وبتاريخنا لشحذ الوعي السياسي لهذا الجيل حتى يتمكن من الإمساك بمصيره ويصنع مستقبلاً يكون جديرًا بهذا الشعب العظيم.

قال أبوقرجة عن عبدالله الطيب أحد أبرز العلماء والمثقفين السودانيين، عمل في مجال التدريس والتأليف ووضع المناهج والمقررات مدة ستين عامًا «كانت حياته الأكاديمية والفكرية زاخرة حيث عاد للتدريس في كلية الخرطوم الجامعية واستمر معاصرًا أطوارها المختلفة حَتَّى اكتملت في طورها الحالي جامعة من أكثر نظيراتها عراقة في العالم. وتولى عمادة كلية الآداب بجامعة الخرطوم ردحًا من الزمان نعم فيها طلابه الذين كثيرًا ما كان يثني عليهم ويرعاهم ويثمن مجهوداتهم بفيض علومه الزاخر وحضور شخصيته الطاغي. ثُمَّ أصبح مديرًا للجامعة لمدة عام ومديرًا لجامعة جوبا عامًا آخر. 

صدرت له عدة دواوين من الشعر الرصين منها «أصداء النيل» و«بانات رامة» و«أغاني الأصيل». واهتم بالمسرح فألَّف مسرحية زواج السمر وغيرها. أما كتابه «المرشد لفهم أشعار العرب» فقد ظل مرجعًا نقديًا عميقًا التزم فيه بالمنهج العلمي متناولاً قوافي الشعر وأوزانه تناول المُجِد القادر على هضم التراث. 

ظل عبدالله الطيب عضوًا بمجمع اللغة العربية في مصر منذ عام 1961 وقام بتأسيس جامعة بابيرو في كانو بنيجيريا، كما عمل أستاذا للغة العربية في كلية الآداب بجامعة سيدي محمد بن عبدالله في المغرب، وقضى فترة يدرس في معهد بخت الرضا لتدريب المعلمين وإعدادهم في الدويم، وساهم بجهد مقدر في إعداد المناهج. وكثيرون ممن عاصروه من المعلمين يذكرون خلافاته مع مستر قريفث الذي أسس المعهد.. فأوسعه سبا ولجأ إلى سلاح الشعر الذي يلوذ به كلما أحس بضيم».

وأفرد أبوقرجة أكثر من مقال للمساجلات الشهيرة بين الشاعرين محمود الفكي وعبدالحليم طه، وعن الريادة الشعرية التي لم تنل حقها من الاهتمام تحدث عن المغامرة المبكرة في التجديد الشعري للشاعر والناقد السوداني حمزة الملك طنبل الذي ظلّ يكتب منذ بدايات القرن العشرين وحتى الخمسينيات. وأصدر عام 1931 «ديوان الطبيعة»، وقد جاء إحساسه بضرورة التجديد من خلال إدراكه لضرورة الكتابة التي تناسب الذائقة الجديدة، فكان شعره يتميز بلغة وصور أقرب إلى الواقعية، إلا أنه ظل بعيدًا عن الهم السياسي على العكس من الكاتب محمد المكي إبراهيم الذي كان -بالإضافة إلى كتابة الشعر- كاتبًا سياسيا لا تخلو كتابته من السخرية والغضب، في حين ظل شعره يتغنى بحب الوطن.

ومن الاسماء الشعرية الأخرى التي عرّف أبوقرجة بها وبإسهامها الإبداعي الشاعر الصوفي اسماعيل الدقلاشي الذي كتب الشعر الديني وشعر الغزل المباشر والطبيعة وقد تميز بعزفه على آلة الطنبور، والكاتب المسرحي د. أحمد الطيب الذي درس المسرح في انجلترا، وعمل عميدًا لقسم اللغة العربية، ووضع أسس المسرح المدرسي في السودان. ولا تقتصر اسماء الأعلام التي يتحدث عنها الكتَّاب على الكتاب السودانيين وحدهم بل يطول عددًا من الاسماء الأجنبية والمعاهد العلمية التي لعبت دورها التنويري، ومن الاسماء الأولى يتحدث عن الكاتب البريطاني توماس غراهام الذي أقام علاقات وثيقة مع السودانيين، كما يتحدث عن فيليبا المغربي الممرضة البريطانية التي كانت أول زوجة لأول رئيس سوداني.

يذكر أن المثقف السوداني عبدالجبار عبدالله كتب على الغلاف الأخير من الكتاب «ولئن كانت المحاذير والالتباسات الفكرية العديدة، قد أحاطت بمصطلح (الثقافة السودانية) بحد ذاته، وأدخلت استخدامه السائب المطلق، في دائرة النقد والحذر لأسباب ثقافية تاريخية معلومة، فإن هذا الحذر ينتفي تماما مع تصفح هذا الكتاب، الذي يسهم إسهاما مقدرا في تقديم النموذج والمثال، لما تعنيه (الثقافة السودانية)».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news