العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

Ayoobi44@yahoo.com

دروس تجربة «الإسلاميين» في مصر وتونس

من الممكن اعتبار تجربتي قوى الإسلام السياسي في كل من مصر وتونس، وهنا بالتحديد نعني جماعة الإخوان المسلمين، باعتبار أن هذه الجماعة هي أكثر قوى الإسلام السياسي في الدول العربية والإسلامية أيضا تنظيما وانتشارا بين الجماهير، بغض النظر عن وسيلة وآلية وظروف انتشارها وتوسعها، من الممكن اعتبارهما أهم تجربتين شكلتا امتحانا حقيقيا أمام هذه القوى للكشف عن مدى قدرتها على التوفيق بين تركيبتها العقدية الدينية وبين العمل السياسي الجماهيري ومسؤولية قيادة الدولة الجامعة غير المنحازة إلى عقيدة سياسية أو دينية واحدة فقط، وكيف باستطاعة هذه القوى أن تكون على مسافة واحدة من جميع مكونات المجتمعات التي تريد حكمها أو قيادتها خارج نطاق المسؤولية الحزبية الضيقة.

فالظروف السياسية والاجتماعية التي توافرت أمام قوى الإسلام السياسي في البلدين، أي حركة النهضة في تونس وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، لم تكن في حسبان وأذهان هذه القوى نفسها، فالأحداث التي شهدها البلدان إلى جانب بعض الدول العربية والتي اصطلح عن تسميتها «الربيع العربي» فتحت الأبواب واسعة أمام قوى الإسلام السياسي لتحقيق طموحها وأحلامها في الوصول إلى قيادة السلطة السياسية وتسيد سدة الحكم في البلدين وغيرها من البلدان، وخاصة تلك التي تتمتع فيها قوى الإسلام السياسي بحضور جماهيري قوي وكبير، كما هو الحال في مصر وتونس.

فما كان حلما بالنسبة إلى الحزبين المذكورين (النهضة والإخوان في مصر) أصبح حقيقة وواقعا ملموسا في الحياة السياسية والاجتماعية المصرية والتونسية، ولكن هذا الواقع شكل في الوقت نفسه ما يشبه الصدمة بالنسبة إلى هذين الحزبين، تمثل ذلك في عجزهما عن الانتقال من قيادة الحزب إلى قيادة الدولة، وعن التوفيق بين العقلية الحزبية الدينية وعقلية إدارة الدولة الشاملة والحاضنة لجميع المواطنين، فهناك اختلاف كبير بين أن تدير وتقود حزبا يخضع فيه عناصره لبرنامج وآيديولوجية سياسية وعقدية واحدة، وبين قيادة وإدارة نظام دولة مسؤول عن الدفاع وحماية مصالح المواطنين من جميع الانتماءات وبغض النظر عن توافقهم مع الحزب «القائد» أو معارضتهم لبرامجه وآيديولوجيته. 

هذا العجز جعل القوتين الإسلاميتين المذكورتين غير قادرتين على التعاطي مع القوى السياسية الأخرى التي تختلف من حيث الانتماء السياسي والآيديولوجي معهما، ما عجل من حالة الرفض لما يسمى «حكم الإسلاميين»، وأحدث درجة عالية من الامتعاض الجماهيري الواسع التي جاءت على شكل الخروج الجماهيري الاحتجاجي في وجه حركة «النهضة» وجماعة «الإخوان» ورفض توليهما لمقاليد قيادة السلطة السياسية في البلدين، الأمر الذي عجل من خروج الأولى (النهضة) من الحكم والصدام مع الثانية (الإخوان) المصرية، وصولا إلى إدراجها في خانة التنظيمات الإرهابية، ليس في مصر فحسب وإنما في العديد من الدول العربية.

فالأحداث التي شهدتها العديد من الدول العربية فيما يعرف بموجة «الربيع العربي» جاءت صدفة لصالح قوى الإسلام السياسي في هذه الدول، فهذه القوى ارتفعت أسهمها وتوسعت قاعدتها الجماهيرية على حساب انحسار القوى اليسارية والعلمانية والليبرالية العربية من مختلف الانتماءات الآيديولوجية، هذا الانحسار أحدث فراغا في وسط الجماهير العربية، وخاصة في أوساط فئة الشباب، استغلته قوى الإسلام السياسي بذكاء ولكنه ذكاء غير صادق وأمين، إذ قدمت نفسها على أنها القوى القادرة على إنقاذ المجتمعات من الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية الصعبة، وبأن القوى اليسارية والعلمانية والليبرالية، ليست قوى «أمينة» على مصالح هذه الشعوب، ناهيك عن أنها قوى تدعو إلى «محاربة» الدين وإبعاده عن الحياة السياسية والاجتماعية لهذه الشعوب.

الفراغ الذي تركته قوى اليسار والعلمانية والليبرالية المختلفة صب في صالح قوى الإسلام السياسي وجاءت أحداث ما يسمى «الربيع العربي» لتزيد من غلة المكاسب التي صبت في صالح هذه القوى (الإسلام السياسي)، وكان بإمكانها أن تستغل ذلك بذكاء، وخاصة أن ساحة المنافسة السياسية فتحت على أبوابها في كل من مصر وتونس من دون عوائق أمام هذه القوى، لكنها لم تحسن استغلال ذلك، ليس لأنها تفتقر إلى الخبرة السياسية أو أنها حديثة العهد على العمل السياسي العلني وأنها المرة الأولى التي تخرج فيها من تحت الأرض مكشوفة الرأس سياسيا وتنظيميا، وإنما لأن هذه القوى موبوءة بنزعة التفرد وتربت طوال تاريخها السياسي والعقدي على أنها تملك الحقيقة دون غيرها وأن مشروعية هذه النظرة تستند إلى آيديولوجيتها غير القابلة للرفض أو حتى النقاش.

هذه العقلية السياسية المتزمتة والنرجسية الآيديولوجية التي لازمت مسيرة قوى الإسلام السياسي أصابتها بالعمى جراء صدمة الخروج من الأرض والمفاجأة التي أحدثتها نتائج أول انتخابات تشارك فيها بوجوه مكشوفة وواضحة في كل من مصر وتونس، فهي ما إن اطمأنت إلى حجمها الجماهيري الواسع الذي أثبتته نتائج تلك الانتخابات حتى شرعت في وضع اللبنات الأولى لمشروعها التاريخي والذي لا يمكن إنجازه وتحقيقه إلا من خلال إقصاء وإزاحة جميع القوى المنافسة، وبأي وسيلة كانت، حتى وإن تطلب الأمر استخدام نفس الأساليب التي اشتكت منها قوى الإسلام السياسي في وقت سابق، لهذا فشلت في الحفاظ على مكاسبها وحضورها الجماهيري الواسع، وهي بالتالي حرقت مكاسبها بأيديها وليس بأيدي من تدعي أنهم أعداؤها السياسيون، فالأرضية الجماهيرية التي وقفت عليها هذه القوى هي نفسها الأرضية التي تشققت من تحت أقدامها.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news