العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

مقارنات بين الحاضر وما فات (5)

يستعر جيل الشباب من الوجبات المنزلية التقليدية، وقد يرفض تناول أكلات شعبية مثل المكبوس والفول في البيت، ولكنه لا يرى غضاضة في تناولها في مطعم، والشاهد هو أن الشباب المعاصر، راح ضحية فنون الإعلان التي تستدرج الناس إلى كوكتيل من المأكولات التي ينصح الأطباء بعدم تناولها.

لو سألت قبل ثلاثين سنة لواحد من جيلنا: ما هو «بشاميل»؟ لربما كان رده بالتساؤل: هل هو شخصية تركية؟ شخصيا كنت أعتقد أن الـ«المايونيز» شعب في جزيرة في المحيط الهادي، وأن كتشاب نوع من التمارين الرياضية، لأن تمرين الاستلقاء على البطن ثم رفع الجسم بقوة الذراعين اسمه بوشاب pushup، وأن مورتديلا ناد لكرة القدم في إيطاليا، ولما سمعت في أحد الأفلام زوجة تطلب من البعل وهو يغادر البيت، أن «يجيب معه ماجي» عندما يعود، حسبت ان ماجي طفلة من العائلة، ربما كانت في الروضة أو الحضانة.

وبالنسبة لمن هم دون الثلاثين فإن مسميات مثل كيه إف سي (وجيلنا مازال متمسكا بالاسم القديم لها «كنتاكي»)، وبيرغر كنج وماكدونالدس وبيتزا هت وشيليز وأبلبيز، وسلسلة طويلة من اسماء مطاعم تقدم الوجبات السريعة والبطيئة، مسميات مفهومة يعرفونها منذ أن كانوا أطفالا، ورغم أنني لحقت بعصر الوجبات «الوقافي» أي التي تأكلها وأنت واقف (عكس جالس)، قبل معظم أبناء جيلي، لأنني ابتُعِثت إلى لندن للدراسة بعد تخرجي في الجامعة بأعوام قليلة، إلا أنني لم أتذوق البيرغر إلا بعد ان انتشر وبائيا، فقد كنت سيئ الظن به لأن اسمه الأصلي هو «هام-بيرغر»، وهام تعني شرائح لحم الخنزير، وانتبه أصحاب المطاعم التي تقدم ذلك النوع من السندويتشات إلى ان المسلمين يعافونها بسبب وجود كلمة «هام» في أولها، وعرفت لاحقا ان «هام-بيرغر» أتت نسبة إلى مدينة هامبيرغ الألمانية (يسميها العرب هامبورج) التي كانت أول من ابتكر سندويتش سجق/ نقانق لحم الخنزير.

ما حدث هو أنه فكما اخترع أسلافنا الصفر و«فرْملنا» عنده عبر القرون، فقد اكتشفت أن بعض أقاربنا القدماء هم أصحاب براءة اختراع السندويتش، وحملني على مصالحة البيرغر أن المغول وليس أهل أوربا هم أول من ابتكره، (إذا أردت التبرء من المغول فأنت حر)، فقد كان جنود جنكيز خان في حالة غزو متصلة لأراضي آسيا وأروبا، ولم يكن لديهم وقت طويل يقضونه في إعداد وتناول الطعام، فكان كل جندي يضع شريحة لحم تحت سرج حصانه، وعند توقفه يجد تلك الشريحة مضغوطة ومسطحة يسهل طبخها وتناولها، بعد وضعها داخل قطعة خبز، وعندما احتل المغول موسكو ابتكروا طريقة أسرع لإعداد وطبخ اللحم وهي جعله مفروما، ثم تعريضه للضغط حتى يصبح كتلة متماسكة، ومنهم وصلتنا الكفتة اسطوانية الشكل، ولكن ولأننا دراويش، فقد ظللنا نأكلها ولا نقوم بتسويقها، ثم عرف بأمرها الغربيون فجعلوها كروية، فأخذنا منهم الفكرة بل والاسم «مِيت بول» وتعني كرة اللحم، ثم نزل الأمريكان السوق وضربوا الميت بول على أم رأسه وجعلوه مستديرا مفلطحا ونالوا بالأوانطة وسام ابتكار البيرغر.

الغريب في الأمر هو أن مدننا الكبرى بها العديد من فروع المطاعم الأوربية والأمريكية، التي تقدم لنا نفس الأكلات التي يمكن إعدادها في البيت أو المطاعم العربية الشعبية، ولكن بمسميات موسيقية فندفع مبالغ متلتلة لشرائها وأكلها، واتحداك أن تكون قد أكلت شيئا غير اللحم الأحمر والأبيض (سمك ودجاج) والبحري، في أي من تلك المطاعم. إنها عقدة المستورد، والغفلة! بمعنى ان تلك المطاعم تستغفلنا، وتقدم لك قطعة صغيرة من اللحم ولكن في برواز من الخضراوات والخزعبلات الملونة وتجد على طاولة الطعام طابورا من الأواني اللامعة، وحولك جرسون تحسبه من فرط أناقته «عريسا» سيجلس في الكوشه بعد دقائق، ويقوم المطعم بتحميلك جانبا من قيمة تلك الأواني والديكورات، بل وجانبا من راتب الجرسون الذي يكون عادة أكثر أناقة من الزبائن.. وهذا أمر «ملعوب». مو ممكن تكافئ كل هاذي القيافة بمبلغ هزيل.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news