العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

مقالات

سلسلة الأدب العربي: إعادة إحياء المخطوطات القديمة ترميم أقدم مكتبة جامعة في العالم

بقلم :كريم شاهين - صحفي في عدة صحف عربية وعالمية

السبت ١٢ ٢٠١٧ - 01:00

كنزٌ لا يقدر بثمن، خفي عن أبصار الورى، يسطع ضوؤه البراق من قلب مدينة فاس القديمة، التي اختيرت العاصمة الثقافية للمغرب، ويفوح أريجه في الآفاق. 

فعلى مرمى حجر من حي النحّاسين، الذي تكاد تنير سماؤه إبداعات فنية متلألئة، يرتفع باب حديدي شامخ عدة أمتار فوق الأرض، وتعلوه الأقبية. بمجرد أن تعبر هذا الباب، ستشعر بأنك قد انتقلت إلى عالم آخر، فيه يداعب الأحاسيسَ عبقُ الكتب القديمة، التي يعود تاريخها إلى عقود أو قرون. ويتناغم هذا الأريج مع أشعة الشمس الساقطة على طاولات المطالعة، الموجودة في وسط القاعة والمصنوعة من خشب الماهوجني اللامع، فتضيء المكان إشراقًا. وحين ترمق ببصرك نحو الأعلى، سيسحر ناظريك ألق السقف المرصع بزخارف وتصاميم تأسر الألباب، وتحمل في طياتها قرونًا من أجمل التصاميم التي أبدعتها الأجيال على مدار تاريخ المملكة. 

تأسست «خزانة القيراون»، وهي أقدم مكتبة جامعة في العالم، في القرن التاسع على يد فاطمة الفهرية، وهي ابنة تاجر تونسي ثري. والخزانة جزء من مجمع كبير يحوي تحت مظلته جامع القرويين وأقدم جامعة في العالم، تخرّج منها نخبة من العلماء والمفكرين، منهم المؤرخ ابن خلدون. 

ارتباط تاريخي

اضطلعت المعمارية الفاسية عزيزة شاوني بمهمة ترميم أروقة «خزانة القيراون»، وبذلك يعيد التاريخ نفسه، فها هي أقدم مكتبة جامعة في العالم تأسست على يد امرأة، تعيد مجدها التليد ورونقها الأخّاذ واحدة من بنات جنسها. 

ترتبط شاوني بعلاقة شخصية بهذا التراث المجيد، إذ أتم جدها الأكبر الدراسة في جامعة القرويين، بعد أن سافر إليها من قرية أجداده في المغرب. تستعيد شاوني ذكرياتها مع المكتبة، عندما كانت تتساءل عن هذا الباب الضخم المغلق وما يكمن وراءه. 

وتصف شاوني شعورها عندما عبرت الباب للمرة الأولى في حياتها وتملكتها الدهشة، قائلةً: «لقد كنت مذهولة». وبعد أن فتحت شاوني عينيها لأول مرة على ما يخفيه الباب الحديدي خلفه، لم يمض وقت طويل حتى تلقت عرضًا لترميم مبنى المكتبة. ولم يكن عمل شاوني على ترميم مبنى المكتبة والحفاظ على هذا التراث المجيد في مسقط رأسها هو الأول في مسيرتها، إذ سبقته جهودها الحثيثة التي أسهمت بها في استعادة كنز آخر في المدينة؛ إنه نهر المدينة.

غُمر هذا النهر المعروف باسم «نهر المجوهرات» تدريجيا بالخرسانة وأكوام القمامة بفعل الزيادة السكانية في المدينة، ومن ثم أخذت شاوني على عاتقها هي وشركتها المختصة بالهندسة المعمارية مهمة استعادة هذا النهر إلى طبيعته.

حماية المجموعات النفيسة

في القلب من المكتبة توجد أنفس المجموعات القديمة. وفي الماضي كان لزامًا، حتى تصل إلى تلك النفائس، أن تمر عبر الباب الحديدي الذي يوجد به أربعة أقفال يحمل مفاتيحها أربعة أشخاص مختلفين، لذلك عند فتح الباب يجب أن يتواجد الأربعة معًا، ومن ثم يمكن مطالعة المجلدات. 

تُحفظ هذه المجموعات في الوقت الحالي بعيدًا عن الأعين المتلصصة والأيدي العابثة في غرف ذات نظام أمني شديد، بواباتها محكمة الغلق بأقفال تعمل بتقنيات متطورة.

تضم مجموعة المجلدات المحفوظة في المكتبة نسخة القرن التاسع للقرآن الكريم، مكتوبة بالخط الكوفي المزخرف على جلد الجمل. إلى جانب ذلك، تضم المجموعة مخطوطات أصلية لابن رشد، ليوناردو دافنشي العالم الإسلامي، ونسخة موقعة من مقدمة ابن خلدون، وهي رسالة في تاريخ العالم ومظاهر عظمته، وإحدى المخطوطات النادرة الباقية من مؤلفات طبيب العصور الوسطى ابن الطفيل، العمل الأدبي الرائع «الأرجوزة الطبية». 

يعبّر أحد القائمين على رعاية المكتبة عن فخره الشديد وهو يعدد النفائس التي تضمها «خزانة القيروان»، قائلا: «الأرجوزة هي النسخة الأصلية الوحيدة الباقية. إنها بمثابة علاج يبعث في روحك السكينة، من مفرق رأسك حتى أخمص قدميك».

قيمة فكرية وروحية 

تمتاز مدينة فاس بهدوئها، ولا سيما في شهر رمضان الكريم، إذ تسيطر على أسواق المدينة القديمة، التي دائمًا ما تضج بحركة الزائرين جيئةً وذهابًا، حالة من الهدوء والسكينة عندما تستعر درجات الحرارة في أشهر الصيف، وينهك الصيام أبدان الصائمين. تمتلك مدينة فاس أكبر شبكة للمشاة في العالم، ولا يزال أهلها متمسكين بالعيش فيها، يتنسمون في ظلالها عبق التاريخ الذي يملأ صدورهم فخرًا. ظلت المدينة القديمة، التي تأسست في القرن الثامن على يد الدولة الإدريسية، العاصمة السياسية للمغرب حتى القرن العشرين. وعلى الرغم من انحسار أهميتها السياسية وتحولها تدريجيا إلى مدينة قروية، فقد استعادت المدينة أهميتها ومكانتها كعاصمة فكرية وروحية، وأدرجت في قائمة منظمة اليونيسكو للمواقع التراثية العالمية كموقع تراثي تتعدى قيمته الحدود.

أمن وهدوء تحظى بهما مدينة فاس يجعلانها المكان الأمثل لاستعادة أقدم مكتبة في العالم، في الوقت الذي تطال فيه يد العبث والنهب والتدمير ثقافة منطقة الشرق الأوسط وتراثها في أماكن أخرى بعيدة عن المغرب، الذي فيه يحفظ التراث، ويزال الغبار عن أنفس الكنوز.

«يجب أن يبقى خالدًا أبد الدهر»

استطاعت شاوني وفريقها إدخال نظام جديد للصرف الصحي وقناة تحت الأرض لسحب الرطوبة والمياه بعيدًا عن لفافات الورق القديم، وترميم الهياكل المتهالكة وألواح الخشب البالية، وتركيب ثريا جديدة «نجف متعدد المصابيح»، إلى جانب بناء مختبر متطور لمعالجة المخطوطات والحفاظ عليها، ولا سيما المخطوطات التي تصلبت أوراقها، في بعض الحالات، حتى أنها وصلت إلى مرحلة التشقق منذ فترة طويلة.

ومن المتوقع أن يدشن الملك محمد الثاني، الذي أمر بترميم المكتبة، إعادة فتح المكتبة، وسيصحب التدشين إطلاق معرض يضم أثمن المجموعات في المكتبة ويمكّن عامة الجماهير من رؤيتها، فيعزز في نفوسهم مفهوم أن هذا التراث هو تراثهم ومسؤوليتهم ويمنحهم فرصة التفاعل معه.

اختتمت عزيزة شاوني، قائلةً: «أود أن يستطيع أطفالي رؤية هذا التراث، ويجب أن يبقى خالدًا أبد الدهر».

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news