العدد : ١٤٤٥٤ - الخميس ١٩ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٤ - الخميس ١٩ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٩ محرّم ١٤٣٩هـ

مقالات

«منح صغيرة» لتحقيق أحلام اللاجئين الكبيرة

بقلم: باميلا كسرواني متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

السبت ١٢ ٢٠١٧ - 01:00

مخبز، مشغل للخياطة، حضانة لرعاية الأطفال، بقالة، كشك لبيع القهوة... هذه بعض المشاريع التي يحلم اللاجئون السوريون والفلسطينيون في لبنان بتحقيقها لكسب لقمة العيش، وهي التي أسهم برنامج «المنح الصغيرة» الذي أطلقته جمعية «بسمة وزيتونة» بترجمتها على أرض الواقع.

وتُعرّف هبة ضاهر مديرة البرنامج عنه قائلة: «في محاولة لتمكين اللاجئين السوريين والفلسطينيين، أطلقت «بسمة وزيتونة» برنامج «المنح الصغيرة» الذي يهدف إلى تدريب الشريحة المستهدفة على مبادئ ريادة الأعمال، بحيث يحصل المتخرجون على قروض مالية تساعدهم في نهاية المطاف على تطوير مهاراتهم والخروج من دوامة الفقر». 

وبالفعل، منذ انطلاق الدورة الأولى من هذا البرنامج، تغيّرت حياة كثيرين من الذين التحقوا به. بسمة منصور سيدة فلسطينية سورية تبلغ من العمر 46 عامًا أُجبرت على الهرب إلى لبنان مع عائلتها وتعيش في مخيم شاتيلا. هي سيدة قوية عُرفت بقدرتها على علاج الحروق والكسور والكدمات بسبب معرفتها الواسعة الموروثة في مهنة التجبير العربي، إلا أن الحياة في لبنان صعبة، فعانت بسمة من مرض القلب والسكري من دون رعاية ملائمة بسبب الظروف المالية الصعبة، في حين أن زوجها يعاني من ارتفاع ضغط الدم والسكري وهو مقعد بعد إصابته في الحرب. أضف إلى ذلك الوضع النفسي، إذ أن ابنها (15 عامًا) توفي خلال الحرب. وتخبرنا ضاهر: «لم تحصل بسمة على المنحة لأن مشروعها يحتاج إلى شهادة طبية لأنها كانت تنوي أن تفتح مركز رعاية لعلاج الحروق الملحة بفضل الأعشاب الطبية، إلا أننا لاحظنا تفاعلها الممتاز وقدراتها التحليلية العالية خلال التدريب». وتضيف ضاهر: وبالتالي فإن فريق العمل شجعها على التقدم مجددًا للحصول على منحة وإنشاء متجر لبيع الحبوب والأعشاب والمأكولات. وها هي اليوم قد أحدثت التغيير الذي طالما انتظرته واستعادت الأمل والرغبة في النجاح. وبعد عام على إطلاق متجرها، تعمل على توسيعه وإدخال منتجات جديدة لبيعها.

وضع غسان دجاني اللبناني الفلسطيني ليس أفضل؛ إذ إنه يعيش في مخيم شاتيلا منذ أكثر من 30 عامًا. وخلال إحدى الحروب أصيب في قدمه، ما أدى إلى معاناته من الالتهابات والألم والأورام وإلى اعتماده على مساعدات الجمعيات الخيرية والمنظمات والجيران. هو اليوم متزوج وأب لثلاثة أطفال، وكان أهله قد تخلوا عنه في صغره. وتطلعنا ضاهر: «أتى إلينا غسان من أجل الدعم الفوري لأنه كان معرّضًا لبتر ساقه. وعلى الرغم من إصابته حضر الدورات التدريبية بأكملها، والتي كانت تُنظّم في الطابق الرابع، وكان يحلم بأن يفتح دكانًا صغيرًا حيث يستطيع الجلوس والتوقف عن التجول في الشوارع لبيع المحارم. وفي النهاية، تحقق حلمه ويبيع غسان في متجره المواد الغذائية وأدوات التنظيف والسجائر والحلوى». 

ويقول غسان إن حياته تغيّرت كثيرًا، حيث بات يشعر بأنه قادر على إنفاق الأموال على عائلته من دون أن ينتظر المساعدات. أما ناصر الزعبي فهو سوري هرب إلى لبنان بحثًا عن الأمن والسلام وأجبر على تقبّل الواقع المرير وأنه لم يعد يملك متجر الكمبيوتر الذي استثمر سنوات حياته فيه. في لبنان، عمِل على جمع النفايات والخردة لبيعها وجمع بعض المال، إلا أنه كان يحلم بأن يتمكن من تأمين الحد الأدنى من مستوى العيش الملائم له ولعائلته. وهنا تقول ضاهر: «تابع ناصر الدورات التدريبية وأظهر كثيرا من التصميم والإرادة، إلا أننا لم نتمكن من فتح متجر كمبيوتر له لأنه كان يحتاج إلى ميزانية عالية. ولكن، بعد الاستشارة، اكتشفنا أنه يملك مهارة فريدة في إعداد القهوة العربية، واشترينا له دراجة نارية، وصممنا صندوقًا يمكنه أن يضع فيه أدوات القهوة من أجل بيعها في منطقة واسعة». وتضيف ضاهر: «لا يجد ناصر الكلمات المناسبة ليصف مدى امتنانه، وهو الذي يستطيع اليوم كسب المال من دون أن يضطر إلى دفع العربة المحملّة وإلحاق الأذى بظهره».

هذه ليست إلا عيّنة صغيرة من قصص نجاح كثيرة. فهذا البرنامج الذي بدأ مشواره لتمكين النساء تحوّل إلى برنامج يستهدف الرجال والنساء معًا. وتشرح لنا ضاهر هذا التحوّل قائلة: «خلال تطبيق الدورة الأولى، حضر عديد من الرجال المهتمين إلى مكتبنا عارضين علينا مشاريعهم ومُطالبين بالحصول أيضًا على منحة متوافقة. بعدها، قررنا أن نحدّد نسبة تجريبية حيث نستهدف 25% منهم. سارت الأمور أفضل مما كان متوقعًا، حيث أظهر الرجال التزامًا كبيرًا ومثابرة، وكنا قادرين على تأسيس شركات ناشئة جديدة مثل متجر حلاقة، وحلويات وحدادة».

حتى الآن لا يزال البرنامج يستهدف 75% من النساء و25% من الرجال، تتراوح أعمارهم بين 18 عاما و55 عامًا وتختلف نسبة الجنسيات من منطقة إلى أخرى؛ فعلى سبيل المثال، يطول البرنامج في مخيمات بيروت 75% من السوريين و25% من الفلسطينيين. ولكن، كيف يتبلور برنامج «المنح الصغيرة» على أرض الواقع؟ انطلق البرنامج بداية عام 2015 من مخيم شاتيلا ليتطوّر وينتقل إلى مخيمات ومناطق أخرى في لبنان. ولا بد من الإشارة إلى أنه يُعطي الأولوية للتسجيل للذين يفتقرون إلى الوسائل الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية اللازمة للحصول على التدريب في مجال ريادة الأعمال والقروض المالية لإطلاق المشاريع التجارية الصغيرة.

وتشدد ضاهر على أن أهداف البرنامج واضحة جدًّا وهي «المساهمة في التمكين الاقتصادي للاجئين السوريين/الفلسطينيين والسوريين في لبنان من أجل إعدادهم للاستثمار في النمو الاقتصادي الدائم والشامل والمستدام في سوريا، وتسهيل استقلاليتهم من المساعدات الإغاثية (سلال غذائية - مساعدات نقدية..)». وتضيف أن البرنامج يريد أيضًا «الحد من هشاشة وضع المستفيدين المستهدفين بفضل تسهيل وصولهم إلى دورات ريادة الأعمال والائتمان المالي، ما يتيح لهم فرصة الحصول على مصدر مستقل للدخل وزيادة قدرتهم على اتخاذ القرار، كما أن 75 في المائة منهم من النساء، وهذا يساعد على كسر الأدوار التقليدية للجنسين التي تربط الإناث بالمهام المنزلية وتعيق قدرتهنّ على المشاركة في الإنتاج والعمل خارج البيت». أما الهدف الثالث فيكمُن في «التخفيف من التوتر القائم مسبقًا بين المجتمع المضيف واللاجئين من خلال إشراكهم في المشاريع الأكاديمية والاقتصادية التعاونية».

يخضع المهتمّون لمرحلة اختبار قبل بدء برنامج التدريب الذي يمتد على مدار ثمانية أسابيع، حيث يتعلّمون كل ما يتعلق بإدارة الأعمال مثل دروس في المحاسبة، التسويق، استراتيجيات إدارة الأعمال، الحوسبة، التسعير، قائمة جرد السلع وغيرها من المفاهيم. وتشير ضاهر إلى أن «منهج البرنامج تمّ تصميمه خصيصًا للأفراد الذين لديهم خلفية تعليمية محدودة والذين هم أكثر عرضة للفقر. ويركز البرنامج على العمل الجماعي، من أجل تسهيل التعاون بين الأفراد وتشجيعهم على تطوير المشاريع الجماعية». 

وبعد إتمام التدريب على ريادة الأعمال، يعمل المتدربون طوال شهر على تطوير عرض العمل ويقومون بدراسة السوق للتعرف على ظروف السوق والأسعار، حتى يتمكنوا من تطوير مقترحات أعمالهم على النحو الأمثل بدعم من المدرّبين. في نهاية هذه المرحلة، يتم تحديد المرشحين لتقديم اقتراح أعمالهم أمام لجنة المنح.

بعدها يتمّ اختيار الأشخاص الذين سيحصلون على منحة والتي غالبًا ما تكون بمعدل 1000 دولار؛ مبلغ لا يُعطى نقدًا للمستفيدين بل يقوم فريق عمل «المنح الصغيرة» بشراء المستلزمات أو المنتجات التي يحتاج إليها الفرد من أجل إطلاق مشروعه. ويواصل الفريق متابعة تطور وحسن سير الأعمال من أجل النصح والإرشاد، كما أن من يحصل على المنحة الأولى يستطيع أن يتقدم بطلب جديد، في حال نجاح مشروعه.

يسعى برنامج «المنح الصغيرة» إلى تقديم التدريب والمنح لأكبر عدد من الأفراد حتى لو كان الأمر صعبًا أحيانًا. وهنا تقول ضاهر: «أكبر تحدٍّ نواجهه اليوم هو الطلب المرتفع في المخيم مقابل العدد المحدود من المستفيدين». إضافة إلى ذلك، تشير إلى أن المشكلة الأخرى التي تواجههم هي أن معظم المتدربين قد يكونون مؤهلين للحصول على المنحة إلا أن طلبهم يُرفض لعدم مطابقته الميزانية المتوافرة. 

على الرغم من التحديات التي يواجهها القيّمون على البرنامج فإنهم يواصلون جهودهم للحدّ من التحديات التي يواجهها اللاجئين. وهنا تقول ضاهر: «إذا لم يتقدم الفرد بخطة أعمال جيدة نحاول التدخل. وإذا واجه صعوبة في إيجاد متجر للإيجار نساعده في البحث. وإذا احتاج إلى دروس إضافية نوفّر ما يحتاج إليه. وفي بعض الحالات المحدودة نتدخل إذا وجدت مشاكل عائلية». وتتابع قائلة: «سنقوم بتطبيق البرنامج نفسه قريبًا في مخيم البرج، وسنعمل على زيادة مبلغ المنحة الحالي»؛ علّنا نوفّر يد العون بشكل أفضل. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news