العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الثقافي

شيماء الوطني في أمسية «المرأة في القصة البحرينية»

متابعة: حسن بوحسن

السبت ١٢ ٢٠١٧ - 01:00

المنجز القصصي البحريني اعتنى بشخصية المرأة وقدمها في نماذج عديدة


يستمد القاص البحريني شخصياته ونماذجه القصصية إن كانت رجلا، امرأة، ولدا، فتاة، شيخا كبيرا، امرأة مسنة، شابا أو شابة من عمق المجتمع البحريني وبما يكتنز به الواقع المجتمعي المحيط به من نماذج معبرة ومؤثرة على نفس القاص الذي يجد فيها مادة دسمة لكتابة قصصه وتنعكس على جمال التجربة والمنجز الأدبي، ومن كتاب القصة من يغوص في تقديم نماذج من الطبقة الكادحة وكذلك العكس حيث تناول كتاب آخرون نماذج وشخوص من الطبقة الارستقراطية ليقدمها بحسب الأسلوب والبناء القصصي الذي يعنيه ويرتضيه، وما ذهبت إليه الأمسية الأدبية «المرأة في القصة البحرينية» التي نظمها ملتقى القصة بأسرة الأدباء والكتاب هو البحث في مكانة وموقع ونصيب المرأة في القصة القصيرة البحرينية وكيف تناول القاص البحريني المرأة ومن أي زاوية تعامل معها وقدمها في نصوصه القصصية.

ومنذ البداية أشارت الكاتبة شيماء الوطني إلى قلة الدراسات والمصادر المهتمة بتتبع النتاج البحريني من القصة القصيرة، إلا أنها استعانت بأسماء لمجموعات قصصية كتبها بحرينيون وبحرينيات للوصول إلى الهدف، وتضيف: «ولأن المرأة جزء لا يتجزأ من هذا الواقع فإن ذلك منحها حضورًا رئيسيا ضمن شخصيات معظم القصص القصيرة»، وترصد الوطني أبرز صور المرأة في القصة البحرينية، وخاصة أن عددا لا يستهان به من المجموعات القصصية قد صدرت لقاصين وقاصات في فترة ممتدة منذ الخمسينيات حتى اليوم، وقد تنوعت ما بين شخصيات رئيسية ومحورية مؤثرة في سير أحداث القصص، وشخصيات أخرى هامشية باهتة وغير مؤثرة.

وتواصل الكاتبة شيماء حديثها قائلة: وسنجد أيضا من أورد المرأة في قصته لا لشيء إلا ليبرز الكيان الذكوري في العمل من خلال استحضار نقيضه الأنثوي! وبدايةً سنتطرق إلى النماذج النسائية التي تناولتها بعض القصص القصيرة، التي تنوعت ما بين شخصيات رئيسية ومحورية مؤثرة في سير أحداث القصص، وشخصيات أخرى هامشية باهتة وغير مؤثرة، أولاً سنبدأ بأكثر النماذج نمطية وتكرار في القصص وهو نموذج الأم حيث تميل معظم القصص القصيرة البحرينية إلى تناول الأم من جانب إيجابي يفيض بالحب والحنان والتفاني لأجل رعاية من حوله، فهي في قصة (كلما رأيتها) للكاتب أحمد المؤذن في مجموعته (أنثى لا تحب المطر) أم لا تملك قوت يومها ولكنها تضحي بالقليل مما تملكه لإحضار شاحنة يحلم بها طفلها، أو هي (جوهرة) عند الكاتبة عائشة عبدالله غلوم، المرأة المتفانية التي تفقد حياتها أثناء ولادتها لابنتها الثانية التي ستحمل اسمها من بعدها. 

وتتطرق الوطني إلى نموذج المرأة الزوجة كأحد النماذج المتكررة بامتياز في القصة البحرينية حتى وإن كان دورًا مكملاً لشخصية الرجل المطروحة في القصة، فشخصية المرأة الزوجة تختلف وتتعدد وإن كان الزواج هو الإطار العام لها فهي متعددة الوجوه والأحوال (العاشقة، الوحيدة، المضحية، المتفانية، العاملة، العاقر، الأرملة، المخدوعة والمطلقة، وتقدم الوطني مثالا عند الكاتبة أمل عبدالوهاب التي قدمت نموذج الزوجة الصابرة التي تتحرق شوقًا للقاء زوجها المعتقل في قصة (انتظار)، وفي نموذج المرأة المعنفة والضعيفة تشير الكاتبة شيماء الوطني إلى أن هذا النموذج له نصيب الأسد من الحضور في مجمل القصص القصيرة، صورة المرأة المغلوبة على أمرها تحت وطأة العديد من الضغوطات، فالمرأة سلبية خاضعة للسلطة الذكورية المتمثلة غالبًا في (الأب، الأخ والزوج) وضحية للعنف، الهجر والخيانة، تعاني الوحدة والتهميش، كما هو عند زهراء الروساني في قصتها (ظل) حيث تقدم نموذج الأم الضعيفة والمغلوب على أمرها وهي تحاول إقناع ابنتها أن تقبل الحياة ذاتها التي تعانيها فقط لتكون تحت حماية (ظل) رجل! وأما عند يثرب العالي في قصة (قلم كحل) تجد المرأة المعذبة خلاصها بإصابة من زوجها العنيف بالعمى، وحتى عند عائشة عبدالله غلوم فإن المرأة تقبل الزواج من رجل أعمى ولكنه يقابل تضحيتها بالعنف اللفظي والمادي في قصة (بين الصمت والموت).

وتؤكد الكاتبة شيماء الوطني في الورقة المتميزة التي قدمتها أنه ليست الكاتبات فقط هن من كتبن عن معاناة المرأة المعنفة ولكن الكاتب أحمد المؤذن في قصته (نافذة لا تفتح) يحكي لنا عن المرأة المغلوبة على أمرها وهي تخاطب حالها (سنين أنت زوجي ومن واجبي طاعتك أفعل ما تشاء) منتهى الانهزامية والاستسلام لغطرسة الزوج الذي (أرادها خرقة يمسح فيها غروره وعقده الداخلية) كما صاغ الكاتب حاله! وأما المرأة المغتصبة وهو نموذج صارخ لقضية العنف ضد المرأة وانتهاك حقوقها فقد عرضته أمل عبدالوهاب في قصة (وقت ليس لي) وهو العنوان الذي حملته مجموعتها الصادرة مؤخرًا.

وتنتقل الوطني إلى نموذج المرأة العاشقة أو المعشوقة كأحد أهم النماذج التي تحفل بها القصص القصيرة حتى وإن لم يكن حبًا متكافئًا كما في قصة (القطة الأثيرة) ليثرب العالي حيث تقع الطالبة في حب أستاذها الجامعي وتشعر بالغيرة من تهديد طالبة أخرى تنافسها على حبه، وفي نموذج المرأة الخائنة تلتصق تهمة الخيانة بالمرأة في كثير من القصص القصيرة خصوصًا القصص المكتوبة من قبل الكاتب الرجل، وسواء كانت خيانة حقيقية أو خيانة وهمية تنمو في عقل الرجل وحده، فالمرأة تظل فيها مثال على الخيانة، فالكاتب محمد عبدالملك في مجموعته (درس السعادة) يقدم ومن خلال قصتين هذا النموذج، الأول في قصة (طباع الأغنياء) حيث نجد علاقات معقدة ومتشابكة بين الأزواج أساسها خيانة المرأة، فتارةً هي عشيقة لرجل غني وتارةً أخرى هي زوجته التي تكتشف خيانته فتقوم بخيانته انتقامًا لكرامتها.

وتتابع قائلة: وفي قصة (حزام العفة) يذكر الكاتب على لسان بطله هذه العبارة (لا أثق في أي امرأة، كل امرأة هي خائنة بالفطرة)، وهذا الاعتقاد يدفع الرجل لإلباس زوجته حزام العفة ليقمع أوهامه وشكوكه، أما الكاتب عبدالقادر عقيل في قصة (الجاثوم) فإنه يصور البطل الذي يكتشف خيانة زوجة جارهم لزوجها مع أخ زوجها المقعد ما يترك الخيانة هاجسا في نفسه يجعله يقرر أنه إذا ما كبر وتزوج فإنه لن يترك زوجته وحيدة في البيت، وفي نموذج المرأة المجنونة عند الكاتب جمال الخياط في قصة (الظل الأليف) التي حملتها المجموعة كلها نرى المرأة هنا توسم بالجنون بعد أن تقع ضحية مغلوبة على أمرها من قبل جماعة شوهت سمعتها ولطخت سيرتها تاركةً إياها أنثى منكسرة مسلوبة فتتحول من كيان إنساني إلى مجرد ظل للجنون، وفي قصة (الضحك الفاجع) لعائشة عبدالله غلوم يتكرر ذات النموذج ولكن هذه المرة لأم مجنونة تكافح وتتحمل الصد من أقاربها لترعى صغارها.

كما أوردت الكاتبة شيماء الوطني نماذج للمرأة المنحرفة وفي هذا الجانب تقول «يقدم بشيء من التحفظ، فالقاص أو القاصة البحرينية ينأى لاعتبارات وتحفظات مجتمعية عن وصف سلوك المرأة المبتذل أو الجانب الحسي لجسدها وقد يصل ذلك إلى حد المبالغة مقارنةً بنماذج قصصية عربية فجسد المرأة يدخل ضمن المقدسات التي لا تنتهك بابتذال، وقليلة هي القصص التي تحدثت صراحة عن المرأة ووصفتها بأنها مكمن الشهوة والرغبة كما في قصة (أصوات الماء) للكاتب حسين المحروس في مجموعتة المعنونه بـ(ضريح الماء) حين يتسلل البطل خلف الحمام الخشبي متسائلاً (لم أكن أعرف بعد، كيف يكون صوت الماء عندما يسقط على جسد امرأة)، وفي مجموعة (سهرة) للكاتب عبدالله خليفة تتجسد خطيئة المرأة ومتاجرة الزوج لجسدها على لسان ابنها في قصة (أنا وأمي) حيث يشعر الابن بالخزي من والدته العاهرة ويسعى للتخلص منها فنجده يحادث شيخ المسجد قائلاً (أنا تعب يا سيدي.. أمي عاري الذي أحمله في كل مكان).

وتواصل الوطني تقديم نماذج المرأة المتمردة وثمة قصص تتعلق بموضوعات ونماذج استثنائية وبعيدة عن النمط التقليدي، كما في قصص الكاتبة معصومة المطاوعة، المرأة المتسلطة وتبدو شخصية ثانوية في معظم القصص، المرأة العاملة والطموحة وهو من النماذج التي قليلاً ما تُكتب في القصص ولكن الكاتبة يثرب العالي أفردت في مجموعتها (أبيض أحيانا) عدد من قصصها لتنقل لنا جزءا من عالم المرأة الطيبة وما يواجهها من تحديات، المرأة الريفية حيث يظهر هذا النموذج بشكل جلي لدى معظم الكتاب الذين ترعرعوا في بيئة ريفية خالصة، ساعدتهم في رسم ملامح المرأة الريفية البسيطة والمكافحة والخاضعة في كثير من الأحيان لسلطة مجتمعها وأحكام العادات والتقاليد ومن هؤلاء الكتاب الذين برعوا في تجسيد نموذج المرأة الريفية في قصصهم الكاتبان حسن بوحسن وأحمد المؤذن.

وتبين الكاتبة شيماء الوطني أن هناك جانب مهم وهو تفضيل المرأة ككاتبة للقصة القصيرة على سواها من الفنون الأدبية، لا على مستوى الكاتبات البحرينيات فحسب بل يشمل ذلك الكاتبات العربيات أيضًا ولنا أن نتساءل لماذا لجأت المرأة الكاتبة للقصة القصيرة؟ ويرجع السبب في ذلك إلى أن المرأة ورثت فن الحكي الشفهي القديم منذ عصر شهرزاد وحتى وقتنا، فهذا الفن هو الأكثر رحابة للتعبير عن بوح المرأة ومكنوناتها، وليس صحيحًا أن الكاتبات يلجأن إليه بسبب سهولته، ولكن لأن القصة مجال رحب للتعبير عن حالات الإنسان ومشاعره واضطراباته النفسية، وتختتم «ولذلك كانت القصة القصيرة وسيلة المرأة للتعبير عن مكنونات نفسها، وتصوير مجتمعها، وما يطرأ عليه من تغيرات وتطورات تواكب التقدم الحضاري وطبيعة العصر، فالمرأة القاصة وبحرفية عالية استطاعت أن تطلق صوتها وتتحدث عن معاناتها وأحلامها من خلال كلماتها.

وقد تلجأ المرأة الكاتبة إلى استخدام رموز متكررة أهمها (المرآة والحلم) لترجمة هواجسها ومخاوفها الواقعية ومنها هواجس الطلاق، المرض، الموت والخيانة، فيتداخل الواقع مع المتخيل بصورة سيريالية وهو ترميز يعوض المرأة عما لا تستطيع قوله في الواقع واليقظة وقد استخدمت الكاتبة شيماء الوطني هذه التقنية في قصتها (أخبرتني المرآة) التي تحكي فيها قصة امرأة مريضة بالسرطان يتحول جدار غرفتها في المستشفى إلى مرآة ترى عليها هواجسها. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news