العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

الاسلامي

من أسرار الحج (1)

بقلم: د. آلاء مجدي عطية

الجمعة ١١ ٢٠١٧ - 11:49

للحج العديد من الأسرار في أركانه المختلفة منها:

أولاً: من أسرار ثياب الإحرام:

1- إن ثياب الإحرام البيضاء التي نرتديها على اللحم، والتي يشترط أن تكون غير مخيطة، هي رمز الوحدة الكبرى التي تذوب فيها الأجناس، ويتساوي فيها الفقير والغني؛ لأن في هذا الثوب البسيط معني الأخوة والمساواة برغم تفاوت المراتب والثروات.

2- وهي رمز للخروج من زينة الحياة الدنيا.. تمامًا كما نأتي إلى الدنيا في لفة، ونخرج منها في لفة.

3- وهي رمز للتجرد التام أمام حضرة الخالق؛ لأننا أمام الله لا نكاد نساوي شيئًا، بل نحن بالنسبة إليه سبحانه: لا شيء فعلينا أن نخلع كل ثياب الغرور والزينة، متجردين من شهوات النفس والهوى، حابسين إياها: عن كل ما سوى الله، وعلى التفكير في جلاله.. وما التلبية بعد الإحرام إلا شهادة على النفس بهذا التجرد، وبالتزام الطاعة لله، والامتثال لأوامره.

4-وثياب الإحرام ثوب من قطعتين، رمزًا لستر العورة الظاهرة، وستر العورة الباطنة.. الأولى: حياء من الخلق، والثانية: حياء من الخالق. وحياء من سوء الخلق الظاهر الذي تعرفه الناس، وحياء من العورة الباطنة، عورة القلوب والنفوس والشهوات، التي لا يراها، ولا يطلع عليها، إلا الله.

ثانيًا: من أسرار الطواف حول الكعبة:

1- إن المسجد الحرام ـ أقصد كعبته - هو أول بيت اتخذه الإنسان لعبادة الله.. ومنذ ذلك التاريخ أصبح هذا المكان «رمزا قدسيًا»، أصبح بيتًا لله، بل إن شئت قلت: أصبح «علم الله المركوز في أرضه» ومن ثم نحن نطوف حوله تعظيما لله، متبعين في ذلك سننه وقوانينه الكونية؛ ألا تلاحظ معي - في قوانين المادة وسننها التي اكتشفها الإنسان - أن «الأصغر» يطوف حول «الأكبر» وأن الإلكترون «في الذرة يدور حول نواتها، وأن القمر يدور حول الأرض، وأن الأرض تدور حول الشمس، وأن الشمس تدور حول المجرة، وأن المجرة تدور حول مجرة أكبر، وهكذا إلى أمد لا يعلمه إلا الله.. ومن ثم، فنحن نطوف حول الكعبة «تعظيمًا لله» وتأكيدًا على أنه سبحانه مركز الثقل في حياتنا كلها، فمنه البدء وبه المسيرة، وإليه المصير.

2- إن الطواف رمز للحب والتعلق الكاملين بالله: شعورًا وقولاً وفعلاً.. فأنت تطوف حول بيته سبحانه بقلبك وعقلك وقدميك.. فما الطواف - في حقيقته - إلا دوران للقلب والقالب حول قدسية الله، صنع المحب مع المحبوب المنعم الذي ترى نعمته ولا تدرك ذاته.

3- وهو رمز لدوران الأعمال حول قطب واحد، واستهداف الحركات والأفكار لهدف واحد: هو الله؛ حيث كل شيء منه وإليه.. فالطواف هو التعبير الجسمي والروحي - بالكلمة والفعل والقلب - عن «توحيد الله» وعن «مدى إخلاصك له» وعن وحدة أهدافك الظاهرة والباطنة بتحليقها حول مراد الله واستهدافها لرضاه.

ثالثًا: من أسرار تقبيل الحجر الأسود:

قد يقول قائل: «ألا تلاحظ معي أن تقبيل الحجر الأسود وثنية صريحة؟

1- ويحك.. ألا تُقَبل خطابًا يأتيك من حبيبتك؟ هل أصبحت بذلك وثنيًا؟ اللهم لا.. فعلام اللوم إذا قبلنا نحن ذلك الحجر الذي حمله نبينا صلى الله عليه وسلم في ثوبه وقبله.. إن تقبيلنا له تزود من غائب؛ فأنت تضع شفتيك حيث وضع النبي صلى الله عليه وسلم شفتيه.

2- واعلم، رحمك الله، أن الحجر الأسود يمين الله في أرضه - رمزًا - من استلمه بالإشارة أو اللمس أو التقبيل فقد بايع الله على الالتزام بأمره ونصرة دينه.. فعند الحجر تكون البيعة لرب الأرض والسماء على الإيمان والتصديق والعمل والوفاء؛ الإيمان بالله لا بالحجر، والتصديق بكتابة لا بالخرافة، والعمل بسنة نبيه المختار لا بسنة الكفار والفجار، والوفاء بعهد الله - توحيدًا خالصًا قلبًا وقالبًا في العادات وفي المعاملات.

3- فتأمل، وافهم، ولا تكن مع الغافلين؛ لأننا لا نتجه بمناسك الحج نحو الجدر والأحجار ذاتها، وإنما نحو المعاني العميقة والرموز والذكريات كما مر وكما سيأتي إن شاء الله.

رابعًا: من أسرار السعي بين الصفا والمروة:

1- إن السعي بين الصفا والمروة ومثله رمي الجمار، والشرب من زمزم إعلان لارتباط الإسلام وأمته بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وعائلته؛ لتؤكد الأمة الإسلامية بهذا الارتباط أنها سائرة على درب النبوات السابقة ومتممة لها لا منكرة إياها ولا شاذة عنها.

-إن مثل تلك الشعائر، التي يؤديها الحجاج، توقظ في نفوسهم ذكرى الأنبياء العظام الذين قاموا بمثل تلك الشعائر في نفس تلك المواطن، وتعيد إلى الحياة أعمالهم، وتوقظ النزوع إلى الاقتداء بهم في كل تصرفاتهم.. وهى إحياء لذكريات عزيزة وأيام لا تنسي في حياة هؤلاء الأنبياء.

2- والسعي بين الصفا والمروة تذكير للمسلم بوجوب البحث والعمل والكد والسعي في حياته الدنيا إذا أراد الارتقاء والتقدم، بل النجاة.. فهو رمز للهرولة التي يجب أن يعيش فيها كل منا إلى لحظة وفاته إذا الكسل والدعة والتواكل ليست من صفات المسلم الحق، ملتمسا من الله طيلة حياته العون والتأييد والرضوان والغفران.

3- إن السعي بين الصفا والمروة سعي بين نقطتين محددتين وهذا يرشدنا إلى «تأطير» و«تقصيد» و«ضبط» و«تنظيم» مسعانا في حياتنا الدنيا؛ بأن نجعل له «إطارًا» و«قصدًا» وخطة وإلا فستنفلت الأمور، ويموج بعضنا في بعض، فيخيب مسعانا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news