العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

الاسلامي

بين الأصالة والمعاصرة.. د. القاسمي أنموذجا

بقلم: عاطف الصبيحي

الجمعة ١١ ٢٠١٧ - 11:40

أنزلوا الناس منازلهم.. قاعدة تسُر الناظرين والسامعين فضلاً عن المُدكرين وهي في الوقت عينه أيقونة أخلاقية إن كانت طوعًا لا كرهًا لا تشوبها شُبهة الإكراه أو التزلف بحثًا عن متاع زائف وزائل، نقول هذا لأن المعني بهذه الكلمات الدكتور القاسمي حاكم الشارقة، فإن المداد هنا ينساب تلقائيًّا احترامًا وتقديرًا، والأهم من ذلك يقطُر الكلام لا إراديًّا.

لم أتشرف بزيارة الشارقة لكني جاورتها من الأعوام عشرا، وفي تلك الأثناء توطدت علاقتي بفنان بحريني (نحات) هو فؤاد البنفلاح، وهو فنان إنسان مرهف الإحساس، وهو من حدثني عن الشارقة وعن حاكمها الفذ الدكتور الشيخ سلطان القاسمي، ما أثار فضولي لأنه كان يتحدث عن شارقة الخير وكأنه يصف رؤيتي أو بتعبير أدق يُشخص أُمنياتي عيانًا في تلك الواحة الخليجية التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، ما ولد لديه أملا كبيرا في إنشاء مشروع ضخم، حيث أوحى إليه خياله الفني بنحت أسماء الله الحسنى كاملة وإقامة معرض دائم وخاص لهذه الغاية إسهامًا منه في ترسيخ الهوية العربية الإسلامية التي يعمل الشيخ سلطان على ترسيخ هذا الطابع لشارقته وشارقتنا منذ زمن ليس بالقصير وأرسل برسالة إلى الشيخ الدكتور سلطان بهذا الخصوص.

لست بكاتب وما امتهنت الكتابة يومًا لكن السيد عبدالرحمن البنفلاح شرّع لي نافذة في أخبار الخليج فشرعت فورًا بلا تردد ومن باب الوفاء والثناء على من تأثرت بهم بتسطير امتناني لهم، فخطت يداي مقالة حب واحترام عن المُفكر علي عزت بيجوفتش وكتابه الأثير عندي «الإسلام بين الشرق والغرب»، ولم أوفيهِ حقه، ثم أردفت بالكتابة عن الفيلسوف رجاء جارودي، وهل بشخص مثلي يستطيع أن يفي جارودي حقه؟ «هيهات»! وها أنا أكتب عن علم من أعلام الثقافة المعاصرة والإنسانية الأصلية التي نادت بها كل الشرائع السماوية واتفق عليها كل المصلحين على طول التاريخ أطال في عمره ومداده الثقافي الذي غالبًا ما يُترجم مجسدًا بعمل فني ثقافي يخلُد ما شاء الله له أن يخلُد، وأنى لي أن أوفيه حقه، لكن هذا قسمي فيما أملك. 

أنا من بدَّل بالكتب الصحابا ... لم أجد لي وافيًا إلا الكتابا «أحمد شوقي».. هذا خير وصف شديد الكثافة للدكتور سلطان الذي قرأ وأفنى أطيب الأوقات في القراءة، وكتب وأثرى المكتبة العربية بكتب لا يستطيعها إلا من أعطى جُل وقته للسياحة في بطون الكتب، فكان عنوان للثقافة لا تُخطئه العين في خليجنا العربي وبقية الأمصار العربية.. يقرأ في مجال وزوجته المصونة تقرأ في حقل آخر، ثم يلتقي العقلان بجلسة صفاء ليبدأ التلاقح الثقافي بينهما للاستزادة من المعرفة.. ومن حظي بزيارة الشارقة يرى بصمات الحاكم المثقف بادية للعيان ومترجمة بشتى مناحي الحياة التي استردت التاريخ والهوية في مؤسساتها وحواريها وأسواقها وجامعتها التي وصفها لي الفنان فؤاد بوصف جميل، حيث تعد تلك المنارة العلمية «جامعة الشارقة» خير شاهد على تجاور الأصالة والمعاصرة إن لم نقل تمازجهما وتآلفهما وكأنها لوحة فنية تقول سرًا لا جهرًا، وتوحي ضمنًا لا قولاً منطوقًا بأننا قوم نعيش حاضرنا بعلومه التي لا غنى عنها وتقنياته العصية على الحصر لنسير بركب الحضارة وكل ما تنتجه هذه الحضارة، ولا ننسى تراثنا ولا نتنكر له، بل نسترده كمعطى ثقافي نحن أهله ونحن ورثته، وعلينا حمايته وإبرازه والذود عنه، وحالنا هذا ليس بِدعًا بين الأمم. 

وإن جاز لي تقمص شخصيته أقول إن الدكتور القاسمي استوقفته بلا شك الآيات المنثورة في الكتاب المكنون الحاثة على العِلم بشتى صنوفه فعمل بها، وكذلك لم يغض الطرف عن آيات الله في تشكيل الإنسان بشكل عام والإنسان المسلم بشكل خاص بما له من هوية خاصة تبلورت على عين الله، فهضمها كما ينبغي لها أن تُهضم، فعضَّ عليها بالنواجذ، وهذا سيدي أحد وليس كل الأسباب الداعية إلى كتابة هذه السطور. وتمعن سيدي الدكتور بآيات الأخلاق الواردة في الكتاب العظيم والتي شكَّلت دستور القرآن الأخلاقي، وليس بعيدا عن هذا العنوان كتب الدكتور محمد عبدالله الدراز كتابه «دستور الأخلاق في القرآن»، فصار مثلاً يُحتذى. 

كانت تتجاذبني عدة مشاعر كلها إعجاب وتقدير فائق واحترام لا يضارعه احترام وأنا أسمع الشيخ يضمد جراح المتصلين بأحد البرامج ملبيًا حاجاتهم باحترام كبير وتواضع جم، ما يثلج صدور المستمعين، فما بالنا بالذين قُضيت حاجتهم بدخول الشيخ على خط البرنامج وبث الطمأنينة في نفوسهم والطمأنينة هي منتهى الطموح عند الناس.

نِعم الإنفاق الذي يُرطب القلوب ويمسح الدموع ويجبر الخواطر، وخير الإنفاق ما كان على العلم والمتعلمين وأجلّه وأشرفه على الإطلاق ما أُنفق على المشروعات الثقافية التي تبناها شيخنا الدكتور سلطان في إمارته وخارجها في أرجاء الوطن العربي والعالم، آخرها بحسب علمي ترميم المجمع العلمي في مصر الذي يضم بين جوانبه مجموعات تراثية من أهم ما خلفه التراث الإنساني.. وما أنبل ما أنفقته إمارة الشارقة لإنقاذ دير أثري في أرمينيا ليُدلل على روح التسامح والتعاون، وأنا أرى هذا الأمر بالترميم خيرا من ألف محاضرة حول التسامح والتسامي، وأجدى من كثير من المهرجانات الخطابية.

كل ما أوردته في هذه السطور ما هو إلا غيض من فيض من آثار هذا الحاكم الأُنموذج، حيث بصماته واضحة في مجالات عديدة إنسانية وعلمية وثقافية.. فبارك الله للشارقة بشيخها وأدام الله عليه الصحة والعافية، ولتبقى الشارقة منارة الثقافة في خليجنا العربي. ورحم الله مُعلمي علي عزت بيجوفتش حين سطر هذه الكلمات التي تليق بالشارقة وحاكمها.. «الثقافة هي خلق مستمر للذات»، لذا فالشارقة ستظل في حالة خلق بالمعنى الثقافي النوراني وليس بالمعنى الحضاري فحسب، ويقول المُفكر بيجوفتش: «قلة قليلة هي التي تعمل وفق مبدأ الفضيلة، لكن هذه القلة هي فخر الجنس البشري»، ولن أُكون مُسرفًا في المديح إن قلت خاتمًا مقالي هذا إنك سيدي الدكتور سلطان أحد الرواد بين هذه القلة القليلة ومفخرة الإنسانية.

Alsubahi65@yahoo.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news