العدد : ١٤٥١٠ - الخميس ١٤ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥١٠ - الخميس ١٤ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

لبيك اللهم لبيك.... تستمطر الدموع من العيون

بقلم: د. محمد مرسي محمد

الجمعة ١١ ٢٠١٧ - 11:06

تتشوق الأنفس المرهفة إلى تأدية هذا الركن الأساسي من الأركان الخمسة التي بني دين الله الحنيف عليها، وتسمى الأنفس الطيبة وتحترق شوقًا إلى بيت الله الحرام تعبيرًا عن إصابة دعوة نبي الله إبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم- لأفئدتهم فجعلت الإيمان يعمرها والعقيدة تترسخ بداخلها، قال تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)، هي إذن قلوب عامرة بالإيمان وأنفس طيبة نقية أصابتها دعوة خليل الرحمن عليه السلام، وقلوبٌ هذا وضعها ونفوسٌ هذا حالها لن تستطيع المكوث في ديارها وقت أن يلبي الملبون، ووقت أن يطوف الطائفون، ووقت أن يقف بعرفات الواقفون، لن يستطيعوا المكوث في ديارهم أو البقاء في منازلهم طالما كانوا على قيد الحياة إلا إذا حبسهم حابس بغير إرادتهم كمرض أو قلة الزاد أو عدم توافر الأمن.

والحق أنه لا تثريب على هذه الأنفس الطيبة الطاهرة من أن تحن وتشتاق إلى بيت الله الحرام وإلى زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الإسلام علمنا بل أمرنا أن نتصرف وفقًا لمقتضيات فقه الواقع الذي يدعو إلى معالجة الأهم قبل المهم.. وواقع أكثر دولنا العربية والإسلامية يفرض علينا إعادة النظر في مسألة المبالغة في المتابعة بين الحج والعمرة، إذ ليس من الصواب -والله أعلم- المبالغة في تكرار مرات الحج والعمرة بينما هناك من المسلمين من يصرخ من شدة آلام داء السرطان -عافاكم الله جميعًا- الذي ينهش جسده ولا يجد ثمن دواء يسكّن آلامه إلى أن يشفيه الله أو يقضي به أمرًا كان مفعولاً، ولعلك خبير بأن هناك من المسلمين من يعاني من المجاعة لقلة الموارد وندرة ما باليد، الأمر الذي استغله بعض أنصار الأديان أو الدعوات الأخرى في صرف الناس عن الإسلام وتحويلهم عن دينهم بعد أن يقدموا لهم الزاد والدواء، وكثيرًا ما يحدث ذلك في بعض المناطق بقارة إفريقيا وأماكن أخرى من العالم تعد محدودة الموارد وتعاني من العيش تحت مستوى خط الفقر. ولا يليق بنا تحميل هؤلاء الفقراء والمحتاجين وحدهم مسؤولية هذا الأمر بل يسأل عن ذلك كل الدول والشعوب التي يسر الله لها سبل العيش ورزقها من الطيبات.

إن المنوط بالمسلمين -كل المسلمين- الاضطلاع بدورهم وتحمل المسؤولية الملقاة على عاتقهم في تخفيف حدة الحياة وضغوطها عن أعناق هؤلاء، ولا تثريب علينا إن أدى ذلك إلى التخفيف من مرات المتابعة بين الحج والعمرة. تتعمق الرغبة الكامنة داخل نفوس المسلمين لزيارة بيت الله الحرام كلما جاء موسم الحج، وكلما شد بعض الناس رحالهم إلى البيت المعمور، الأمر الذي يبدو شديد الوضوح عندما تنهمر الدموع من العيون عند سماع ألفاظ التلبية تذاع عبر الإذاعة أو التلفاز. إن «لبيك اللهم لبيك» تستمطر الدموع من العيون، وتجعل القلوب تتجه صوب بيت الله الحرام، فمن حج البيت يقشعر جلده عند سماعها ويلين قلبه استجابة لتأثيرها، ومن لم يحج بعد تجده يشعر بالتقصير على عدم تأديته للفريضة المكتوبة عليه، هذا إن كان ميسور الحال.. أما غير القادر الذي لا تتوافر لديه شروط الاستطاعة فتجد قلبه يتشوق بل يتألم لعدم قدرته على الذهاب إلى بيت الله العتيق.

إن وجود تلك الحالات من التلهف على تأدية فريضة الحج لهو دليل قاطع على وجود رغبة نفسية مدفونة داخل قلب كل مؤمن بالله ورسوله تدفعه دائمًا إلى الرغبة في الذهاب إلى البيت الذي يعلوه البيت المعمور وتطوف حوله الملائكة ويباركه الله عز وجل من فوق سبع سماوات، ويحسب زواره ضيوفًا على الحضرة الإلهية، فهم بلا ريب ضيوف الرحمن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news