العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

الاسلامي

أهمية الإخلاص

د. محمود السيد داود

الجمعة ١١ ٢٠١٧ - 11:04

 

لا شك أن الإخلاص يحتل أهمية بالغة في حياة المسلمين، وتصل درجته إلى حد الضرورة التي لا يمكن أن يستغني عنها أحد، ويكفي في بيان ذلك أن نذكر أهم المظاهر التي تشير إلى هذه الأهمية، وفي مقدمتها: 

ـ إن الإخلاص هو السلاح المناسب لمعارك المسلم في هذه الحياة، وإن العقل السليم والمنطق الصحيح يحتمان على كل مسلم أن يقوى نفسه بالسلاح المناسب لها، ومعارك المسلم كثيرة متعددة في هذه الحياة، منها معاركه مع النفس والهوى والدنيا، ومع شياطين الإنس والجن، الذين يحولون بينه وبين عبادته، أو يحاولون أن يحولوا بينه وبين ربه، وبين قرآنه وسنته، وصدق القائل: 

إنّي بُليت بأربعٍ ما سُلّطوا *** إلا لأجل تعاستي وشقائي

إبليس والدنيا ونفسي والهوى *** كيف الخلاص وكلّهم أعدائي!

إبليس يسلك في طريق مهالكي *** والنفس تأمرني بكل بلائي

وأرى الهوى تدعو إليه خواطري *** في ظلمة الشبهات والآراء

وزخارف الدنيا تقول أما ترى *** حسني وفخر ملابسي وبهائي

وأمضى أسلحة النصر في كل معارك المسلم، التي يتنزل معها النصر، وتستدعي الرضا من الله تعالى، وتستجلب الفوز، والتوفيق والراحة والطمأنينة والسكينة والسعادة، هو سلاح الإخلاص لله تعالى، والتوجه لله وحده والتعلق به سبحانه، وصدق الله إذ يقول: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا» الفتح آية رقم (18)، فما حدث من نصر وفوز أو تمكين وفتح أو نزول للسكينة والسعادة، كان بما علمه الله في قلوبهم من الإخلاص والإيمان. 

ـ الإخلاص طريق النجاة من الرياء والشرك وما يترتب عليهما من عذاب الله يوم القيامة، وذلك لأن الإخلاص طريق دقيق بين هاتين الكبيرتين، لأن الرياء أن نترك العمل من أجل الناس، والشرك أن تعمل العمل من أجل الناس، والإخلاص هو أن يعافيك الله تعالى منهما، ويكفي في بيان أهمية الإخلاص من هذه الناحية النجاة مما ينتظر المرائين والمشركين، والذي أشار إليه أبو هريرة في الحديث عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إلى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ، وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو اللهُ بِهِ رَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ، فَيَقُولُ اللهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ فِيكَ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأتُ فِيكَ الْقُرْآنَ فَكُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللهُ لَهُ: بَلْ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: هُوَ عَالِمٌ، وَقَرَأتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إلى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ، وَأَتَصَدَّقُ وَمَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلانٌ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: فِي مَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ، فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ الْمَلائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللهُ: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أُولَئِكَ الثَلَاثَةُ أول خَلْقِ اللهِ تُسَعَّرُ بِهِمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. 

ـ الإخلاص أحد العناصر التي لا تقوم العبادة إلا به، فإن العمل لا يكون عبادة لله تعالى إلا إذا توفر له شرطان: الأول أن يكون العمل موافقا للشرع، والثاني: أن يخلص فيه لله تعالى أو يبتغي به وجه الله تعالى، وهذا هو قوله تعالى: «فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا» الكهف من الآية رقم (110)، وقوله: «وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إلى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ» لقمان آية رقم (22). 

ـ الإخلاص دليل على أن الإسلام لا يهتم بالشكل فقط بل وبالموضوع أيضا، حيث يرى بعض المرتابين والمتشككين أن الإسلام لا يهتم إلا بالشكل فقط، فهو يريد المسلم طويل اللحية قصير الجلباب، الرجل له صورة شكلية معينة والمرأة كذلك، لكن التركيز على الإخلاص يرد على ذلك كله، لأن الخلاص عمل قلبي ليس له صلة بالشكليات على الإطلاق، فهو يمارس بالقلب الذي هو محل نظر الله تعالى إلى العبد. 

ولأهمية الإخلاص عموما دعا إليه القرآن بأساليب متعددة، فهو يطلب من المسلم الإخلاص صراحة بقوله: «فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ» الزمر من الآية رقم 2. وأحيانا يعبر عنه بإرادة وجه الله بالعمل، ومن ذلك قوله تعالى: «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا» الإنسان آية رقم 9. وأحيانا بابتغاء مرضاة الله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ» البقرة آية رقم 207. 

* الأستاذ المشارك بكلية الآداب ـ جامعة البحرين

Mdaoud_2004@yahoo.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news