العدد : ١٤٣٩١ - الخميس ١٧ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ذو القعدة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩١ - الخميس ١٧ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ذو القعدة ١٤٣٨هـ

الاسلامي

العلاقات الإنسانية في القرآن الكريم (6)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ١١ ٢٠١٧ - 11:02

حرص القرآن الكريم على تأكيد العلاقات الإنسانية بين المسلمين وغير المسلمين، على أساس احترام الأديان، والكتب السماوية، والشرائع الإلهية، والإيمان بجميع رسل الله من دون أن يُفرق بين أحد منهم. يقول الله تعالى: «آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله». البقرة:285، كما شرع القرآن لنا حل طعام أهل الكتاب، وحل طعامنا لهم، وذلك لتأكيد وتوثيق العلاقات الإنسانية والاجتماعية بيننا وبينهم، وذهب القرآن إلى أكثر من ذلك فأباح الزواج بنساء أهل الكتاب، وإن بقيت على دينها، فليس للزوج المسلم الذي تزوج من كتابيه أن يجبرها على ترك دينها، ويُرغمها على الدخول في الإسلام، لكنه يدعوها بالتي أحسن، ويُظهر لها محاسن الإسلام حتى تدخل فيه طواعية باختيارها. يقول تعالى: «وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أُتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أُجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان». المائدة:5، المقصود بأهل الكتاب هم: اليهود والنصارى، والكتاب هو: التوراة والإنجيل، كما أباح الإسلام المعاملات المالية مع غير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم، فمما رُوي أنه -صلى الله عليه وسلم- استدان من يهودي دينا وهو في المدينة وأنه -صلى الله عليه وسلم- رهن درعه عند يهودي كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري بسنده عن أم المؤمنين عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إلى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. ومما ورد في سيرته وجاء في الأثر عنه -صلى الله عليه وسلم- أن وفد نصارى نجران حينما وفدوا على الرسول في المدينة، دخلوا المسجد النبوي لممارسة شعائر دينهم، وكان في مناسبة، وسمح لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالدخول ولم يمنعهم من ممارسة عباداتهم. كما سمح الإسلام للمسلمين بدخول كنائسهم، ولما فُتحت الشام وبيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب، وزار عمر -رضي الله عنه- بيت المقدس، دخل الكنيسة وأراد أن يُصلي فيها، لكنه خشي أن يأتي بعده المسلمون ويقولون: إن عمر بن الخطاب صلى هنا، ويأخذونها منهم، فصلى على باب الكنيسة. هكذا يعلمنا القرآن كيف نتعامل مع غيرنا من أهل الكتاب، وهي لا شك معاملة إنسانية راقية، تضمن التعايش السلمي الذي يضمن حقوق المواطنة، وحق الجوار. وشواهد العلاقات الوطيدة بين المسلمين وغير المسلمين من أهل الكتاب أكثر من أن تحصر، لدرجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم اتخذ خادما له يهوديا، أخرج البخاري وأحمد عَنْ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إلى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسم صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ. بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ (عبد الله بن أريقط وهو مشرك) دليله في الهجرة عندما ائتمنه على أسرار هجرته. وتبلغ توجيهات القرآن ووصاياه بغير المسلمين منتهاها حينما يقول سبحانه: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه». التوبة: 6، وينهى القرآن عن التعرض لمعبودات المشركين بالسب أو الطعن فضلا عن الهدم والتدمير، رعاية لمشاعرهم حتى لا يدفعهم هذا إلى سب الله جهلا واعتداء. يقول تعالى: «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أُمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون». الأنعام: 108. هل يوجد في قوانين البشر وتشريعاتهم مثل هذه التوجيهات التي تضمن سعادة البشرية؟ إنه تشريع رب العالمين، الذي يعلم ما يُصلح العباد، لكنه الجهل والعناد من دعاة الشر والفساد، حينما يشعلون نار الحرب الدينية أو الطائفية، ويُعلن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خصومته لمن يؤذي أحدا من المعاهدين فيقول: ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة. رواه أبو داود. والمقصود بقول الرسول: حجيجه. أي خصمه، ومن يستطيع أن يكون خصمه الرسول يوم القيامة؟! وفيه دلالة واضحة على اهتمام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بحسن علاقة المسلم مع غير المسلمين. وكان الرسول في تعاملاته مع أهل الكتاب قدوة لكل مسلم ولكل الإنسانية، ومن نماذج تعاملاته مع غير المسلمين وقوفه -صلى الله عليه وسلم- احتراما وتكريما لجنازة يهودي مرت به، فلما قيل له إنها جنازة يهودي قال: أو ليست نفسا؟ فإن كانت تعاليم الإسلام تحث على حسن علاقة المسلم بغير المسلم وتدعو إلى المعاملة الحسنة والعدالة والتعاون معه، فإن من الواجب أن تقابل هذه المعاملة بمثلها من غير المسلمين مع المسلمين، وخاصة في البلاد التي بها أقليات إسلامية، فلا يصح أن يُمنعوا من ممارسة شعائر دينهم، ولا أن يُضيق عليهم في أُمور دينهم ومعايشهم، وألا يُضيق عليهم بسبب دينهم، تحقيقا لمبدأ العدالة الإنسانية بين جميع طبقات المجتمع فينتشر العدل والأمن ويعيش الجميع بروح الجماعة. والله المستعان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news