العدد : ١٤٣٩٣ - السبت ١٩ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٣ - السبت ١٩ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٣٨هـ

الاسلامي

قراءة إيمانية اجتماعية في سورة محمد (3)

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ١١ ٢٠١٧ - 10:57

أفلا يتدبرون القرآن؟!!


يختتم الله سبحانه وتعالى سورة محمد صلى الله عليه وسلم بخاتمة معجزة، بها من الأساليب التربوية ما يُصلح الأمة، ويجعلها خير أمة أخرجت للناس؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) [محمد: 33].

يأمر الله تعالى: من آمنوا به ربًا وبالإسلام دينًا وبسيدنا محمد نبيًا ورسولاً بأمْرٍ به تتم أمورهم، وتحصل سعادتهم في الدنيا والآخرة.

وهي طاعته سبحانه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في أصول الدين وفروعه، والطاعة هي امتثال الأمر واجتنابا لنهي على الوجه المأمور به بالإخلاص وتمام المتابعة أو الصواب.

وقوله تعالى: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) يشمل النهي عن إبطالها بعد عملها بما يُفسدها من منّ بها وأذى، وإعجاب وفخر وسمعة أو ينقصها من بعد قوة أنكاثًا، ومن عمل المعاصي التي تضمحل معها الأعمال ويحبط أجرها. ويشمل النهي عن إفسادها حال وقوعها بقطعها، أو الإتيان بمفسد من مفسداتها.. وإذا كان الله قد نهى عن إبطال الأعمال، فهو أمر بإصلاحها وإكمالها وإتمامها وإتقانها، والإتيان بها على الوجه الذي تصْلُحُ به علمًا، وعملاً. [المرجع السابق].

وهذه آية كافية في إتقان الأعمال الدنيوية والتخطيط لها التخطيط العلمي السليم، وإسنادًا لأهل الذّكر في مجالها، وما أحوجنا هذه الأيام لمثل هذا، فكم من أعمال ومشاريع نشيدها وبعد تمام بناءها وتشغيلها تأتي عيوبها تترى، وكم من مناهج دراسية تربى عليها أجيال ثم يتضح نتائجها السلبية فنلغيها وكم من شوارع نرصفها ثم نحرثها بعد أيام.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) [محمد: 34].

هذه الآية والآية رقم 217 من سورة البقرة قوله تعالى: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)، مقيدتان لكل نص مطلق فيه إحباط العمل بالكفر، فإنّه مقيد بالموت عليه، فقال هنا (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وصدوا الخلق عن سبيل الله بتزهيدهم إياهم بالحق، ودعوتهم إلى الباطل وتزيينه ونشرهم للشبهات ضد الدين، ورفضهم لتطبيق شرع الله وفق الأساليب والطرائق الشرعية الصحيحة من التدرج والبدء بما يهيئ الناس لتطبيقه (ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّار) لم يتوبوا منه، ولم يبيّنوا ما أوقعوا الناس فيه من شبهات وضلال (فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ): لا بشفاعة، ولا بأنشطة دنيوية أو غيرها، لأنه قد تحتم عليهم العقاب، وفاتهم الثواب ووقت التوبة، ووجب عليهم الخلود في النار وحرموا من رحمة الرحيم الغفار.

ومفهوم الآية الكريمة أنهم إن تابوا من ذلك قبل موتهم بالشروط الصحيحة للتوبة ومنها التبيين، ورد الحقوق لأصحابها أو طلب العفو منهم منها، فإن الله يغفر لهم ويرحمهم ويدخلهم الجنة، فسبحان من فتح لعباده أبواب التوبة، والرحمة ولم يغلقها على أحد مادام حيًا متمكنًا من التوبة، وسبحان الحليم الذي لا يعاجل العاصين بالعقوبة، بل يعاقبهم ويرزقهم كأنهم ما عصوا مع قدرته عليهم. [المرجع السابق].

والعبد الفطن الذكي الذي لا يوقع نفسه في ذنوب يصعب عليه التوبة منها كقتل العلماء والمصلحين، والمعارضين السياسيين، والقتل الجماعي، واستخدام أسلحة الدمار الشامل وإحداث العاهات المستديمة والخلل الوراثي المنقول للأجيال، والتلوث الدائم للبيئة بالإشعاعات وغيرها والأفلام الفاسدة التي تظل لسنوات تعرض وتعليم الرقص العاري وإنشاء المدارس الخاصة بتدريس ونشره، وكل ما على شاكلة ذلك.

قال تعالى: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) [محمد: 35].

(فَلَا تَهِنُوا)؛ أي: تضعفوا من مقاومة وقتال عدوكم، ويستولى عليكم الخوف والاستسلام بطول المدة أو الضعف المؤقت بل اصبروا واثبتوا وخذوا بالأسباب وغيروا ما بأنفسكم من ضعف، ووطنوا أنفسكم على الجلاد طلبًا لمرضاة ربكم ونصحًا للإسلام وإغضابًا للشيطان وخذلانًا للأعداء والمرجفين والعملاء والجهلاء، ولا تدعوا إلى الوهن والاستسلام والمتاركة بينكم وبين أعدائكم طلبًا للراحة والحقيقة (وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ)؛ أي: ينقصكم (أَعْمَالَكُمْ): فهذه الأمور الثلاثة كل منها مقتض للصبر وعدم الوهن.

الأول: كونهم الأعلين، أي قد توافرت لكم أسباب النصر ووعدوا به من الله بالوعد الصادق.

الثاني: أن الله معكم، فأنتم مؤمنون والله مع المؤمنين بالعون والنصر والتأييد إن قاموا بما هو مطلوب منهم قدر طاقتهم واستطاعتهم، وذلك موجب لقوة قلوبهم وإقدامهم على عدوهم.

الثالث: أن الله لا ينقصهم من أعمالهم شيئًا بل سيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، خصوصًا عبادة الجهاد فإن النفقة تضاعف فيه إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. [كما قال الشيخ عبدالرحمن بن السعدي، رحمه الله في مرجع سابق].

(وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد: 38].

(تَتَوَلَّوْا): عن الإيمان بالله وامتثال ما يأمركم به (يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)، في التولي والوهن وقبول الشبهات والركون إلى الدنيا والانصياع للإعلام الفاسد ويقضون أوقاتهم وأعمارهم في مشاهدة الفن الهابط الذي أنتج خصيصًا للهو المسلمين وإبعادهم عن دينهم خصوصًا في رمضان الذي تعد له العدة طوال العام ليكون ليله ماجن ونهاره لهو ولعب وكسل ونوم وعصبية.

إن تتولوا عن الأخذ بأسباب القوة من تحصيل العلم النافع وتطبيقه في حياتهم، وإنتاج غذائهم وكسائهم ودوائهم وسلاحهم ومناهجهم الدراسية وأساليب تنفيذها التنفيذ المحقق للأهداف النبيلة.

إن فعلتم ذلك وغيره مما نفعل هذه الأيام فإن الله يزيحنا من هذه الحياة ويأتي بأقوام يمتثلون أمرا لله عن علم وفقه ووعي وطواعية وهمّة عالية، أقوياء أذلة على المؤمنين أشداء على الكافرين لا يوالون أعداء الله ولا يعطون الفرصة للمرجفين ليهزموهم من داخلهم.

فاللهم اجعلنا من عبادك المصلحين، ولا تجعلنا من أعدائك المفسدين يا رب العالمين.

(ولله عاقبة الأمور)

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news