العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

إيران والأقصى وتسييس موسم الحج.. لماذا؟

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٦ ٢٠١٧ - 01:00

لماذا تدعو إيران إلى تحرير المسجد الأقصى وهي لا تؤمن به؟

في مستهل الثمانينيات من القرن العشرين وعندما تحولت إيران إلى جمهورية تدعي الإسلام، بدأنا نشاهد أن حملات الحجاج الإيرانيين تحولت إلى حملات لا سلمية، مسيسة، لهدف بث الرعب في قلوب الحجاج بالإضافة إلى أنها كان لديها هدف بعيد المنال وهو أنها كانت دائمًا تريد أن تقول للعالم إن المملكة العربية السعودية غير قادرة على إدارة موسم الحج، فكانت مواكب الحجاج الإيرانيين حينما كانوا يخرجون من الحرم يخرجون وهم يحملون لافتات تحمل شعارات تدعو إلى القضاء على الشيطان الأكبر والابن الأصغر وهو إسرائيل وطرد إسرائيل من الأقصى وتحريرها من براثن الاستعمار الإسرائيلي، ويجوبون الأراضي المحيطة بالحرم وكذلك منى وكل المناطق المجاورة وينادون بأعلى صوتهم بتلك الشعارات، وهذا كان يسبب إزعاجًا وإرباكًا وخوفًا للآمنين الحجاج الآخرين الذين ما ذهبوا إلى تلك البقاع إلا لأداء مناسك الحج في هدوء وسكينة.

رأينا ذلك بأم أعيننا وسمعناهم بآذاننا في تلك السنوات إذ تصادف أنّا كنا هناك.

واستمر القادة في إيران ينادون بذلك سنويا، ونحن نعلم وهم يعلمون علم اليقين أن تحرير الأقصى لا يمر عبر الحرمين، فمن أراد أن يحرر الأقصى فإن الطريق سالك من هناك وليس من هنا، ولكن كان دائمًا لإيران مآرب أخرى.

في نهاية يوليو 2017 نادى علي خامنئي المرشد الإيراني بكل قبح وبكل علانية بتسييس موسم الحج لهذا العام، وقال بحسب ما تناقلته وكالات الأنباء «إن على جميع حجاج إيران أن يظهروا رد فعلهم على الاضطرابات الأخيرة في المسجد الأقصى بالقدس المحتلة، وإن عليهم الاحتجاج خلال الحج على الوجود الأمريكي الوقح في المنطقة».

حسنٌ، هذا ليس بجديد، ولكن هل ما تنادي به إيران من تنديد بإسرائيل والولايات المتحدة حقيقة أم محض خيال وكذب على الذقون؟ 

هل هناك علاقات مبطنة بين إيران وإسرائيل على الرغم من أن كلا الطرفين ينادي بإسقاط الطرف الآخر في العلن؟ هل هناك علاقات خفية تجري على فراش العهر والزنا لا نعلم بها؟ 

في دراسة قام بها كل من الدكتور نبيل العتوم [رئيس وحدة الدراسات الإيرانية، مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية بالأردن] والدكتور محمد الحوامده [أستاذ متخصص في المناهج الدراسية بالأردن] بعنوان «صورة إسرائيل والقضية الفلسطينية في الكتب المدرسية الإيرانية وصورة إيران في الكتب المدرسية الإسرائيلية، العداء المزعوم وحميميّة العلاقة»، وقد نشرت الدراسة في الموقع الإلكتروني «مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية»، يتبين لنا الكثير من الخداع والكذب الإيراني حول علاقتها بإسرائيل والمسجد الأقصى، لنحاول أن نستعرض هذه الدراسة أو جزءا من هذه الدراسة بحسب مقتضيات الموضوع.

تقول الدراسة إنه من خلال القراءة والتعمق في سلسلة الكتب المدرسية الإيرانية، يكشف الإيرانيون عن نواياهم الحقيقية تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية، وقد انطلقت هذه الكتب، وسعت إلى محاولة ترسيخ قيم مخالفة حتى للإسلام، وتصل إلى درجة التكذيب في العقيدة الإسلامية من عدة نقاط أساسية تُعتبر جزءًا من الحقائق التي رسخها الإسلام، إلى جانب تزييف التاريخ والوقائع، من ذلك التالي:

أولاً: إنكار الكتب المدرسية الإيرانية لوجود المسجد الأقصى في فلسطين: تقول الكتب المدرسية الإيرانية إن المسجد الأقصى قد رفع إلى السماء الرابعة، وهذا يمهد الأرضية إلى نفي صفة القدسية عن فلسطين من ناحية، وهذا الموضوع يعزز من عملية نفي فكرة الصراع الديني بين العرب واليهود، ومعنى هذا أن المسجد الأقصى الذي يجاهد المسلمون اليوم لأجل تحريره ليس إلا مسجدًا مزيفًا -مسجدا ضرارا- لا قيمة له في المناهج الإيرانية، وبالتالي لا ضير في قيام اليهود بهدم هذا المسجد الأقصى، فهذا البناء مزيف، على حسب ما تدعيه الكتب المدرسية الإيرانية. وعلى هذا الأساس تجهد الكتب المدرسية الإيرانية في تبين عدة حقائق بخصوص المسجد الأقصى، حيث تحسم أنه ليس الذي بفلسطين، وتحاول أن تورد الكثير من أقوال الأئمة والروايات التي تحاول أن تدلل على أن المسجد الأقصى مسجد بات في السماء، من دون تقديم تبرير لذلك، وليس هو مسجد بيت المقدس في فلسطين، والذي يعرفه عموم المسلمين.

وربما -كما يشير الباحثان- أن الهدف الأعمق للكتب المدرسية الإيرانية أنها تريد فض عرى القدسية عن المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد الأقصى والمسجد النبوي الشريف، حيث ركزت الكتب المدرسية الإيرانية على أفضلية وأشرفية مسجد الكوفة والقبور وأضرحة الأئمة. 

لا شك أن إنكار الكتب المدرسية الإيرانية لقدسية فلسطين وأرضها ومقدساتها يضر بالقضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، ويصب في مصلحة اليهود، فإذا كانت إيران لا تعترف بوجود المسجد الأقصى الموجود في فلسطين، فهذا يعني أن الاعتداء الراهن لليهود على المسجد الأقصى لا يعني إيران في شيء، وعليه فإن التعبئة الإيرانية لمواجهة «الشيطان الأصغر، وهي إسرائيل» لا مبرر له وهو ما تحاول الكتب المدرسية غرسه في الناشئة.

ثانيًا: الصراع سياسي وليس عقائدي: تحاول الكتب المدرسية الإيرانية غرس فكرة جهنمية حول فلسطين، أولها يقوم على ترسيخ حقيقة نزع فكرة قدسية فلسطين من ناحية، ومحاولة تصوير الصراع العربي الإسرائيلي على أنه صراع سياسي بين العرب وإسرائيل بالدرجة الأولى، وأن لا دخل لإيران في هذا الموضوع، وهذا يعني إسقاط فكرة تحرير المسجد الأقصى الذي أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إليه، والذي بارك الله حوله، وكذلك حقيقة دخول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بيت المقدس والذي كان الجانب الديني أحد الدوافع لتحريره من براثن اليهود والصليبين بقيادة صلاح الدين، حيث تشير إلى أنه لم يكن هناك مسجد أصلاً، انتقامًا وثأرًا من سيرته رضي الله عنه وطعنًا في دوره التاريخي.

ثالثًا: القضية الفلسطينية والبعد الإنساني: تركز الكتب المدرسية الإيرانية على القضية الفلسطينية من خلال زاوية واحدة فقط هي الزاوية الإنسانية الصرفة، حيث تستعرض موضوع التهجير الإسرائيلي للفلسطينيين، ومحاولة استخدام الوسائل والأدوات التوضيحية من خلال صورة جندي إسرائيلي يرفع بندقيته تجاه عدد من العائلات الفلسطينية، ووضعت تحت الصورة تعليقًا يقول «التهجير القسري للإنسان.. فلسطين»، من دون الحديث عن حيثيات القضية الفلسطينية والتعريف بها مثل ما تقوم به إسرائيل من سياسات تعسفية، ومن تهويد للقدس، وانتهاك للمقدسات، ومستقبل الصراع، ومصادرة الأراضي والبيوت، كل هذه المعلومات وهذا التاريخ غير موجود.

رابعًا: الكتب المدرسية الإيرانية والاعتراف بحق اليهود: تعترف كتب الجغرافيا المدرسية الإيرانية باليهود، حيث تقول عند حديثها عن القدس «إن بيت المقدس هو مدينة مقدسة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود على حد سواء، واستطاع اليهود احتلال القدس، وبسط السيطرة عليها»، من دون عرض للقضية الفلسطينية، ومحاولة تعريف الطالب بها.

خامسًا: الكتب المدرسية الإيرانية والتحالف بين إمام الزمان واليهود: لا تكتفي الكتب المدرسية الإيرانية بذلك وإنما ترسخ فكرة عدم العداء لإسرائيل، والهدف يمكن فهمه من خلال تعرض هذه الكتب لأفكار ومفاهيم مذهبية غريبة وجريئة، مفادها أن الشعب والدولة الإسرائيلية سوف تنضم لتكون تحت راية المهدي المنتظر القادم من إيران، بعد أن يُظهر لهم عصا سيدنا موسى خضراء نضرة كيومها، كدليل على صدق دعوته، ما يدفعهم في النهاية إلى القتال تحت رايته ليكونوا أحد مصادر قوته، لإخراج العالم من ظلمات العرب والمسلمين إلى نور إيران وإسرائيل، وهذه كراهية وتحريض ضد العرب على اعتبار أنهم مخالفون على عكس اليهود الذين سيقاتلون إلى جانبه، ويدينون له بالطاعة والولاء.

وفي المقابل فإن إيران تنظر إلى الدول العربية ودول مجلس التعاون بالتحديد نظرة مغايرة أخرى تختلف تمامًا عن نظرتها لإسرائيل، ففي دراسة علمية أخرى عن صورة الدول العربية ودول مجلس التعاون في الكتب المدرسية في إيران تبين أن الكتب المدرسية تركز على المعنى الاصطلاحي لساكني دول مجلس التعاون ممثلة في المصطلحات التالية: «البدو، الرعاة، التخلف، المشيخات البدوية، عربستان، الحكومات المتآمرة على إيران وثورتها وشعبها» في مقابل إظهار قوة إيران تقدمها وريادتها وعظمتها.

كما أن المناهج التعليمية الجغرافية الإيرانية تبحث حثيثًا عن أطر إقليمية بديلة عن الإطار العربي بعد حسم فارسيته، حيث تبدأ كتب الجغرافيا في تأسيس ذهنية الأطفال على اعتبار أن إيران دولة شرق أوسطية، وأن منطقة الشرق الأوسط من أغنى مناطق العالم بالنفط والغاز، وأن سبب تكالب الدول الغربية وخاصة أمريكا على منطقة الخليج «الفارسي» هو استهداف الثورة الإسلامية والنفط، وأن الدول البدوية الخليجية «النفطية» باتت مصدر التهديد نتيجة جلبها القواعد العسكرية الغربية؛ والتي تشكل خطرًا كبيرًا على إيران، وأمنها، وتخلص دروس الجغرافيا المدرسية إلى نتيجة أن أحد أسباب تأسيس إسرائيل في المنطقة يعود إلى سبب الحفاظ على مصالح الغرب والطاقة فقط، وليس لأسباب استعمارية دينية مرتبطة بفلسطين.

وتشير الدراسة إلى أن جغرافية العالم العربي لا تدخل ضمن برنامج تعليم الجغرافيا في الكتب المدرسية الإيرانية، من هنا تكاد تكون الخريطة السياسية الجامعة للعالم العربي مغيبة عن كتب الجغرافيا المدرسية، بل جاء العالم العربي ضمن خرائط لمناطق فرعية للشرق الأوسط والخليج حتى أننا لم ننتزع اعترافًا –كما يشير الباحث– بتسمية العالم العربي بالوطن العربي.

هذه هي عقيدة الثورة الإيرانية ونظرتها إلى المسجد الأقصى وفلسطين، وهي عقيدة تفسر عدم صبغ الكتب المدرسية الإيرانية للصراع مع إسرائيل بصبغته الدينية، فلماذا يصر البعض على الرهان على إيران في مواجهة إسرائيل؟ ولماذا تصر إيران –أصلاً– على تحرير الأقصى في مواسم الحج تحديدًا؟ ولماذا لم تشارك حتى اليوم برمي قذيفة واحدة أثناء كل تلك المشاكل والمشاكسات الإسرائيلية، على الرغم من أنها تسببت في العديد من المشكلات في العديد من الدول العربية الإسلامية؟

حسنٌ، هذا من الجانب الإيراني ولكن ماذا عن الجانب الإسرائيلي، ما هو المذكور في الكتب المدرسية الإسرائيلية عن إيران والاعتراف بإيران من خلال الدراسة السابقة؟ 

تمّ من خلال الدراسة السابقة الذكر تحليل كتب الجغرافيا في إسرائيل والتي يتم تدريسها للطلاب في مرحلة التعليم الأساسي والثانوي، فتبين التالي:

أولاً: العداء للعرب وليس لإيران: جاءت فكرة أن النظام الإيراني الذي يدعو إلى تدمير إسرائيل، ويجاهر بنيته في محو إسرائيل عن الوجود، ويعكف على تطوير وسائل ذرية عسكرية، ويقوم بتمويل وتسليح وتوجيه أنشطة إرهابية ضد إسرائيل، كما تدّعي الحكومة الإسرائيلية، جاءت متناثرة ومبعثرة وقليلة جدًا، فبدلاً من إضعاف صورة إيران في ذهن الطالب الإسرائيلي تشير المناهج إلى أن إيران تعد من الدول 15 المصدرة للغاز الطبيعي في العالم، وهذا يعني تضخيم الدور الإيراني في المنطقة وأهميته.

ثانيًا: اعتراف إسرائيل بفارسية الخليج العربي في الكتب المدرسية الإسرائيلية: تبني إسرائيل وجهة نظر إيران، في استخدام مصطلح الخليج الفارسي بدلاً من الخليج العربي، فمن ناحية لغوية في الخطاب تسعى الكتب إلى الابتعاد عن استخدام كلمة العربي؛ لأنها تستحضر معها كلمة الوطن فتصبح مرتبطة بالوطن العربي الذي تريد إسرائيل مسحه من عقل ووجدان الطالب.

ثالثًا: الصراع العربي الإسرائيلي: عمدت الكتب المدرسية الإسرائيلية إلى تعميق ثقافة الصراع مع العرب فقط، ولم تكتفِ بذلك وإنما عندما تتحدث عن الصراع تشير إلى أن إسرائيل في حالة صراع لغوي ثقافي مع العرب فقط، فنظرة اليهود إلى اللغة العربية هي أنها لغة عدو وإلى الثقافة العربية على أنها ثقافة دونية تشكل مصدر تهديد.

رابعًا: إيران وإسرائيل: إن إيران وإسرائيل لا يغرسون فكرة العداء ضد بعضهم البعض، بل يتقاسمان مشروع غرس قيم الكراهية والتحريض والتمييز والانتقام من العرب فقط، حيث يجمعان على أنهم العدو الأوحد لهما. بالمقابل فإن إيران ليست عدوا، وليست عدوا محتملاً لإسرائيل بحسب ما عرضت له نماذج من الكتب المدرسية الإسرائيلية، بل على العكس من ذلك تمامًا، فهناك إشادة بإيران، واعتراف صريح بفارسية الخليج العربي، وتقدير لموقع إيران واهتمام بثرواتها.

هذا هو الفكر التربوي في إيران التي يعتبر أكثر المصادر إفصاحًا عن بنية العقل الإيراني، وأصدقها في بيان مخططاته، وتحديد أهدافه وأبعاده، وكشف ركائزه ومحاوره، وهو يعد أحد الأسس الرئيسية التي ارتكزت عليها الثورة المجوسية في بناء أجيالها الناشئة وتشكيل شخصياتهم، وخاصة تجاه دول مجلس التعاون الخليجي وشعوبها.

وختامًا هذه هي علاقة دولة العهر والإرهاب المجوسية بإسرائيل ومن خلفها الصهيونية والولايات المتحدة، فإن كانت كذلك لماذا ينادي مرشدها بتسييس موسم الحج وخروج الحجاج الإيرانيين في تظاهرات تنادي بالتنديد بإسرائيل وأمريكا؟ لماذا هذا الخداع واللعب والضحك على الذقون؟ لماذا اللعب من تحت الطاولة لخداع الشعوب؟

لذلك يجب ألا نُخدع مهما كانت الكلمات رنانة والصوت عال، فالكذب مهما طال فهو كذب، والخداع مهما استشرى فهو خداع، والعهر مهما تغطى برداء التقوى والبراءة فهو عهر.

 

 Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news