العدد : ١٤٣٩٧ - الأربعاء ٢٣ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٧ - الأربعاء ٢٣ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

قضايا و آراء

القرآن.. والخيارات الكثيرة!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٦ ٢٠١٧ - 01:00

لا بد قبل الحديث عن مضمون هذه المقالة أن نشير إلى كلمة جاءت في العنوان، وكنت حائرًا بين أن أكتبها معرفة بأل التعريف أو منكرة من دون أل التعريف، ولهذه عطاؤها ولتلك عطاؤها.

هذه الكلمة هي «الخيارات» كنت قد عزمت على كتابتها منكرة هكذا «خيارات» لأَنِّي كنت أريد أن أشير بذلك إلى ما يفيده التنكير من الكثرة والتنوع، وفي كتاب الله تعالى خير شاهد على ذلك، اقرأوا قوله تعالى: «فإن مع العسر يسرا(5) إن مع العسر يسرا» (6) سورة الشرح.

كلمة «العسر» جاءت معرفة بأل التعريف، فالثانية هي عين الأولى، أما كلمة «اليسر» فجاءت منكرة، وهذا يعني أن الأولى غير الثانية، وفي هذا دليل على الكثرة والتنوع، وقال العلماء: «لن يغلب عسر يسرين!» لأن العسر المعرف بأل التعريف واحد، أما اليسر المنكر فهو يسرين، الثاني غير الأول، والتكرار في العسر يفيد التأكيد والثبات، وربما هذا هو السبب في اختياري الكلمة المعرفة بأل التعريف على الخالية منه لأَنِّي أريد الإشارة إلى أن حلول القرآن وعلاجاته مؤكدة وثابتة رغم تغير الزمان والمكان وتبدل أحوال الإنسان خاصة في القضايا الكبرى التي تمس حياته لأن الذي شرع هذه الحلول هو خالق الإنسان سبحانه وتعالى: «ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير»  سورة الملك/14.

هذه كلمة موجزة عن الأسباب والدواعي التي جعلتني أفضل كلمة «الخيارات» بدل «خيارات». 

ثم هناك حقيقة لا بد من التأكيد عليها وهي أن حلول القرآن الكريم للمشاكل والقضايا التي يواجهها الإنسان في عمومه، والمسلم على وجه الخصوص تتسم بأمرين اثنين، أولاهما: أن فيها شفاء لما يصيب الإنسان من أمراض مادية أو معنوية، وثانيهما: أنها رحمة حين لا يصيب الإنسان أي بلاء، وبعبارة أخرى أن القرآن الكريم فيه وقاية وشفاء، قال تعالى: «وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا» سورة الإسراء/82.

من الوقاية ألا تقع في المعاصي التي قد تؤدي إلى الأمراض المادية والمعنوية، والعلاج حين تضعف نفسك فتقع في المعصية، فيفتح لك ربك سبحانه وتعالى أبواب التوبة والرجوع إليه سبحانه.

إذًا، فمنهاج الحق سبحانه وتعالى يتميز على باقي المناهج أنه يجمع بين الوقاية والعلاج والشفاء، ولا تجد له نظيرًا بين مناهج البشر التي تحتاج دومًا إلى المراجعة والتعديل والاستدراك كما هو حاصل دائمًا في دساتير البشر التي تجهل أشياء كثيرة عن حقيقة الإنسان قبل أن تشرع وبعد أن تشرع أما من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور سبحانه، فهو يشرع لمخلوق خلقه ويعلم دقائق نفسه، وأسرار وجوده.

إذًا، فالخيارات التي يقدمها القرآن إلى الإنسان ليست مقصورة على جانب واحد من جوانب حياته، بل هي تستغرق علاقته بخالقه سبحانه، وعلاقته بنفسه، والنَّاس أجمعين على اختلاف مراتبهم عنده، وعلاقاتهم به، بل له صلة بالوجود من حوله، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحد جبل يحبنا ونحبه؟!!» ألم يحن الجذع إليه صلى الله عليه وسلم حين تركه واعتلى المنبر الذي صنعوه له للخطابة؟!.

تحتل العقيدة القمة بين القضايا التي تشغل الإنسان، والخيارات التي يتيحها القرآن فيها للإنسان متعددة ومتنوعة من التوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة من شرك خفي أو ظاهر إلى الشرك إلى الكفر والنفاق، وهي خيارات متاحة للإنسان يختار منها ما يشاء، وهو مسؤول عن اختياره، ومن رحمة الحق سبحانه وتعالى بعباده أنه يقدم لهم البراهين والحجج، ويجلي لهم الحقائق. ولهم بعد ذلك أن يختاروا على هدى ووعي، وإذا أعرضوا فعليهم وزر ذلك، يقول سبحانه وتعالى: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنَّا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا» سورة الكهف/29.

لقد أنزل الحق سبحانه وتعالى الكتب، وأرسل الرسل، وأقام على الناس الحجة، وألهم الإنسان رشده، وهداه النجدين: طريق الهداية وطريق الضلالة، وترك له حرية الاختيار، يقول سبحانه: «إنَّا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كَفُورا» سورة الإنسان/3.

ومن الأدلة والبراهين التي بثها الحق سبحانه وتعالى في القرآن أدلة على وجوده سبحانه، وعلى وحدانيته، وعلى أنه حي لا يموت، وأنه لا تأخذه سنة ولا نوم لأنه سبحانه يمسك السماء أن تقع على الأرض.

من أدلة أنه واحد سبحانه الخالق لا شريك له قوله جل جلاله: «ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلمًا لرجل هل يستويان مثلاً الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون» الزمر/29.

وفي علاقة الإنسان بوالديه، وهما أقرب الناس إليه، وأولاهم بالرعاية والعناية من غيرهم لأن الله تعالى أنزلهم منزلة رفيعة دون غيرهم حين جعل البر بهما يلي توحيده، وإخلاص العبودية له سبحانه، قال سبحانه وتعالى: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا..» سورة الإسراء/23، بل وحتى في حالة كفرهما، بل حتى ولو جاهداه على أن يشرك بالله تعالى ما لم ينزل به سلطانًا، فأمره الحق سبحانه وتعالى أن يحسن إليهما، قال سبحانه: «وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا..» سورة لقمان/15.

إذًا، فهناك أكثر من خيار في التعامل مع الوالدين وعلى الإنسان أن يختار ما يناسبه وألا يسيء إلى والديه بأي شكل من أشكال الإساءة.

وحتى فيما يتناوله الإنسان من طعام وشراب هناك خيارات كثيرة منها الحلال الطيب، ومنها الحرام الخبيث، ومنها ما أحله الله تعالى عند الاضطرار، يقول سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كُنتُم إياه تعبدون (172) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173)» سورة البقرة.

الحق سبحانه وتعالى بيَّن في الآيتين (173،172) الطعام الطيب والطعام الخبيث، ثم طعام الاضطرار، وهو حين تلجئه الضرورة إلى أكل شيء من الحرام حين يتعذر وجود الطعام الحلال الطيب من أجل هذا ختم الحق سبحانه الآية رقم (173) من سورة البقرة بقوله: «إن الله غفور رحيم»، غفور لمن أكل شيئًا من الحرام مضطرًا، ورحيم لأنه رخص له سبحانه ذلك.

وفي الإنفاق خيارات متعددة وللإنسان أن يختار منها ما يشاء، يقول سبحانه: «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم» سورة البقرة/261.

ومنها القرض الحسن الذي يستعيده المقرض بعد زمن، ولكن بعد أن ييسر لأخيه المسلم ضائقته المالية، يقول جل جلاله: «من ذَا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعافًا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون»  سورة البقرة/245.

وفي الجانب الآخر يعرض القرآن خيارًا ثالثًا، ويحذر منه، وهو في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويَصُدّون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كُنتُم تكنزون» (35) سورة التوبة. 

هذه عدة اختيارات يعرضها القرآن العظيم على الإنسان، ويحمله مسؤولية هذه الاختيارات، وذلك بعد أن يبيَّن له الصراط المستقيم، وييسر له سبل الوصول إليه لأنه: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله واسع عليم» سورة البقرة/256.

www.aalbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news