العدد : ١٤٣٩٢ - الجمعة ١٨ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٢ - الجمعة ١٨ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٣٨هـ

الثقافي

سرديات: سيرة يهود الجزيرة والخليج العربي في روايتين «اليهودي الحالي» و«أمّا بعد»

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ٠٥ ٢٠١٧ - 10:16

كنتُ في مقال سابق قد قاربتُ مقاربة نقدية ثقافية إحدى روايات الروائي اليمني علي المقري وعنوانها «اليهودي الحالي». وفي هذا المقال أعقد مقارنة بين هذه الرواية ورواية أخرى للروائي الكويتي وليد الرجيب تتناول  سيرة يهود الخليج العربي ومن زاوية مغايرة لما قام به المقري. في  عامين متتاليين صدر عملان روائيان عربيان يتناولان سيرة يهود الخليج العربي والجزيرة العربية وبالتحديد «يهود الكويت واليمن»؛ الرواية الأولى وفقًا للسبق الزمني هي للشاعر والروائي اليمني علي المقري وتحمل اسم «اليهودي الحالي» 2009، والحالي بمعنى الحلو في اللهجة الدارجة اليمنية، وهو وصف أطلقته فاطمة المسلمة بطلة الرواية على حبيبها اليهودي. وقد سبق للمقري أن أصدر روايته الأولى «طعم أسود.. رائحة سوداء» عن مجتمع الأخدام وهم طبقة من السود في اليمن ممن يمثلون طائفة مسحوقة ومنبوذة اجتماعيًا، والرواية الأخرى للقاص والروائي الكويتي وليد الرجيب واسمها «وأمَّا بعد»، وقد صدرت  هذه الرواية 2010. وهاتان الروايتان في تصوري تدلان على تحوّل كبير في تمثيلات بعض المبدعين العرب للشخصية اليهودية العربية؛ إذ تصبح  الأنا الأخرى «شخصية اليهودي العربي» هي الذات السردية المركزية والمتسيدة ويصبح كل ما هو خارج المركز هوامش وذوات مقصية لا تُدرك إلا من خلال سرد الآخر ومن خلال رؤيته المنمطة هي الأخرى كما سأجلو هذا بعد قليل.

وقف صلاح صالح في كتابه «سرد الآخر» عند التمثيلات السردية الخاصة  بالشخصية اليهودية العربية في بعض الروايات العربية المعاصرة.  وقد تبيّن صالح حالة الانصراف الشامل من المبدعين العرب عن تناول اليهود عمومًا، واليهود العرب خصوصًا، وكأنهم غير موجودين، وكأنهم لم يكونوا في زمن غير بعيد عن زمننا جزءًا من النسيج الاجتماعي - المتنافر أو غير المتنافر - في مناطق ومدن عربية عديدة، في اليمن والمغرب ومصر وسورية والعراق. وإذا تناولت بعض الأعمال الإبداعية العربية اليهود فإنَّ هذا التناول لن يخرج عن الصورة المنمطة السائدة لليهودي المغتصب. ويستشهد على  هذا التنميط اللاحق بصورة اليهودي بأعمال الروائي الفلسطيني إميل حبيبي وبمسرحية «الاغتصاب» لسعدالله ونوس وبرواية «حمام النسوان» للروائي السوري فيصل خرتش  شواهد وأمثلة دالة.

تصلح تمثيلات اليهودي في الرواية العربية المعاصرة لأن تكون موضع تناول نقدي مركز ومكثف وبخاصة مع تزايد الدراسات المهتمة بصورة الآخر وتمثيلاته السردية والثقافية. ولعلَّ صورة اليهودي وتمثيلاته هي من أبرز هذه  الموضوعات التي تحتاج إلى سبر نقدي لدراسة الأبعاد الكامنة وراء التنميط والأبعاد الكامنة كذلك في هذا التحوّل لدراسة اليهودي العربي بوصفه إنسانًا ينتمي للأوطان العربية التي عاش فيها وأجداده ثم ارتحل عنها في هجرة كانت لدى البعض قسرية.

 تتخذ الروايتان أسلوب الرواية السير - ذاتية مع بعض الفوارق  الخاصة بطبيعة التقنيات السردية التي يلجأ إليها كلا الروائيين. فقد اعتمد المقري تقنية «الحوليات التاريخية» لحكاية سردية متخيلة تبدأ حوادثها بدخول السنة الأربع والخمسين والألف(يوافق بدايتها 1644م) في ابتداء سرد الحوادث بذكر السنة الهجرية على شاكلة المؤرخين العرب القدامى في تواريخهم وعلى شاكلة بعض الروائيين العرب المعاصرين مثل جمال الغيطاني في «الزيني بركات» وأمين معلوف في «ليون  الإفريقي». أمّا الرجيب فقد اعتمد التاريخ من خلال مزجه  بتقنية الفيلم السينمائي فيعقوب اليهودي الكويتي يسرد حكايته سردًا غير متناوب فيه الارتجاعات وفيه الاستباقات أيضًا.

تتمحور رواية «اليهودي الحالي» حول حكاية سردية متخيّلة لفتاة يمنية عربية مسلمة هي فاطمة ابنة المفتي تعشق شابًا يهوديًا وتهيم به عشقًا وترحل معه بعد زواجها منه وهو على ملته اليهودية وهي على دينها الإسلامي. والمقري لا يبدو مقنعًا لنا تاريخيًا باختياره شخصية فاطمة التي حمّلها أبعادًا خارقة للعادة؛ فهذه الفتاة قد قرأت كتب الأولين وأتقنت العبرية وتبحرت فيها وهي تعرف عن اليهودية ما يفوق بعض اليهود وهي تفاجأ حبيبها اليهودي بأنها وهبته نفسها إذ تقول «وزادني سرورًا المجتهد اللبيب أبو المعارف بهاء الدين الحسن ابن عبدالله بفتواه المدوّنة في التصاريح المرسلة التي يجيز فيها  للمسلمة الزواج من يهودي أو نصراني»، ص74 من الرواية.

يبدو تأثّر علي المقري الواضح بحقوق الإنسان ومبادئ التعامل مع الآخر وقضايا التنوع الثقافي، وهذه المرجعية الفكرية الحقوقية الناظمة هي التي جعلته يوجّه خطابه الروائي تجاهها من خلال اختيار صادم وجريء جدًا؛ فقد وُجَدَت في المجتمع اليمني وعبر قرون  بعض حالات زواج لرجل مسلم من يهودية أمّا أن يكون العكس فهذا من الندرة التي قد تدخل في الاستحالات. ومع هذا يصر المقري على اختيار هذا الموضوع  الجريء جدًا في طرحه في بقعة مكانية هي اليمن وفي زمن الأئمة الذي كانت فيه اليمن على درجة كبيرة من الانغلاق والداخلية مما سيعمق  التعصبات الكبرى وخاصة التعصبات الدينية تجاه الآخر. والأمر ليس مقتصرًا فقط على المسلمين فقد بيّن المقري التعصبات الكبرى لليهود اليمنيين تجاه الآخر المسلم وشعورهم بهويتهم الدينية وعزلتهم الإيديولوجية والثقافية. وكلّ جماعة في الرواية تنعت الآخر بالكافر، وهكذا يبدو تعريف المؤمن والكافر خاضعًا لأدلجة إيديولوجية و ثقافية.

تركز الرواية على التعصبات والكراهيات تجاه الآخر من خلال الجماعات؛ فكل جماعة تبلور هوية لنفسها وتصنع هوية مضادة للآخر الذي لا ينتمي لها «أثار الاكتشاف المباغت لتعلم سالم للغة العربية وقراءته للقرآن فزعًا وغضبًا في الحي اليهودي كله، يأتي السرد على لسان سالم اليهودي عن والده» ظلَّ يقوم ويجلس، يروح ويجيء، وهو يصرخ: «يا غارة الله.. يا غارة الله» حاولت أمي تهدئته وهي تسأله عن سبب صراخه «هذا قرآن.. دين الإسلام هذا.. سيفسدون الابن.. سيفسدون ابن  اليهودي.. سيفسدون ابن اليهودي».

خلق علي المقري  يوتوبيا الخلاص الخاصة به التي تصر على أنَّ تفكيك التعصبات الكبرى يجب أن يتم بقبول قيم التعددية الثقافية وهكذا تتمكن فاطمة المسلمة العالمة والمتبحرة في الفقه وعلوم العربية والتاريخ من تعلم العبرية من خلال سالم اليهودي وبالتالي الاطلاع على الآخر في مظانه مباشرة دون وسيط، ويتمكن سالم اليهودي من قراءة القرآن ومن التفقه في علوم الشريعة واللغة العربية وقراءة الآخر العربي المسلم في مظانه مباشرة. ويوتوبيا الخلاص من التعصبات الكبرى والكراهيات عند المقري في هذه الرواية تبدو أقرب إلى المثالية المطلقة؛ فرغم توسله بالخطاب الروائي التاريخي إلا أنَّ التاريخ لديه أتى فقط قناعًا لقضايا سياسية معاصرة أهمها العلاقة مع الآخر المختلف عرقيًا ودينيًا وإيديولوجيًا رغم كون هذا القناع في توظيفه عند المقري أتى عاجزًا عن بلورة أطروحته الكبرى في هذه الرواية وهي محاربة التعصبات والكراهيات الكبرى.

أمَّا رواية «أما بعد» للروائي الكويتي وليد الرجيب فهي أول رواية كويتية تتناول سرديًا تاريخ يهود الكويت الذين أتى معظمهم في القرن التاسع عشر من العراق وإيران. والرواية تدور حول بحث يعقوب اليهودي عن حبيبته اليهودية سارة بعد هجرة عائلتيهما من الكويت. والرواية تتعرض لصعود القومية العربية في مقابل تزايد العنصرية الصهيونية وأثر ذلك كله على يهود الدول العربية. والرجيب يركز على تقنية الفيلم السينمائي بوصفه آلية السرد الرئيسة في الرواية وبالتالي ركز على آليات التقطيع السينمائي.

لقد اعتمد وليد الرجيب في بناء حوادث روايته على مرجعية تاريخية حقيقية؛ إذ يذكر في تصدير الرواية أن «فكرة الرواية مأخوذة عن قصة حقيقية، بينما الشخوص والأحداث في الرواية  هي من صنع الخيال». 

ورغم تقنية التوثيق السينمائي فإنَّ السرد يراوح بين هذه الآلية وآلية السرد الوثائقي من خلال حشد معلومات كثيرة عن تاريخ اليهود في الكويت. من نصوص البداية الروائية هذا النص «أمّا بعد.. اسمي يعقوب داود عزرا، وُلِدَتُ في الكويت عام 1923، وكذلك وُلِدَ أبي في الكويت في نهايات القرن التاسع عشر، وقد هاجر جدي عزرا من العراق إلى الكويت تقريبًا في عام 1889م أو قبل ذلك بقليل، عرفت ذلك بحسبة صغيرة حول فارق العمر بيني وبين أبي، وبين جدي وأبي، ولكن عندما سألتُ أبي عن سنة قدومنا للكويت، قال قدم جدك وجدتك ومعهما عمك اسحاق من العراق، في عهد الشيخ عبدالله بن صباح الثاني، ووُلِدَ أبي بعد ذلك بعام، بينما وُلِدَ عمي اسحاق في العراق. 

بعد أن أصبح عددنا مئة وخمسين عائلة يهودية في الكويت، سمعت الحاخام يتحدث في الكنيس، الذي لا أعلم متى بني قريبًا من منطقة شرق، كان يقول:

- في القرن الماضي أصابت العراق وبر فارس أزمة اقتصادية حادة، أجبرت العديد من الناس على الهجرة بأعداد كبيرة، حتى بقي بالبصرة على سبيل المثال سبعة آلاف إلى ثمانية آلاف نسمة فقط، وكانت الوجهة المثلى هي الكويت لازدهارها واستقرارها وأمانها، فهي غير خاضعة للعثمانيين الذين يكرهون اليهود، وقد رُحِبَّ بنا على هذه الأرض، فقدم معظمنا من العراق، وقليل منا قدم من إيران». ويأتي عنوان الرواية بـ«أمَّا بعد» بعد انضمام البطل يعقوب إلى حزب «راكاح» الشيوعي الإسرائيلي الرافض للسياسة الصهيونية، وبذلك أصبح اسم يعقوب الحركي في ملف المخابرات هو «أمَّا بعد».

وختامًا أقول رغم اختلاف هاتين الروايتين في المعالجة السردية الروائية إلا أنَّ الأمر الجامع بينهما هو التركيز على الآخر(اليهودي) من خلل التبئير الداخلي للشخصية، فالذات اليهودية هنا هي التي تتحدث وخاصة في رواية وليد الرجيب. وإذا كان خيار علي المقري هو التعددية الثقافية للتعايش مع الآخر فإنَّ وليد الرجيب يريد كذلك أن يرسخ قيم التسامح والإنسانية مع اليهودي العربي الخليجي بوصفه كان جزءا من نسيج الوطن، في حين  أنه لا يتعاطف مع الصهيونية بوصفها ممارسات سياسية عنصرية. وبالفعل هاتان الروايتان كما أشرت سابقا تعدان معالجتين مغايرتين لتمثيلات اليهودي في الرواية العربية المعاصرة، ولذلك سلطتُ عليهما الأضواء من هذا المنظور السردي الثقافي.

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد،  كلية الآداب، جامعة البحرين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news