العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٣ - الأربعاء ١٨ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٨ محرّم ١٤٣٩هـ

الاسلامي

النزوع النفسي لفريضة الحج

بقلم: د. هناء عبدالحميد الشناوي

الجمعة ٠٤ ٢٠١٧ - 11:47

بالرغم من أنه كثيرًا ما تتعالى صيحات بعض الجهات والمؤسسات الرسمية داخل الدول العربية وخارجها ـ وربما تتعالي معهم أصوات بعض العلماء الثقات في عالمنا العربي والإسلامي تتعالي تلكم الأصوات والنداءات للتنبيه على أنه ليس ثمة ضرورة دينية أو شرعية لأن يكرر المسلم بشكل متواصل عدد مرات الحج والعمرة طوال حياته، سيما وأن هناك من المسلمين من يبالغ في هذه المسألة إلى درجة كبيرة ويحتج أنصار هذا الرأي بالعديد من العوامل والأسباب التي يمكننا الإشارة إليها على النحو التالي:

أولاً: إن الشريعة الإسلامية لم توجب هذه الفريضة إلا على الإنسان المسلم الذي يمتلك مقومات الحج، التي هي المال، والصحة، وأمن الطريق، إلا مرة واحدة في العمر كله فعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: «لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة، فمن زاد فمتطوع» رواه أبو داود وابن ماجة والنسائي والبيهقي والحديث موجود عند البخاري ومسلم بلفظ آخر.

ونتوقف هنا لنوضح نقطة مهمة، وهي أنه إذا كانت الشريعة الإسلامية لم تقل بجعل الحج واجبًا على المسلم إلا مرة واحدة في العمر، إذا الحج هو الركن العملي الوحيد في الإسلام الذي يجزي تأديته مرة في العمر كله عن الإنسان، لأن الصلاة تؤدي كل يوم خمس مرات، والصيام يؤدي لمدة شهر كل عام، وزكاة المال تدفع كل عام هي الأخرى، نقول إذا كان الإسلام قد أوجب الحج مرة واحدة في العمر فإن الله عز وجل شرع هذا لأنه سبحانه وتعالي يعلم علم اليقين أن في الحج مشقة كبيرة على المسلمين، وأن المسلم يبذل فيه المزيد من الجهد والمال.

ثانيًا: ترى تلك المؤسسات الدينية وهؤلاء العلماء الثقات أن ببعض بلاد المسلمين حاجة ماسة لتلك الأموال التي ينفقها كثير من المعتادين على تكرار الحج والعمرة سنويًا، فمثلاً يمكن إنفاق تلك الأموال في معالجة المرضى من المسلمين في الدول الفقيرة أو يمكن إنفاقها في بناء المساجد ومعاهد العلم ومدارس ومستشفيات الحكومات التي تحتاج إلى الدعم المالي المتواصل، ويمكن أيضًا توظيف تلك الأموال في المشاريع التنموية التي تساهم في تقدم الدول الإسلامية وتنميتها بدلاً من دفع تلك المبالغ الكبيرة إلى شركات الطيران التي تكتظ خزانتها بالملايين من الجنيهات والدولارات.

ثالثًا: يؤدي اعتياد بعض الناس على تأدية الحج والعمرة كل عام إلى حدوث حالة شديدة من التكدس والتزاحم خلال فترات تأدية المناسك التعبدية المباركة، الأمر الذي تسبب أكثر من مرة في وقوع حالات عديدة من الوفيات بين ضيوف الرحمن، وبالرغم من وجود بعض المنطقية أو الوجاهة في هذا الرأي، وبالرغم من عدم تعارضه مع جوهر الشريعة الإسلامية الغراء إلا أن المزاج الإسلامي العام لا يتقبله ولا يستسيغه بسهولة لأنه يتعارض مع النزوع النفسي الدائم لدى المسلمين ـ كل المسلمين ـ في جميع أنحاء الكرة الأرضية باتجاه الحرص على حج بيت الله الحرام حيث الطواف بالبيت العتيق والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة... الخ، تلك الأمور التي تقشعر لها جلود المسلمين جميعًا ـ سواء من حج منهم البيت أم من لم يحجه بعد ـ عند ذكرها أمامهم أو التحدث عنها على مسامعهم.

الأمر الذي يثبت لنا أن ثمة احتياجًا نفسيًا لدى كل مسلم لتأدية فريضة الحج، ولم لا إذا كانت الأماكن التي يؤدي فيها الحاج مناسكه قد مر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها أو وقف بها، وأدي فيها نفس المناسك؟..فالحاج يتذكر عند طوافه بالبيت العتيق أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ قد طاف بهذا البيت وأنه يطوف الآن مثله الأمر الذي يحرك الفؤاد ويهز المشاعر ويجعل الحاج يذرف الدموع ويرتفع صوته بالتلبية والدعاء، سائلا الله عز وجل أن يتقبل هذا العمل لوجهه الكريم وأن ييسر عليه متاعب الدنيا ومشاقها وأن يحشره في زمرة الأنبياء والصالحين وأن يجعل مآله في الآخرة الجنة ويرزقه صحبة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بها وأن يمتعه بالنظر إلى وجهه الكريم... إلخ من الأدعية والابتهالات المأثورة في هذا السياق.

إن النزوع النفسي الدائم لدي المسلمين لتكرار تأدية الحج والعمرة نابع بالدرجة الأولي من قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» رواه النسائي... غير أن لفظ «تابعوا» هنا يفيد أن مسافة تمر بين كل حجة وكل عمرة وأخري، الأمر الذي يجعلنا نقول بأنه لا مانع من الحج كل خمس سنوات، وفي هذه الفترة البينية يكون على الإنسان المسلم التركيز على دعم أولى الفقر والحاجة والاحتياج.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news