العدد : ١٤٣٩٨ - الخميس ٢٤ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٨ - الخميس ٢٤ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

الاسلامي

العلاقات الإنسانية في القرآن الكريم (5)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ٠٤ ٢٠١٧ - 11:46

تتميز العلاقات الإنسانية في القرآن الكريم بأنها عامة وشاملة لجميع أحوال الفرد والجماعة، وفي أشد المواقف حرجا، ونذكر منها ما يأتي أولا: حالة الطلاق، ثانيا: حالة القتال، ثالثا: حالة القصاص. وهذه الأحوال يضيق فيها صدر الإنسان ويسيطر عليه الغضب، ويغلب عليه الشعور والرغبة في الانتقام، فيأتي خطاب القرآن الكريم ويوجهه إلى العدل والعفو والصفح. ففي حالة الطلاق وهي حالة انفصال بين الزوجين، تنتهي فيها العشرة بينهما، كل منهما يتربص بالآخر لينال منه، غير مبال بما بفعله وتصرفاته، تزين له نفسه الأمارة بالسوء الانتقام والانتقاص من الآخر، مما يؤثر سلبا على الآخر تأثيرا نفسيا وماليا واجتماعيا، وحينما نرجع إلى حديث القرآن عن الطلاق، نرى مدى حرصه على توثيق العلاقات الانسانية في هذه الحالة الحرجة.يقول تعالى: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا. سورة البقرة: 229. يوجهنا ربنا في هذه الآية إلى أمرين: إما إمساك الزوجة مع حُسن العشرة، وإما الطلاق بالحسنى عند تعذر استدامة العشرة بين الزوجين، واستعمال القرآن لفظ (بإحسان) وهو أعظم المعروف والبر، ويكون في حُسن معاملة الوالدين وبرهما. يقول تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا. الإسراء: 23. ويأمرنا ربنا في القرآن الكريم ألا ننسى حُسن الخُلق ولين القول والتسامح في حالة الاختلاف في الصداق (المهر) عند الطلاق قبل الدخول وبعد العقد، فإنه يجب للمطلقة نصف المهر الذي فُرض على الرجل إلا أن يعفو ولي المطلقة، والعفو أولى لأنه من الفضل. يقول تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفو أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير. سورة البقرة: 237. فيا حبذا لو رجعنا إلى كتاب ربنا في كل أمورنا وفي حل مشاكلنا، لما وجدنا المحاكم تكدست واكتظت بقضايا الطلاق والنفقة والشقاق بين الزوجين، ما نتج عنه من العداوة التي تمتد إلى الأبناء. ثانيا: حالة القتال وهي أشد حالات الخصومة والاختلاف بين الناس، ومع ذلك يدعو القرآن إلى التذكير بالقواسم المشتركة بين المتقاتلين، وإلى الود بينهم، فيذكرهم بأخوة الدين، وهي أقوى من أُخوة النسب والقبيلة، ويُثبت القرآن بقاء صفة الإيمان للمتقاتلين، وذلك ليحثهم بمقتضى الإيمان، على التصالح ودفع الخصومة، ووقف التقاتل فيما بينهم. وهذه من أعظم توجيهات القرآن في العلاقات الإنسانية بين المسلمين بعضهم ببعض. يقول تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يُحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم تُرحمون. الحجرات: 9 - 10. ما أحوجنا في زمننا هذا إلى توجيهات القرآن فيما يخص الصلح بين المسلمين، ونحن في كل يوم نسمع ونشاهد في وسائل الإعلام ما حل ببلاد الإسلام بأيدي أبناء الإسلام، إن في القرآن الكريم العلاج الشافي لكل مشكلات الإنسانية، ودعوة القرآن للسلم الاجتماعي بين أفراد المجتمع، وتأكيده على العلاقات الإنسانية لنشر الأمن والاستقرار بين جميع الناس. ثالثا: حالة القصاص في القتل العمد، مع أنه حد من حدود الله التي شرعها وأوجبها على عباده، لضمان استقرار الحياة، ونشر الأمن في المجتمع، وإنهاء ما يُسمى بالثأر. وهو: استمرار الفعل بالقتل ورد الفعل بالقتل من غير توقف. من أجل ذلك شرع الله تعالى القصاص فقال: ولكم في القصاص حياة يا أُولي الألباب لعلكم تتقون. سورة البقرة: 179. ولكنه سبحانه دعا إلى قبول العفو والتسامح في حال وجوب القصاص، ليؤكد العلاقات الإنسانية في أشد الحالات حرجا وقسوة، ليدل على أن القرآن يدعو إلى التعايش والتواصل والتراحم، ويدعو إلى إنهاء الخصومات، ويُغلب العفو والتسامح. فيقول تعالى: يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. سورة البقرة: 178. وذهب فقهاء الشافعية إلى أنه إذا عفا بعض الورثة عن القصاص من القاتل ورضوا بالدية، ولم يعف بعضهم، يؤخذ بالعفو، كما أنه إذا عفا الورثة عن بعض القاتل دون بعضه، كان العفو عن القصاص إلى الدية. ويرشدنا القرآن الكريم إلى تغليب جانب العفو عند رد السيئة بالسيئة، والعدوان بالعدوان، والعقاب بالعقاب. يقول تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يُحب الظالمين. الشورى: 40. ويقول تعالى: وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ولئن صبرتم له خير للصابرين. واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. النحل: 126-128. وهكذا يُعلمنا القرآن ويدعونا لتغليب الجانب الإنساني في جميع أحوالنا. كي تدوم وحدتنا وتتحقق أُخوتنا وتبقى هيبتنا بين الأمم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news