العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

أمين الرفاعي.. أعجوبة الصحافة وصاحب القلم المؤمن الحر

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٤ ٢٠١٧ - 11:38

هل تتكرر تلك الأعجوبة مرة أخرى؟ (2)


يقولون إن الأسلوب هو الرجل، واختيار الرجل وافد عقله وقال الشاعر:

قد عرفناك باختيارك إذ كان 

دليلا على اللبيب اختياره

ولقد ذكرنا نموذجين لأسلوب أمين الرافعي ونورد هنا النموذج الثالث لنعرف الرجل عن قرب. ونستمطر الرحمات على ذلك الرجل الأعجوبة الذي لم يحن جبهته لغير الله، حتى كاد لا يخرج من محنة إلا لتستقبله أخرى هي أكبر من أختها.. ولكنه الإيمان وقوة العزيمة.

وهذا النموذج هو جزء من خطبته في رثاء الزعيم الوطني الكبير محمد فريد ـ يرحمه الله ـ يقول الرافعي:

«إن الحياة وما نصادفه فيها من متاعب وأحزان ومصائب وإرهاق، وضنك وإبعاد، ليست إلا ميدانا من ميادين القتال، فمن استطاع الثبات فيها ولم يتقهقر أمام نارها الحارة، كان بطلا من أبطالها، وكثير ما يكون أبطال هذا الميدان السلمي أكثر شجاعة من أبطال الحروب، لأن الآلام التي يتحملونها في خلال جهادهم الفكري هي أشد وقعًا من آلام المعارك الحربية، وبينما المحارب يملك سلاحا كسلاح خصمه للدفاع عن نفسه لا نرى المجاهد السلمي الأعزل من كل شيء سوى قلمه الذي يقاوم به جميع أعدائه وعزيمته التي يذلل بها كل العقبات التي تعترض سبيله. وقد قال أحد حكام الرومان: 

«لا يوجد في العالم من هو أكبر نفسًا من ذلك الذي يعرف كيف يتحمل الآلام ويواجه المكاره بشجاعة غير معتمد على قوة سوى قوة إرادته». 

وإن كانت مصر قد حزنت لفقد فريد فما ذلك إلا لأنها فقدت بطلا عظيما من أبطال هذا الميدان، ونفسا كبيرة من هذه النفوس التي يبخل الدهر بكثير من أمثالها. 

مات فريد لأن الأبطال يموتون ولكن أعمالهم تبقي بعدهم. مات فريد لأن أمثاله من عظماء الرجال لا بد أن يموتوا وفقا لسنن العالم الذي نعيش فيه، ولكن الله يأبي أن تموت معه مبادئه لأن المبادئ القوية تحيا بعد موت أصحابها. 

ثم تحدث عن العقبات التي واجهها وكيف كان يقاومها بقوة العقيدة والثبات على المبدأ فقال: 

كان الفقيد يبتسم لهذه العقبات ولايعبأ بها ولا بتلك الاضطهادات لأنه كان يعتقد كما يعتقد الفلاسفة، أن العقبات لا تقف في سبيل الإرادة، فإن هذه الإرادة الصادقة تسحق العقبات وتزداد قوة بسحقها، وما مثلها إلا كمثل النار التي يلقي فوقها بعض الأشياء بقصد إطفائها، فتلتهم هذه الأشياء وبفضل ذلك الالتهام تزداد اشتعالا. 

أما صحيفة الفقيد في منفاه فقد سطرت فيها كلمة «التضحية» بأحرف من نور وفي خلال هذا العهد بلغت نفسه مكانا يغبطه عليها كبار الأبطال في العالم على مدى التاريخ قديمه وحديثه. إلى أن يقول: 

كان يستعذب الألم لاعتقاده أن الآلام تنير للقلوب طريق الحقيقة التي تغيب عن الإنسان إذا كان سعيدا ولم يعرف كيف يتألم، كان يستعذب الألم لاعتقاده أن الآلام تتسلط على النفوس فتجعلها كبيرة ولأن في النفوس مكانا رفيعا ترقد فيه الحياة والألم وحده هو الذي يستطيع أن يبلغ هذا المكان. فهنيئا لهذه النفس الكبيرة، والروح الطاهرة ومجدا وفخارا لذلك القلب الذي لم ينبض إلا باسم الوطن وحريته ثم يختم ذلك بقوله: 

«فلنجدد اليوم عهدا على أنفسنا أمام الله، وأمام ضمائرنا بأن نحتفظ بمبادئنا ونستمر في جهادنا السلمي المشروع، حتى ترد لنا حريتنا المقدسة «وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا». 

معاركه الصحفية: 

وبعد أن تعرفنا على الرجل من خلال أسلوبه ندير الحديث عن معاركه الصحفية وهذا بيت القصيد ـ وهي معارك متعددة نختار منها نماذج فقط. 

لقد خاضها الرجل وسلاحه ذلك الأسلوب، حيث بدأ يكتب في الصحف منذ أن كان طالبا بمدرسة الحقوق. وكان الزعيم مصطفى كامل قد أسس الحزب الوطني الذي أعجب أمين بمبادئه فانضم إليه وجعل من صحيفة «اللواء» التي كان يصدرها الحزب ميدانا واسعا يصول فيه قلمه ويجول، وكان له من التأثير في القراء وهو طالب بالحقوق ما تميز به طوال حياته الصحفية حتى جعل رسالته في الحياة هي رسالة القلم المجاهد المؤمن الغيور. 

معركته مع جريدة المؤيد: 

دارت هذه المعركة بينه وبين جريدة المؤيد وهو لمّا يزل بعد طالبا بكلية الحقوق !!.

وسببها أن الشيخ على يوسف صاحب جريدة المؤيد كان يدعو إلى تمثيل مصر في مجلس المبعوثان العثماني وهو مجلس تمثل فيه البلاد التي تتبع تركيا بمبعوثين عن كل بلد (أو ولاية كما كان يطلق عليها في ذلك الوقت) ويعتبر هذا المجلس ممثلا للأمة كلها حسب الفكرة التركية السائدة في ذلك الوقت. 

كان أسلوب الشيخ علي يوسف في دعوته يفيض حماسة دون أن يدعمه بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وعندئذ ينهض أمين الرافعي وهو الطالب بمدرسة الحقوق ليفند دعوى الشيخ في مقال قوي كان هو افتتاحية جريدة «اللواء» الصادرة في 9 من أغسطس سنة 1908 ومما جاء في هذا المقال: 

«نحن نتساءل كيف يرضي صاحب المؤيد بأن يسلبنا حقوق مصر وامتيازاتها ومطالبتها بالاستقلال والدستور؟. وهل يخالج ضميره قبول الخديوي النزول عن سلطته لمجلس المبعوثان ليصبح أحد الولاة الذين ليس لهم في الأمر شيء؟. إننا في حيرة من أمر صاحب المؤيد فلا ندري ما الذي حدا به إلى ابتكار هذه الفكرة والقول بهذا الرأي مع أنه يعلم أن أوربا تتهمنا صباح مساء بأننا لا نحتج على الاحتلال ولا نصاوله في عداء إلا رغبة في استبدال حكم الأتراك به، وسلب مصر حكمها الاستقلالي الذي تمتعت به زمنا طويلا، ولا مشاحة في أن ما جاء به المؤيد هو ما يلصق التهمة بنا. وهل مجلس المبعوثان الذي يندرج فيه المصريون خيرا من دستور خاص بمصر يضمن استقلالها، ويدير بالحكمة جميع مصالحها ومصالح أبنائها. إن من العار والخزي أن تنزل أمة عن حقوقها وامتيازاتها، وإن من الخزي والضعف أن يقر امرؤ على نفسه بدين لم ينقده».

 ذلك بعض ما قاله أمين الرافعي في وقت كان بعض كبار الساسة يرون الاحتلال جاثما على صدور البلاد ثم ينادون «مصر للمصريين» ويتسللون لواذا إلى المعتمد البريطاني الحاكم الفعلي لمصر في زمن الاحتلال شاكرين مؤيدين ولرضاه طالبين. 

وإلى حلقة قادمة بإذن الله....

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news