العدد : ١٤٣٩٧ - الأربعاء ٢٣ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٧ - الأربعاء ٢٣ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

الاسلامي

الكلمة أمانة ومسؤولية!!

بقلم: د. شعيب الغباشي

الجمعة ٠٤ ٢٠١٧ - 11:33

كثيرا ما يتعرض الإنسان منا لمواقف يتطلب منه فيها أن يلقي على الناس كلمة وحينئذ يسأل المرء نفسه ماذا أقول؟ وبم أتكلم؟ وهل المسألة مجرد كلمات تلقى فحسب وينتهي الأمر من بعدها؟ بغض النظر عن قيمة هذه الكلمات التي نطقتها أو الحديث الذي ألقيت به على مسامع القوم، أم أننا سنحاسب أمام ربنا، عن كل ما ننطق به؟ بل وكل ما يصدر عنا؟

 ولا شك في أن الإحساس بعظم وخطر ما تكلمنا به في الناس وما سوف نتكلم، هو الذي يجعلنا نتوقف طويلا أمام الكلمات التي تصدر عنا قبل أن ننطق بها على مسامع الناس، وهذا كله هو ما دفع بعض الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السؤال: أفنحن مأخذون بما نتكلم به؟! فكان الجواب بطبيعة الحال، بنعم... أيا كان نوع ومستوى الكلام، نعم، سنأخذ بما نتكلم به وسنحاسب عن كل كلمة تصدر عنا، وسيسألنا ربنا- وهو أعلم بنا- لماذا تفوهنا بهذا الكلام، ولماذا كتبتم هذا المقالات؟ أكنتم تهدفون من وراء كلامكم ومقالاتكم، مصلحة للبلاد، أو خيرا للعباد، أو تعميرا للحياة؟ أم كنتم تريدون بها تزييفا للوعي وتضليلا للناس وتخريبا لعقولهم، وأن تفسدوا عليهم حياتهم؟

 فإن كانت كلماتك بنائية هادفة، كنت عند الله مرضيا، وإن كانت الأخرى، فستكب على وجهك في النار بسبب تلك الكلمات التي لم تحسب لها حسابا، ولهذا قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم «وهل يكب الناس على وجوههم –وفي رواية أخرى: مناخرهم- في النار إلا حصائد ألسنتهم».

ولهذا كله فإننا نقول إن الكلمة أمانة، يحاسب عليها المرء يوم القيامة، ويسأله الله تبارك وتعالى عنها هل أديت هذه الأمانة أم ضيعتها؟ وأداء أمانة الكلمة يكون بالصدق في القول والسلامة في القصد، فلا يتكلم المرء إلا بكلام يحسب له، لا عليه، بحيث يكون كلامه هاديا لا مضلا، وبانيا لا هادما، وإن المرء ليتكلم بالكلمة، لا يلقي لها بالا، وتكون من سخط الله، يهوي بها في النار سبعين خريفا، وإن المرء ليتكلم بالكلام من رضوان الله لا يلقي له بالا، فإنه يكون سببا في دخوله الجنة.

 إذن الكلمة الصادقة، يقولها الإنسان يمكن أن يرفع بها إلى عنان السماء، بل تكون سببا لدخوله أعلى الجنان، وإن الكلمة الكاذبة الخاطئة، يمكن أن تهوي بصاحبها، إلى نار الجحيم لأنها تؤدي إلى الدمار والسعار والعار والشنار.

 والكلمة الطيبة، مثلها، كمثل الشجرة المثمرة النافعة، والكلمة الخبيثة كالمرض المعدي الفاتك القاتل،ِ وصدق الله إذ يقول: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)» سورة إبراهيم الآية: 24-27

كما أن الكلمة الطيبة كذلك، صدقة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، صلى الله عليه وسلم، ولهذا لا ينبغي للمرء أن يحرمن نفسه من الأجر والمثوبة ولا يكون ذلك إلا بكلامه الطيب النافع والدافع نحو الخير، وإن المرء ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن المرء ليكذب، ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابا، فعلى المسلم أن يربى نفسه وأهله على الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال، ذلك لأن الصدق طمأنينة والكذب ريبة كما جاء في الحديث الصحيح، وكذلك الصدق منجاة من المصائب والمآزق والنواقص وكل ما يمكن أن يشين المسلم ويورده المهالك، وتربية النفس على الصدق تقي صاحبها من كل سوء وشر، وكم نجي الصدق صاحبه، وكم أودى الكذب بأهله إلى التهلكة.

 وإذا كان المرء لا يقدر أن يقول كلمة الحق والصدق، فلا أقل من أن يمتنع عن الكذب وليكن ديدنه دائما، فليقل خيرا أو ليصمت! وإذا كانت الكلمة أمانة، فهي كذلك مسؤولية عظيمة، يقوم الإنسان بها ويحاسب على أدائها، (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) فعلى المسلم أن يكون حريصا على قول الصدق، وملازمة الصادقين ومصاحبة الأخيار الأطهار، من الموحدين، فإن ذلك أدعى إلى أن يساعدوه على أن يعيش في كنفهم وأن يتأسى بأخلاقهم «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين» سورة التوبة: 119. فالصدق خلق المؤمنين وصفة الأنبياء والمرسلين وعلينا أن نتحلى دائما بالصدق، حتى تكون في الدنيا من الفائزين وفي الآخرة من الناجين.

وفي يوم القيامة يسأل ربنا سبحانه أهل النار هذا السؤال: «مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر(42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ» المدثر: الآية 42-47.

إذن فالخوض مع الخائضين، يهلك صاحبه، ويدفع به إلى عذاب النار وبئس المصير، فالإنسان البصير على نفسه، عليه أن يمسك لسانه، فلا ينطق إلا بالحق ولا يقول إلا بالصدق والحكمة والبر والمعروف، وقد قالوا قديما: (لسانك حصانك، إن صنته صانك وإن خنته خانك) وقال الشاعر أيضا:

 جراحات السنان لها التئام *** ولا يلتام ما جرح اللسان

 وقال آخر: 

إذا شئت أن تحيا سليما من الأذى

وحظك موفور وعرضك صيّنُ

 لسانك لا تذكر به عورة امرئ

فكلك عورات وللناس ألسنُ

أسأل الله أن يجعلنا جميعا ممن ينطق بالحكمة ويتكلم بالصدق ويتعامل مع الناس بالود والرحمة، وأن نكون في حياتنا كلها على أخلاق المرسلين الذين مدحهم رب العالمين فقال عن أحدهم: (إنه كان صادق الوعد) وقال عن آخر: (إنه كان صديقا نبيا) وقال عن أم عيسى عليه السلام مريم ابنة عمران (وأمه صديقة) كما أسأله سبحانه أن يجعلنا من أهل الصدق وأن يحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

*  أستاذ الإعلام المشارك بجامعة البحرين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news