العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

الاسلامي

قراءة إيمانية اجتماعية في سورة محمد (2)

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٠٤ ٢٠١٧ - 11:18

أفلا يتدبرون القرآن؟!!


خلق الله سبحانه وتعالى الأرض وهيأها تمامًا لحياة الإنسان والحيوان والنبات والكائنات الحية الدقيقة، وقدّر فيها معايش كل من يعيش عليها، وأرسل الرسل لهداية الإنسان للإصلاح في الأرض على أسس خُلقية ربانية بعيدة عن الهوى والعشوائية. قال تعالى: «فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ» (محمد: 20-21).

أي: فأولى لهم أن يمتثلوا الأمر الحاضر المحتّم عليهم، ويجمعوا عليه هممهم ولا يطلبوا أن يشْرع لهم ما هو شاق عليهم، وليفرحوا بعاقبة الله تعالى وعفوه.

(فَإِذَا عَزَمَ الأمْر)؛ أي: جاءهم أمر جدٌ وأمر محتم ففي هذه الحالة، (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ) بالاستعانة به وبذل الجهد في امتثاله (لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ): من حالهم الأولى، وذلك من وجوه ؛ منها: أن العبد ناقص من كل وجه لا قدرة له إلاّ أن أعانه الله ؛ فلا يطلب زيادة على ما هو قائم بصدده.

ومنها: أنه إذا تعلقت نفسه بالمستقبل، ضعف عن العمل بوظيفة وقته الحاضر وبوظيفة المستقبل، أما الحال؛ فلإن الهمة انتقلت منه إلى غيره، والعمل تبعٌ للهمّة، وأما المستقبل، فإنه لا يجيء حتى تفتر الهمة عن نشاطها، فلا يُعان عليه.

ومنها أن العبد المؤهل للآمال المستقبلية مع كسله عن عمل الوقت الحاضر، شبيه بالمتألي الذي يجزم بقدرته على ما يستقبل من أمور، فأحرى به أن يُخْذَلَ ولا يقوم بما هَمَّ به ووطّنَ نفسه عليه، فالذي ينبغي أن يجمع العبد همّه وفكرته ونشاطه على وقته الحاضر، ويؤدي وظيفته بحسب قدرته، ثم كلما جاء وقت، استقبله بنشاط وهمّة عالية مجتمعة غير متفرقة، مستعينًا بربه في ذلك، فهذا حريّ بالتوفيق والتسديد في جميع أموره. (تيسير الكريم الرحمن، مرجع سابق).

(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) (محمد: 22).

ثم ذكر تعالى حال المتولّي عن طاعة ربه وأنه لا يتولى إلى خير، بل إلى شر فقال: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) (محمد: 22)؛ أي: فهما أمران: إمّا التزام لطاعته وامتثال لأوامره، فثم الخير والرشد والفلاح، وإما إعراض عن طاعة الله، فما ثمّ إلاّ الفساد في الأرض بالعمل بالمعاصي وقطيعة الرحم. (المرجع السابق). 

(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) (محمد: 23).

(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ) أفسدوا في الأرض، وقطعوا أرحامهم (لَعَنَهُمُ اللَّهُ) بأن أبعدهم عن رحمته وقربوا من سخط الله (فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ): أي جعلهم لا يسمعون ما ينفعهم ولا يبصرونه، فلهم آذان ولكن لا تسمع سماع إذعان وقبول وإنما تسمع سماعًا تقوم به حُجّة الله عليهم، ولهم أعين ولكن لا يبصرون بها العبر والآيات ولا يلتفتون بها إلى البراهين والبينات. (المرجع السابق).

ما أحوجنا إلى هذه التربية الإيمانية الإصلاحية البيئية الخلقية الذين أفسدوا في الأرض بالإعلام الفاسد والأفلام الهابطة والأشعار الماجنة والتافهة والساقطة، والتعليم العلماني (بفتح العين) الصّادّ عن التربية الإيمانية لأبناء المسلمين، والذين يقيمون الأنشطة الصناعية المدمرة للبيئة الأرضية والهوائية والمائية، المتاجرون في الحيوانات البريّة والنباتات النادرة والمدمرون للنباتات البريّة المّعِين الجيني للهندسة الوراثية وتحسين الصفات الوراثية.

وقد أفسدوا الأخلاق وقطعوا الأرحام فأقاموا الحدود بين الأشقاء، ونشروا الفتن الطائفية والمذهبية والدينية والعرقية والجاهلية، وأحبوا العصبيات الجاهلية التي جاء الإسلام للقضاء عليها وأحيوا للأساطير والخرافات واحتفلوا بها.

ونشروا العري والشذوذ الجنسي وزواج المثليين، وأقاموا فضائيات لنشر الرذيلة والفساد في الأرض.

أولئك الذين لعنهم الله وأصم آذانهم عن سماع الحق، وأعمى أبصارهم عن آيات الله الكونية الدالة دلالة قاطعة على اللطيف الخبير العليم رب كل شيء ومليكه وكما يقول الشيخ عبدالرحمن حبنكة الميداني:

إلهي

عرفتك من كل شيء ظهر

عرفتك مما اختفى واستتر

عرفتك من حاضرات الوجود

ومما مضى في زمان عَبَرْ

عرفتك من لفحات الرياح

ومن نفحات نسيم السحر

وقال الشاعر: 

تأمل في رياض الأرض وانظر

إلى آثار ما صنع المليكُ

عيون من لجين شاخصات

بأحداق هي الذهب السبيكٌ

على قضب الزبرجد شاهدات

بأن الله ليس له شريك

وأن محمدًا خير البرايا

إلى الثقلين أرسله المليك

والبدوي يقول: 

البعرة تدل على البعير والقدم يدل على المسير، اسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج أما تدل على اللطيف الخبير؟!!

هؤلاء الشعراء لهم آذان يسمعون بها وأعين يبصرون بها وقلوب يدركون بها.

أما العلمانيون (بفتح العين) الداروينيون فقد عميت بصيرتهم وأصمهم الله وأعمى أبصارهم فيقولون ما هي إلاّ أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكهم إلاّ الدهر.

هؤلاء لا يتدبرون آيات الله الكونية وفي بني جلدتنا من لا يتدبرون القرآن ولا يرون ما فيه من إعجاز وآيات بيانية وإشارات علمية وحقائق كونية يعجز البشر عن الإتيان بمثلها، هؤلاء أغلقت قلوبهم بأقفال من الشبهات فأصبحت كالكوز مُجَخّيًا لا ينكر منكرًا ولا يعرف معروفًا، أفسدهم العلم المادي الشيوعي الدارويني الإلحادي فضلُّوا الصراط المستقيم (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أم عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: 23-24).

والعياذ بالله منهم ومن جهلهم وفساد عقيدتهم وسوء نيتهم وقبح مسلكهم.

فاللهم اجعلنا من عبادك المصلحين، ولا تجعلنا من أعدائك المفسدين يا رب العالمين.

وللحديث بقية بإذن الله.. 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news