العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الـعـروة الــوثــقــى

الجمعة ٢٨ يوليو ٢٠١٧ - 10:24

هو كتاب مكنون يختزن بين دفتيه عرى كثيرة تجعل من العسر يسرا وتحيل الظلمات إلى النور أو قل الأنوار وينقلنا من الضنك الذي أتى على الأنفس حتى اثخنها إلى السعة والطمأنينة التي ترنو إليها النفوس الزكية الحاملة والمتضمنة لعقول استقرائية تذهب إلى ما بعد الكلمات مولدة من الحرف الميت معاني سامية كسمو المصدر النابعة منه ألا وهو القرآن العظيم فهو مكنون وعظيم في آن واحد.

مكنون لما فيه من معارف وقواعد لا يعذر فيها أحد فهي جلية واضحة تنبئ عن نفسها وفيها مباشرة أو ضمنا العروة الوثقى المختصرة بكلمة واحدة جامعة مانعة وشاملة ألا وهي «الأخلاق».

فالأخلاق من حيث المبدأ لا تنبثق إلا من دين، لذا فإن العلم والتقدم العلمي لا يعلم الناس كيف يحيون ولا طبيعة العلم تخوله أن يقدم منظومة قيمية للناس ذلك لأن المعايير الأخلاقية والقيم التي تنظم شؤون الناس وتسمو بالحياة الحيوانية إلى مستوى الحياة الإنسانية تبقى مجهولة وغير مفهومة من دون الدين فالدين بشكل عام والدين الإسلامي بشكل خاص معني بعلم آخر هو «علم الأخلاق» علم يجيب عن سؤال: كيف نحيا حياة آمنة مطمئنة.

كثفت أم المؤمنين كل السطور السابقة بجملة شديدة الاختصار والكثافة بعيدة المعنى والمغزى، وذلك عندما سئلت عن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم فأجابت: كان خلقه القرآن. إشارة إلى مرجعية الرسول الكريم في تصرفاته ومنبعها الإلهي وترجمها صلى الله عليه وسلم إلى مواقف حياتية سلوكية عايشها من صاحبه ونقلت إلينا في الأسفار التي تناولت حياته وسنته. 

هنا من العسير حصر تصرفات النبي الكريم عليه السلام في حياته وسلوكه، ولكن هذا لا يمنع من سرد نبله العظيم مع جاره اليهودي الذي قضى ردحا من الزمن يؤذيه، من هذا الحديث تتجلى لنا فضليتان من كبريات الفضائل هي الصبر الطويل على إيذاء جاره والثانية الصفح والتجاوز بعدم التواني عن زيارته أثناء مرضه وبقية القصة معروفة للقارئ الكريم بما فيها من مغانم للإسلام والمسلمين. 

عندما قيل ان الله لا يعبد داخل المساجد فقط، وإنما يعبد خارج المساجد ما كان ذلك إلا للفت انظارنا إلى عبادة الله سبحانه وتعالى من خلال المعاملات، وإنها لكبيرة وثقيلة الوطأة على النفس إلا من فقه أخلاق رسوله عقلا وقلبا، فهنا تكون القيم السامية هي مرشدنا في تعاملاتنا وعلائقنا بجميع مستوياتها. 

لنتأمل العبادات الأساسية ولنبدأ بالركن الركين الأول وهو الصلاة نتأملها، فإذا هي مصدر من مصادر أخلاقنا ففيها اللحمة أثناء صلاة الجماعة وفيها التواصل وفيها التسامح بالتصافح (نحات للخطايا) وفيها النظام والانتظام وفيها فوق هذا تفقد من يغيب عن الصلاة وزيارته للوقوف على حاجاته. ولننظر الى عظمة الأخلاق الإسلامية المتولدة عن ركن الصوم وشيوع فضيلة العطاء والمواساة منذ هلال شهر رمضان إلى هلال شهر شوال طيلة هذه المدة ودعاء الملائكة «اللهم اعط منفقا خلفا....» هو سيد الموقف وأدعو القارئ الكريم الى النظر والتأمل ليولد من ركن الحج ما شاء له أن يولد من أخلاق سامية رفيعة.

هناك توأمة بين الأخلاق والمحرمات والمحرمات ذات أصل ديني سماوي وليست أرضية المصدر وهذا ينطبق على أنبياء الله الكرام السابقين على سيدي ومعلمي محمد بن عبدالله عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم فالوصايا العشر في التوراة جلها محرمات وتعاليم ابن الصديقة البتول العذراء عليه السلام غنية عن التعريف واذا ما اوغلنا في عمق التاريخ الإنساني نجد أن تأملات أفلاطون الأخلاقية أدت به إلى موقف ديني لذا فالأخلاق مبدأ تقييد أو تحريم يناقض الغريزة الحيوانية في الطبيعة الإنسانية. 

لا بد كما أرى من المرور على خطأ شائع بين أبناء الأمة الإسلامية العظيمة وهو الخلط بين المعيشة والتربية وبحكم خبرتي ثلاثة عقود في التدريس أكاد أجزم أن نسبة كبيرة من أولياء الأمور يولون أهمية كبيرة للأمور المعيشية على حساب التربية الأخلاقية لفلذات اكبادهم فإن تطعم وتكسو وتطبب..... هذا امر وهو واجب وضرورة وهنا لم نجد في القرآن ما يوصي به الآباء والأمهات على الأبناء لأنه حاصل بفعل غريزة الأبوة والامومة، ولكن أين الوقت المبذول لتهذيب أخلاق الناشئة لإعداد جيل من الفتية ذخر للأمة في مستقبلها إذن لابد من الإنفاق باتجاهين متوازيين الأول مادي والآخر إنفاق جزء من الوقت للإعداد الذي يرضي الله عنا ويرضينا عن أنفسنا. 

عاطف الصبيحي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news