العدد : ١٤٣٩٣ - السبت ١٩ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٣ - السبت ١٩ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٢٧ ذو القعدة ١٤٣٨هـ

الاسلامي

العلاقات الإنسانية في القرآن الكريم (4)

الجمعة ٢٨ يوليو ٢٠١٧ - 10:22

بقلم: د.علي أبو هاشم 

إن الناظر المدقق، والباحث المفكر، والدارس المخلص في معالم الدين الإسلامي الحنيف، ليجد أنها كانت ولا تزال عوامل جذب، ترشد من اقترب منها، أو بحث فيها، أو تعرف عليها، إلى أن الإسلام دين يعمل لطمأنة الإنسانية، ونشر الوئام بين البشرية. وهذا هو المقصود من معنى العلاقات الإنسانية في القرآن، فيدعو القرآن الكريم المسلم إلى وجوب الإحسان للمساكين وابن السبيل والسائلين وما ملكت أيماننا من الإماء والعبيد، وهذه الفئات التي لا وزن لها في المجتمع تكون عُرضة لانتهاك حقوقها، وامتهان كرامتها عند كثير من ذوي النفوذ والجاه، لكن القرآن جعل لهم حصانة وحماية وقوة، تكفل لهم كريم العيش، وتحفظ عليهم إنسانيتهم وكرامتهم. فقال تعالى: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يُحب من كان مختالا فخورا». (النساء: 36)، ويقول تعالى في صفة أهل الجنة وأخلاقهم: «ويُطعمون الطعام على حُبه مسكينا ويتيما وأسيرا». (الإنسان: 8)، ويقول تعالى: «وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب». (سورة البقرة: 177)، والمسكين هو الضعيف المحتاج إلى مساعدة الناس له، لفقره وعجزه، وقد عرف أهل العلم المسكين بأنه: الذي عنده مال لا يكفي حاجته وحاجة من يعول، والإحسان إليه يكون بلين الكلام معه، والتواضع له، والنفقة عليه لمن أمكنه ذلك، فكان من هدي الرسول. صلى الله عليه وسلم. ألا يرد سائلا ولا مسكينا، وكان بعض الصحابة لا يأكل إلا إذا أحضر مسكينا يأكل معه، وكان من دعاء الرسول. صلى الله عليه وسلم. اللهم أحييني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين. إن التكبر والتجبر على المساكين من صفات أهل النار أعاذنا الله منها. يقول تعالى: «أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين». (الماعون: 1-3)، ويُخبر تعالى عن أعمال وصفات أهل النار فيقول تعالى: «إنه كان لا يؤمن بالله العظيم. ولا يحض على طعام المسكين. فليس له اليوم ها هنا حميم» (الحاقة: 33- 35)، إن القسوة على المسكين، وإهماله وعدم الاكتراث به سبب لدخول النار، إنها دعوة لتحقيق الإنسانية مع الضعفاء والمساكين. وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عَنِ الأَعْرَجِ، «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إلى رَبِّهِمَا فَقَالَتِ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ مَا لَهَا لاَ يَدْخُلُهَا إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَقَالَتِ النَّارُ: يَعْنِي أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وَقَالَ لِلنَّارِ أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا قَالَ: فَأَمَّا الْجَنَّةُ فإن اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ثَلاَثًا حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ وَتَقُولُ قَطْ قَطْ قَطْ». وأخرج الترمذي «عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجت الجنة والنار فقالت الجنة: يدخلني الضعفاء والمساكين، وقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون. فقال للنار: أنت عذابي أنتقم بك ممن شئت، وقال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من شئت». صححه الألباني. كما دعا القرآن إلى الإحسان لابن السبيل، وابن السبيل هو: من بعد عن أهله، ونأت به الديار، وانقطعت به الُسُبل. لضُر أو حادث ألم به، فلم يمكنه الوصول إلى أهله ووطنه، وهو في أمس الحاجة إلى المعونة والمساعدة، والإحسان إليه يكون: بمساعدته وإعانته للوصول إلى أهله ووطنه، والقيام بما يحتاج إليه من الطعام والمبيت، والوصول إلى حيث يقصد، حتى يطمئن، ويذهب ما به من وحشة. وهكذا يؤكد القرآن الكريم العلاقات بين جميع طبقات المجتمع، وفي جميع الأحوال، حقا إن الإسلام دين الإنسانية المتحضرة، ودين التواصل والتراحم، وقد جعل القرآن لابن السبيل سهما في الزكاة من أموال المسلمين. يقول تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم. التوبة: 60. ومن العلاقات الإنسانية التي دعا إليها القرآن الكريم. الإحسان إلى الأسرى، بإطعامهم وحُسن معاملتهم، مع أن الأسير عدو محارب. يقول تعلى: «ويُطعمون الطعام على حُبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نُطعمكم لوجه الله لا نُريد منكم جزاء ولا شُكورا». (سورة الإنسان: 8-9)، إن من صفات أهل الإيمان، والبر والإحسان، من بشرهم ربنا بدخول الجنان أنهم يُطعمون الأسير الذي وقع في قبضتهم ويُحسنون إليه، فيرحمون ضعفه وذله، ولقد سبق القرآن بهذا التوجيه كل المنظمات الإنسانية التي تدعو إلى مراعاة حق الأسير، بإطعامه والإحسان إليه، كما دعا القرآن إلى العفو عن الأسير وإطلاق سراحه أو مبادلته بأسرى المسلمين، بعد انقضاء الحرب بين الطرفين. يقول تعالى: «حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها». (محمد: 4)، ولقد عفا الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن أسرى بدر، وعفا عن ثمامة بن أثال الحنفي. زعيم بني حنيف، وعفا العفو العام عن أهل مكة يوم الفتح، بعد أن أصبحوا في قبضته وتحت يده، ولما وقعت بنت حاتم الطائي في الأسر وعرفها الرسول مكانتها ومكانة أبيها بين العرب. عفا عنها رحمة بها، وكان عفوه صلى الله عليه وسلم سببا لدخول القبائل في الإسلام. حقا إن العلاقات الإنسانية في القرآن علامات مضيئة في إظهار حقيقة التعايش الذي يدعو إليه الإسلام.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news