العدد : ١٤٥٠٩ - الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٩ - الأربعاء ١٣ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

بصمات نسائية

انتصرت على إعاقتها السمعية والكلامية بالفن.. الفنانة المبدعة فاطمة عبدالله الفاضل لـ«أخبار الخليج»:

أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ٢٦ يوليو ٢٠١٧ - 10:11


احترقتُ بنار الصّمت فانطلقتُ


احترقت بنار إعاقتها السمعية والكلامية، فانطلقت نحو الحياة بعزم وإصرار، واستطاعت وبمهارة فائقة أن تصنع من محنتها منحة، تدفعها إلى شق طريقها بكل مهارة وجدارة، لتحط بقدميها في مقدمة صفوف المبدعين بوطنها. فاطمة عبدالله الفاضل، فنانة تشكيلية مميزة، شاركت في الكثير من المعارض والمهرجانات داخل البحرين وخارجها، تركت الدراسة منذ الصف الخامس الابتدائي، بسبب عدم تفهم حالتها من قبل من حولها، فقررت أن تعلم نفسها بنفسها، وتصنع مستقبلها بيدها، فكسرت حاجز الصمت بالعلم والعمل والفن، وسارت في طريق التفوق والإبداع. برغم إعاقتها إلا أنها شخصية مرحة، اجتماعية، عاشقة للتطوع ومساعدة الآخرين، فقد علمتها الحياة اسمى معاني الإنسانية، وعدم الاستسلام أو التوقف، وهو ما غرسته أيضا في ولديها، اللذين تشعر بفخر شديد نحو تحمل مسؤولياتهما بمفردها.

فكيف انتصرت في معركة الحياة؟ وما هي أهم الأسلحة التي ساعدتها على الخروج من عالم الصمت؟ وماذا واجهت من عثرات؟ وإلى أي مدى نجحت في تحويل الألم إلى أمل؟

وأسئلة أخرى عديدة حاولنا الإجابة عنها في الحوار التالي:

متى تم اكتشاف الإعاقة؟

أنا أنحدر من عائلة ينتشر بها هذا النوع من الإعاقة السمعية والكلامية، ولي أخ يعاني أيضا منها، وبالتالي لم يكن اكتشاف حالتي منذ أن كان عمري عدة شهور يمثل أي نوع من الصدمة أو المفاجأة، وقد تم ذلك صدفة حين كنت ألهو بفناء المنزل، ومرت طائرة كانت قريبة من سطح الأرض، حيث كانت تصدر صوتا قويا، ولم يبدو علي أي تجاوب مع هذا الصوت، حينها أدركت جدتي أنني أعاني من فقدان السمع.

وكيف كان التعامل معك؟

في ذلك الوقت لم يكن هناك هذا الوعي بالعلاج والتحرك الطبي في مثل هذه الحالات، لذلك لم يبذل الأهل أي جهد في هذا الصدد وكان رد فعل عائلتي هو الاستسلام المطلق، فقد اعتادوا على وجود مثل هذه الحالات فعمي وابنته يعانيان من نفس المرض، ولذلك هم يتقنون لغة الإشارة بالفطرة، وتعاملوا معي بهذا الأسلوب. 

وكيف أتقنت لغة الإشارة؟

تعلمت لغة الإشارة بنفسي، ومن خلال تعاملاتي اليومية، وقد تحمست لها بسبب شعوري بالألم تجاه عجزي عن التواصل مع من حولي، وتجاهل وجودي في بعض الأحيان، وعدم الاهتمام بدمجي معهم في أي حديث أو حوار، وكنت أشعر أحيانا بأنني نكرة، وهذا أكثر شيء كان ومازال يؤلمني.

ماذا عن تجربة المدرسة؟

للأسف عانيت كثيرا في المدرسة، سواء بسبب عدم التواصل مع زميلاتي أو عدم تفهم معلمتي لحالتي، فكثيرا ما تعرضت للجرح والإحراج من قبل معلمة الصف وكانت تجبرني أحيانا على القراءة، فكرهت المدرسة وتركت التعليم في الصف الخامس الابتدائي، رغم أنني كنت متفوقة في بعض المواد وخاصة اللغة الانجليزية، خاصة بعد أن تركتني بنت خالتي التي كانت تلازمني في المدرسة في كل خطواتي، فقد احترقت بنار الصمت والعزلة، ولكني انطلقت.

كيف كانت الانطلاقة؟

لقد قررت أن أكسر حاجز الصمت وأعلم نفسي بنفسي وأن أنمي موهبة الرسم التي كنت أمارسها إلى درجة الاحتراف منذ صغري، كما أنني ورغم عالمي الصامت، وعزلتي، إلا أنني كنت إنسانة اجتماعية ومرحة وجريئة ومطالبة بحقي، وأذكر أنني شاركت في افتتاح الإستاد الرياضي بمدينة عيسى، من خلال رقصة الدبكة اللبنانية، وتعجب الجميع من إصراري وقدرتي على المشاركة. 

متى كانت بداية مشوار العمل؟

بعد أن قررت أن أعلم نفسي بنفسي وأطور ذاتي ومهاراتي وخاصة موهبة الرسم التي كنت أمارسها طوال الوقت، عوضني ذلك عن فراغ الصداقات وعدم التواصل مع الآخرين، وأقدمت على تعلم الرسم بدرجة أكبر من أختي الكبرى، حتى برعت في هذه الموهبة، لدرجة قرر معها والدي عرض رسوماتي على المرحوم الفنان راشد العريفي، الذي أبدى إعجابه الشديد بأعمالي، وقام باقتناء بعضها، كما فعل أبي نفس الشيء مع وزير الإعلام حينئذ المرحوم طارق المؤيد، الذي اعترف بشدة بأنني موهوبة للغاية، فقرر إلحاقي بالقسم الفني بالوزارة للعمل هناك وكانت البداية مع برنامج بابا ياسين.

وما هو حصاد تجربة الإعلام؟

كنت أقوم بتصميم الرسومات الكارتونية بالبرنامج واستمرت تجربتي في الإعلام 23 عاما من العمل والعطاء، وطورت من عملي وأدخلت أسلوبا فنيا خاصا بي في أعمالي الفنية وهو دمج الأكريليك مع الجبس واستخدام أعشاب معالجة في لوحاتي، وقد شاركت خلال هذه الفترة في معارض ومهرجانات ومناسبات عدة داخل البحرين وخارجها، كما قمت بتصميم ديكورات المناسبات المهمة وحفلات الزواج لكبار الشخصيات، وبالتالي كان حصادا ثريا.

ما هي أهم الإنجازات؟

لقد برعت في تصميم شعارات إدارة المرور، وشاركت في معارض وزارة الإعلام من 79-88, وفي معرض جمعية البحرين للفن المعاصر 1981, وبمعرض صنع يدي 2113, وبمهرجان الشيخ زايد التراثي بأبوظبي العام الحالي، وحصلت على جائزة تقديرية من معرض وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عام 79, وحصلت على جائزة تقديرية من معرض وزارة الإعلام، وأملك اليوم حوالي 150 لوحة فنية، كما شاركت في اجتماع لمعوقي العالم من الصم والبكم في مؤتمر بأمريكا عام 81, وانتهز هنا الفرصة وأتوجه بالشكر لسمو الأميرة سبيكة على دعمها المتواصل للمرأة وعلى اتاحة الفرصة لي للمشاركة في جائزتها.

ما هي علاقتك بالتكنولوجيا؟

في البداية كنت أرسم الوسائل التعليمية بالمدرسة، وأصمم الرسوم المتحركة بالأسلوب التقليدي، وقد تعلمت ذلك من الفنانة فتحية سليس التي علمتني مهارة دمج الألوان، واجتهدت في برامج الأطفال، حتى طورت مهاراتي خلال تعلم التكنولوجيا عن طريق النت، وتعلمت فنونا أخرى وأتقنتها، وأقوم حاليا بتدريس الفن للأطفال.

فنون أخرى مثل ماذا؟

أنا أتقن فنون الخياطة والأشغال اليدوية والكروشيه والطبخ وتصميم الأزياء وتصفيف الشعر والمكياج وغيرها، يشهد لي الجميع بمهاراتي المتعددة في تلك المجالات، إلى أن تزوجت، بعد أن تركت عملي لأتفرغ لحياتي الأسرية، وكانت هذه محطة مهمة في حياتي، وقد أنجبت ولدين.

وكيف كان التعامل مع ولديك؟

في البداية كان التعامل مع طفليّ صعبا للغاية، إلى أن علمتهما بالتدريج لغة الإشارة، وكثيرا ما كنت أخترع وسائل غريبة أحيانا للتواصل معهما, وعلى سبيل المثال كنت أرصد تحركاتهما من خلال ربطهما بحبل بيدي وخاصة أثناء نومي، وهكذا كانت الحاجة تمثل لي أم الاختراع ومع الوقت تكيفنا جميعا على الوضع وكبرا معي، وتحملت مسؤولياتهما بالكامل وكانت أجمل لحظات حياتي حين تخرجا، إلى أن تقاعدت وبدأت مرحلة جديدة في حياتي.

وماذا بعد التقاعد؟

بعد إغلاق القسم الفني بالوزارة، انتقلت إلى الأرشيف، وقمت بعمل باهر هناك، وعلى أكمل وجه، ثم بعدها تقاعدت وأحاول أن أشغل نفسي بهوايات الطبخ والشعر والمكياج وغيرها، كما أنشأت مشروعا للتجميل لفترة قصيرة ثم توقفت لصعوبته بالنسبة إلي، وأشارك حاليا في معارض نسائية وفنية سواء في البحرين أو خارجها، وكذلك بمركز العاصمة، كما أشارك في المعرض السنوي للجمعية البحرينية لتنمية المرأة والتي تقيم معرضا خاصا لفئة الصم والبكم وتقدم لهم الكثير من الدعم والتشجيع، وأتمنى أن أحصل على فرصة لدراسة الفن على أصوله الأكاديمية.

ما هو أهم درس علمتك إياه الحياة؟

لقد مررت بمحن كثيرة وعلى مختلف الأصعدة، وكانت أصعب محنة واجهتني حين أصيب ابني الكبير في حادث بالسودان، والحمد لله تخطى هذا الحدث بعد معاناة كبيرة، وبفضل دعم أهلي لي، ولعل أهم درس تعلمته من خلال المحن والأزمات القوة والمواصلة وعدم الاستسلام.

كيف ترين أوضاع الصم والبكم في مجتمعنا؟

مقارنة بأوضاع هذه الفئة في الدول الأخرى، أشعر بأن هناك تجاهلا لها، وخاصة فيما يتعلق باحتياجاتهم وخدماتهم، فأبسط شيء لا يوجد أشخاص مؤلهون للتعامل معهم في مختلف الوزارات والجهات التي يتعاملون معها، كالصحة والبنوك والمرور والتأمينات والمحاكم وعلى الجسر وغيرها، وبالتالي نعجز عن إنهاء معاملاتنا في تلك الجهات لعدم إمكانية التواصل مع الموظفين هناك. 

وماذا تتمنين في هذا الصدد؟

أتمنى أن تركز وسائل الإعلام على التوعية باحتياجات هذه الفئة والاهتمام بها، وأن تخصص برامج موجهة لها، كما نناشد الجهات المعنية بإنشاء ناد للصم والبكم يجمع هؤلاء، ويحتضنهم، وينمي مهاراتهم، ويدمجهم في المجتمع، هذا إلى جانب أهمية توفر فرص العمل والإبداع التي تناسبنا، وأنا أبذل جهدا شخصيا في هذا الصدد.

أحاول أن أقدم الدعم والمساعدة والاحتضان للنساء الصم والبكم، وأن آخذ بأياديهن، وتنفيذ مشاريع تطوعية لهن، والوقوف على مواهبهن، والتواصل معهن، وتشجيعهن على تطوير ذواتهن، وعلى سبيل المثال ساعدت إحداهن على الخوض في مشروع للطبخ، وصممت لها موقعا إلكترونيا للتواصل مع المجتمع، كما فعلت نفس الشيء مع بعض الرجال من نفس الفئة ومنهم رجل سعودي يملك محلا للعود، وأعددت له حملة دعائية تساعده في التسويق لمشروعه وحقق نجاحا ملحوظا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news