العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

دراسات

التأثيرات الكبرى لثورة يوليو على اتجاهات الثقافة العربية

بقلم: حيدر زكي عبدالكريم

الأحد ٢٣ يوليو ٢٠١٧ - 10:26

تمرُ اليوم ذكرى ثورة 23تموز- يوليو وهذا الزمن بالنسبة الى الشعوب العربية زمن حافل بالتغيرات الجذرية الكبيرة حتى كأنه يوازي قرنا بأكمله من حياة الشعوب، لقد كانت الثورة عبارة عن حركة قام بها ضباط الجيش ومن ثم تحولت إلى ثورة شاملة ولا يمكن لهذه السطور تغطيتها.. لكننا سنوجز شيئا من التاريخ - وليس لذكرى الحنين إلى الماضي بل على العكس، ان هذا الحدث جزء من حياة امةٍ حرّة - كانت حاضنة للشعوب العربية وغير العربية وتاريخ امتنا المجيدة ورسالتها الخالدة أخبرتنا بأن هنالك الكثير من أبنائها الاخيار الذين احتضنتهم وهذا هو صلاح الدين الايوبي عربي النشأة كردي الاصل وطارق بن زياد عربي النشأة بربّري الاصل والفارابي عربي النشأة تركي الاصل – اسهموا بخدمة ارضهم التي نشأوا فيها. ونستوقف هنا عند القول الشهير لكارل ماركس: «الامة التي تضطهد الامم الاخرى لا يمكن ان تكون هي نفسها حرة». 

وموضوعنا بهذه المناسبة - مطالعة لآراء الاخرين في الجانب الثقافي مع الثورة المصرية (الثقافة والشخصية العربية)، وقبل ذلك لنعرف معنى الثقافة بشكلها البسيط ان صح التعبير «الثقافة» في اللغة العربية، اصلها من الفعل (ثقف) الذي يتصل تاريخه بلغة ما قبل الإسلام، اما فكرة الثقافة فهي حديثة دخلت اللغة العربية مع مطلع النهضة الاوربية وثمرة من ثمارها وظل الكتاب العرب يقرنون دائمًا حكمة ثقافة بكلمة (culture)، كما شهد القرن التاسع عشر تطورا سريعا وعميقا في ميدان المعرفة الانسانية وتطورت مختلف العلوم التي حلّلت الواقع وعندئذ اصبح مفهوم الثقافة اكثر تحديدا وترتبط بالشخصية ولكن ما هي الشخصية فهنالك عدة تعاريف منها المظهر الخارجي واساس الطبيعة الداخلية للإنسان- واما الثقافة والشخصية العربية «القومية» فيستخدم المصطلح بوجه عام – لوصف السمات النفسية والاجتماعية والحضارية لأمة ما، التي تتسم بثبات نسبي والتي يمكن عن طريقها التمييز بين هذه الامة وغيرها من الامم. وهناك ثلاثة مفاهيم من وجهة نظر البعض «البناء الاساسي للشخصية والطابع الاجتماعي والشخصية المتوالية». والموضوع هنا لا يسمح بالخوض بالتفاصيل...(1)

نبتدئ الحكاية من الهتافات المصرية القديمة «يا رب يا مُتجلي.... اهلك العثمانلي» «ويا ربنا يا عزيز داهية تأخذ الانكليز» وحال قائد الثورة الزعيم الراحل جمال يقول «لكن كانت تلك مهمتنا التي شاءها لنا القدر». (2) 

ففي هذا الزمن تغيرت معالم كثيرة في حياة الشعب العربي بأكمله، فانتقلت مصر من عصر إلى عصر حيث انتقلت من: «الاستعمار إلى التحرر الكامل والشامل سياسيا واقتصاديا وثقافيا».(3) 

مسألة مهمة وهي الثقافة مع ثورة 23 تموز‭\‬يوليو، من وجهة نظر البعض «ما سمّي لسنوات بأزمة المثقفين بين الثورة والمفكرين في مصر مصدره شيء واحد هو عزلة قيادة الثورة عن هذا الفريق من الشعب». (4) 

يمكن القول انه منذ اللحظة الاولى لثورة 23تموز- يوليو أدرك الرئيس جمال عبدالناصر ومن معه من الضباط الاحرار ان حماية الثورة لا تكون بالسيف بل بالقلم وفي الثقافة، الضباط الآتون من اصقاع آيديولوجية متفرقة حسبوا دائما حساب الافكار، وقرروا ان الطريق السياسية والاجتماعية التي اختاروها بعد الثورة تستلزم ان تُشق بموازاتها طريق ذهنية تشرح إنجازات الثورة، لهذا اسسوا وزارة الثقافة والارشاد القومي واختاروا الاديب والمترجم فتحي رضوان الذي كان سجينا ومعتقلا في العهد الملكي، وانشأت ثورة 23تموز‭\‬يوليو قصورا للثقافة.

لقد انطلقت الثورة من دون اطار آيديولوجيا حاكم بل كانت هناك مجموعة من المبادئ والضوابط الثقافية هي المبادئ الستة التي مثلت قواعد الحركة ومؤشرات تحتاج إلى إثراء فكري وهنا برز دور عبدالناصر كإنسان عربي التوجه ومثقف تجاوز ثقافته العسكرية التقليدية إلى الاحتكاك مع الافكار والثقافات الاخرى المطروحة في العالم.. فعبدالناصر بلور نظرية ثورية للتغيير من نهج التجربة والخطأ، وهذا المنهج يستلزم ثقافة موسوعية تسمح لصاحبها باختبار الافكار نظريا ثم تجريب الاصلح في ارض الواقع بعكس المؤمنين بنظرية محدودة وأيديولوجيا مكتملة فهي لا تحتاج اكثر من الوعي بالأسس النظرية والاجادة في التطبيق العملي. حسبما يقول عاطف العراقي. 

ويرى د.حسام عقل استاذ النقد الادبي في مصر: «ان اسباب نجاح الضباط في التدبير لحركة الجيش، انه لم يكن لأي منهم آيديولوجيا خاصة فإن هذه الميزة بقدر ما كانت ايجابية في النشاط الباكوري للحركة غير انها تحولت بمرور الوقت اصبحت ازمة خانقة».(5) 

ان الفنان والاديب والناقد لا بد ان تكون لديه عقيدة سياسية مواكبة لتطورات الحركة الاجتماعية ومن هنا اعترف الجميع بأن ثورة 23تموز- يوليو أحست بنبض الجماهير وبالتالي انطلقت ومعها ثورة الابداع. 

ويؤكد المفكر والناقد محمود امين العالم «ان ثورة يوليو فجرت ملامح الابداع ليس في الرواية فحسب، بل في شتى الوان الادب والفنون واحدثت نقل ثقافية شهدت مرحلة تغيير حقيقية في الثقافة خاصة جيل الرواد امثال عبدالرحمن الشرقاوي ونجيب محفوظ، فالشرقاوي كتب رائعته «الارض» قبل الثورة وعام 1953 نشرت اما نجيب محفوظ فقد انتظر سنوات بعد الثورة كي يتمكن من استيعاب احداثها وتناول فكرة العدالة الاجتماعية في رواية «اولاد حارتنا» عام 1958». 

ونعلق هنا (ان هذه الرواية كانت تخاطب المسائل الالهية وسُمح بنشرها حتى لا يُفسح المجال لمن يدّعي بأنَ الحكومة تمارس الاضطهاد الفكري بتلك الفترة، وكاتب الرواية هو من يتحمل مسؤولية أفكاره ونتاجاته) (الكاتب). 

ويقول الروائي سليمان فياض: «ان ثورة 1952 كانت مرحلة حاسمة في تاريخ الثقافة العربية، لأنها عبرت بقوة عن الظلم الواقع على المواطنين في شخص الفلاح وكانت الارض ابرز مثال على ذلك»، ونشطت الكتابات التي تنتمي إلى الواقعية الاشتراكية مثل كتابات الشرقاوي وسعد مكاوي ويوسف ادريس ونشط اتجاه الواقعية النقدية ايضا امثال صبري موسى وادوارد خراط وبعد نكسة حزيران 1967 بدأ النقد ينتقل لسلبيات الثورة.(6) 

وكذلك القاص سعيد الكفراوي: «عندما جاءت ثورة 23تموز‭\‬يوليو كانت تجسيدا لحلم ظلت الحركة الوطنية تسعى لتحقيقه». 

كما شهد الابداع المسرحي مرحلة مهمة والكاتب والناقد د. حسن عطيه له شهادة مهمة عن علاقة الثورة بالإبداع المسرحي وهو هنا يفسر ظاهرة مسرح الستينات كأهم ظاهرة ثقافية في العالم الثالث بقوله: «الاعمال المسرحية التي قدمها جيل كان يمثل هذه الثورة ثقافيا وابداعيا مثل اعمال نعمان عاشور وسعدالدين وهبة ومحمود دياب ونجيب سرور وغيرهم والتي منحت المسرح المصري مكتبة من النصوص الدرامية التي تعد ذخيرة اساسية للمسرح العربي كلهُ».

وتبقى الافلام التي مازلنا نتشبث بها ونعرضها في مناسباتنا القومية مثل الارض والناصر صلاح الدين والقاهرة 30 وغيرها من الاعمال السينمائية بفضل جيل من المخرجين ظهر في هذه الحقبة امثال كمال الشيخ ويوسف شاهين وصلاح أبو سيف وغيرهم. 

ويقول الفنان حمدي أحمد «انني اترحم على أيام ثورة يوليو في ظل تلك الاوضاع المتردية والحركة الفنية الغائبة، فعندما كانت مؤسسة السينما تقدم كل عام 200 فيلم من وجدان الادب المصري والعالمي، اترحم على ما آلت اليه السينما المصرية من تشويه للشخصية والاسرة المصرية، وعندما اسست مكتبة بها ما يقرب من ألف كتاب بأقل الاسعار التي في متناول يدي وكان راتبي لا يتعدى الـ 25 جنيها، اترحم على أيام الثورة فالرجاء ان تترحموا معي»؟(7) 

الثقافة كما عرفها طه حسين: «تبدأ من التعليم، فالتعليم عنده هو مستقر الثقافة». فإذا اردنا ان نحسب ما للثورة وما عليها في علاقاتها بالثقافة وجب الاشارة اولا إلى دور الثورة في فتح ابواب التعليم بالمجان لأبناء الشعب وتطويره والدخول إلى مجالات جديدة وبتلك الخطوة تثقف مئات الآلاف من ابناء الشعب.  ونشير هنا حتى باقي الاعمال الادبية والفنية التي حاولت التصدي للثورة فسُمح العمل بها امثال «شيء من الخوف» لثروت اباظة وكتاب «بنك القلق» لتوفيق الحكيم والذي وافق على نشره جمال عبدالناصر في صحيفة الاهرام مسلسلاً رغم ان المشير عبدالحكيم عامر اعتبره مسيئًا للنظام وللمخابرات المصرية تحديدا.(8)

ومن الجدير بالذكر ان هذا الكتاب تحول إلى عمل تلفزيوني آنذاك.. وعرضت مقاطع من هذا المسلسل مع افتتاح القناة الجديدة «ما سبيرو زمان». (الكاتب)

وكذلك اشاَر الرئيس جمال عبدالناصر بخطابه في جامعة القاهرة بتاريخ 25/4/1968 قائلا: «لابد للمثقف ان يدرس احوال المجتمع، لا بد ان يعاني ما يعانيه المجتمع، لا بد للمثقف ان يستوعب مشاكل المجتمع وامانيه، وبهذا يكون المثقف فعلا يؤدي دوره كمثقف ثوري ويعمل لمصلحة الجماهير ولمصلحة الشعب ولمصلحة الحياة». وقول اخر عن العصرية «قد يتصور البعض العصرية تعني الانقطاع عن الماضي والحرص على التقاليد لا تعني الانقطاع عن المستقبل. المسألة مش مسألة اشكال ومظاهر سطحية... العصرية الحقيقية هي التجديد في الاصالة». (9) 

وأخيرا نخلص إلى القول: 

-ان ثورة تموز/يوليو1952 وضعت سياقا تاريخيا جديدا. 

- هي أم الثورات العربية المعاصرة بكل ما تحمله من رياح التغيير السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

- لم تكن فترة الثقافة صعبة على المثقفين والفنانين والمبدعين وشهدت تلك الفترة اضخم النتاجات الفكرية والادبية والفنية والتي قلما تكررت في وقتنا الحاضر.

- رجالها هم من بني البشر والبشر هنا يصيبون ويخطئون باستثناء الأنبياء، والقول هنا ايّ خطأ حدث لا يحسب بالقياس المطلق ويبقى بشكل نسبي اتجاه النوايا الحسنة والمخلصة التي حققها هؤلاء الرجال.

‭{‬ مراجع المقال:

(1) جمعة عبدالكريم، كراس سياسي، وزارة الثقافة والاعلام (سابقا)،ص29. 

(2) جمال عبدالناصر، فلسفة الثورة،ط5, مصر، د.ت،ص50.

(3) صحيفة الحرية، بيروت، العدد 229, السنة الخامسة – 1964. 

(4) مجلة صباح الخير، مصر، العدد 1080, 1976. 

(5) عادل الجوجري، ثورة يوليو والثقافة، مجلة الوعي العربي – موقع الفكر القومي العربي، 2010, ص29-30.

(6) المرجع ذاته، ص32. 

(7) المرجع ذاته، ص33-34.

(8) المرجع ذاته، ص35-36. 

(9) مجلة الصياد، بيروت، 1971. 

 

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news