العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

دراسات

أضواء على تحولات السينما العربية بعد ثورة يوليو 1952

الأحد ٢٣ يوليو ٢٠١٧ - 10:21

القاهرة - خاص 

مع ذكرى ثورة يوليو لا أحد يستطيع أن ينكر تأثير أحداثها على السينما المصرية والعربية من خلال تفاعل الكتاب وصناع السينما بمجرى الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ذلك الوقت، فتنوعت الأفلام التي عبرت عن هذه الحقبة التاريخية المهمة بإيجابياتها وسلبياتها وتناولت رموز وأبطال ورجال الوطن ؛ فمنها من ركز في موضوعاته على أثر وانعكاس الثورة على المجتمع مرورا برصد الأحوال السائدة ونقل الحس السياسي والوطني الشعبي بداية من فيلم «لاشين» الذي يعد شاهدا من منظور سياسي واجتماعي قبل قيام الثورة بأربعة عشر عامًا، وغيره من الأفلام البارزة التي تمثل بصمة في تاريخ السينما المصرية رغم الانتقادات التي نالت صانعي هذه الأفلام، لتكون ذكرى خالدة في وجدان الشعب راسخة في تراث السينما المصرية تترك بصمة وتحمل معاني الانتماء والوفاء للأرض والكرامة للأجيال المقبلة وشاهدة على عصر نذكر أحداثه من خلال تلك الأعمال.

كان لكتّاب السينما وصناعها دور في التأثير في مجرى الأحداث، هذا نلاحظه مع فيلم «لاشين» عام 1938 ذلك الفيلم المصري الوحيد الذي تنبأ صراحة بثورة يوليو، قبل قيامها بأربعة عشر عاما، فربط بشجاعة بين الفساد السياسي والخيانة والانهيار الاقتصادي وينتهي بتحقيق إرادة الجماهير في تولي كرسي البلاد قائد محبوب من الشعب وقتل السلطان، لذلك اعترضت على هذا الفيلم الأسرة الملكية، لكن صدر قرار حينها بعرضه وشارك فيه حسن عزت ونادية ناجي وحسين رياض وحسن البارودي. وتدور أحداثه حول لاشين وهو وزير السلطان الذي يثور على مولاه ويسقطه عن عرشه ثم يقتله. 

وظهرت بعده الأفلام الوطنية التي بدأت بفيلم «مصطفى كامل» الذي أنتج قبل الثورة ولم يعرض إلا بعد قيامها، ثم توالت الأفلام بعد ذلك ومنها فيلم «الله معنا» للمخرج أحمد بدرخان ومنعته الرقابة عام 1952 عقب قيام الثورة مباشرة حتى صرح بعرضه الرئيس جمال عبدالناصر عام 1955. 

بالإضافة لفيلم «رد قلبي» الذي أخرجه عز الدين ذو الفقار وكتب قصته يوسف السباعي، وكان يناقش الصراع الطبقي من خلال قصة الحب التي تربط بين ابن الجنايني وبنت الأمير، وعندما يفكر في الزواج منها بعدما يصبح ضابط جيش يفاجأ برفض والدها الذي يتمسك بالفوارق الطبقية ولكن كل هذه الفوارق تنهار عندما تنفجر الثورة وتسقط كل هذه المعايير، وكذلك فيلم «في بيتنا رجل» الذي يعد أحد الأفلام المعبرة عن الثورة في تاريخ السينما المصرية والذي تناول الكفاح المسلح ضد الاستعمار في فترة ما قبل الثورة من خلال شخصية إبراهيم حمدي الذي يقوم باغتيال الوزير الخائن المتعاون مع الاستعمار ويلجأ لأسرة أحد أصدقائه، ليغير من حياتهم ويخرج في النهاية لينهي حياته بعملية فدائية جديدة. 

وفي السياق نفسه كان المخرج صلاح أبو سيف يعد واحدا من الجيل الذي واكب الثورة، وكان لذلك دور في توجهاته الفكرية حيث يؤمن بأهمية قيام الثورة وجسد ذلك من خلال أفلامه منها فيلم «بداية ونهاية» عام 1960 عن رواية الأديب العالمي نجيب محفوظ والذي رصد خلاله تفاعلات العلاقات الاجتماعية في ذلك الوقت أي ما قبل الثورة وعلاقة الإنسان الفقير بمجتمعه ودوره المهمش كسائر الطبقات الفقيرة في العهد الملكي، وفيلم «القاهرة 30» وشخصية محجوب عبدالدايم الانتهازي الذي يلتحق بالعمل بمكتب وكيل الوزارة وزواجه من فتاة فقيرة يقدمها للباشا ليحصل بالمقابل على منصب أعلى كما شهدت فترة الستينيات مجموعة من الأفلام التي تمجد الثورة ورجالها حيث قامت الدولة حينها بتمويلها والتي كان منها فيلم «بورسعيد» و«سجين أبو زعبل»، و«حب من نار»، و«السمان والخريف»، و«لا تطفئ الشمس»، والتي تناولت علاقة أفراد الشعب بالثورة.

اتجاه مغاير

وبعد قيام الثورة بعدة سنوات قدمت مجموعة من الأفلام التي تنتقد الثورة من أبرزها فيلم «شيء من الخوف» للمخرج حسين كمال، وقام ببطولته محمود مرسي وشادية ويحيي شاهين، ورفضت الرقابة عرضه، لأنها اعتبرت أن شخصية عتريس يرمز بها الفيلم لرئيس الثورة جمال عبدالناصر، وعندما شاهد الرئيس الراحل الفيلم صرح بعرضه، الأمر نفسه حدث مع فيلم «المتمردون» للمخرج توفيق صالح والذي انتقد قيادات الثورة بشدة واتهامها بالاستبداد والتخلي عن الشعب الذي ساندها ودعمها وبرغم ذلك صرح عبدالناصر بعرض الفيلم. 

وبوفاة الرئيس جمال عبدالناصر بدأت السينما المصرية في فترة السبعينيات تتغير ملامحها، فانطلقت موجة من الأفلام تنتقد الثورة وتبرز سلبياتها في اتجاه مغاير عما كانت عليه فكان من أهم وأبرز هذه الأفلام وأقساها فيلم «الكرنك» الذي انتج عام 1975 وأثار جدلاً وانتقادات شديدة والذي شاركت فيه السندريللا سعاد حسني ونور الشريف ومحمد صبحي وكمال الشناوي عن رواية الأديب نجيب محفوظ وسيناريو ممدوح الليثي وإخراج علي بدرخان. وأحدث الفيلم ضجة كبيرة عند عرضه، حيث اعتبر أنه من ضمن الحملة الموجهة والمنظمة ضد عبدالناصر بعد وفاته وأنه انقلاب على الثورة وأهميتها، خاصة أنه تناول جانبًا واحدًا من هذه الفترة وهي مراكز القوى مجسدا برئيس المخابرات كمال صفوان ورجاله المتخصصين لتعذيب مجموعة من الطلبة تم اعتقالهم واتهامهم بالانتماء للتنظيم الشيوعي فيتعرضون للتعذيب الشديد للاعتراف على أنفسهم بما يريده رئيس المخابرات فيموت أحدهم بسبب التعذيب، وينهار آخر ليعترف على نفسه بما هو ليس حقيقة بينما تتعرض حبيبته للاغتصاب أمام عينه في مشهد لا ينسى في تاريخ السينما المصرية.

وفي هذا الخصوص كان فيلم «احنا بتوع الأتوبيس» عام 1979 قصة جلال الحمامصي وإخراج حسين كمال والذي تدور أحداثه حول فايز ومرزوق اللذين يستقلان الأتوبيس وتحدث مشاجرة بينهما مع المحصل ويذهبون جميعا للسجن ويتم الإفراج عن المحصل بينما تم حجزهما بتهمة التآمر ضد نظام الحكم ويتعرضان للتعذيب الشديد وتقوم حرب 67 ويتمرد المعتقلون في السجن لينتهي الفيلم بقتل «مرزوق» وكان من أكثر الأفلام التي رصدت انتهاكات حقوق الإنسان في عهد الثورة. 

وفي الإطار العاطفي الاجتماعي كان فيلم «حافية على جسر الذهب» عام 1977, قصة إبراهيم الورداني وسيناريو وحوار عبدالحي أديب وإخراج عاطف سالم، والذي يعد من كلاسيكيات السينما المصرية حيث أبدع الفنان عادل أدهم في دور «عزيز» صاحب النفوذ والذي يتحكم في مصير الناس تحقيقا لرغباته المريضة، أما عن أجرأ الأفلام التي رصدت الأحوال السائدة فكان فيلم «ثرثرة فوق النيل» عام 1971 عن رواية الأديب نجيب محفوظ، سيناريو وحوار ممدوح الليثي، وإخراج حسين كمال، بطولة يوسف شعبان وماجدة الخطيب وميرفت أمين وسهير رمزي وعماد حمدي والذي تناولت أحداثه مجموعة من الأنماط الاجتماعية المختلفة منهم الموظف والصحفي والمحامي والطالب. 

وكذلك فيلم «المذنبون» 1976 لنجيب محفوظ وإخراج عيد مرزوق، والذي رصد الفساد والانحراف في المجتمع المصري آنذاك من خلال «ثناء» التي جسدت شخصيتها سهير رمزي الممثلة بعلاقاتها المتعددة مع رئيس مجلس الإدارة والمدرس والطبيب وغيرهم لتستغل كل واحد فيهم في تخصصه وينتهي الفيلم بموتها على يد خطيبها، ويجتمع المذنبون خلف أسوار السجن. 

وسادت في السينما المصرية أيضا موجة من أفلام المقاولات التي كانت انعكاسا لتراجع القيم في هذه الفترة واختلال الموازين في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المصرية، فغلبت المصالح الشخصية على سير الأمور وعم الفساد في المجتمع؛ لكن هناك مخرجون حافظوا على تقديم مستوى من الأفلام الجيدة والتي تعكس قيمة فنية وفكرية من بينهم المخرج عاطف الطيب ومحمد خان وخيري بشارة ورأفت الميهي وغيرهم، فقدم عاطف الطيب «البريء» عام 1986 الذي رصد من خلاله قضية حقوق الإنسان وأبدع فيه أحمد زكي في تقديم دور الجندي الطيب الساذج الذي يتم تجنيده في السجن الحربي ويؤمن من خلال قائده أن المعتقلين هم أعداء الوطن حيث أثار جدلاً وانتقادا شديدا وظل فترة طويلة ممنوعا من العرض على التليفزيون المصري. 

نجوم وأبطال

وبالنسبة إلى أبطال الثورة في تاريخ السينما المصرية والذين كانوا نجوما على الشاشة الفضية فكان أبرزهم شكري سرحان وفريد شوقي وأحمد مظهر الذي كان ضابطا في سلاح الفرسان والبرنس في «رد قلبي» و«الأيدي الناعمة» إلا أنه لعب دور قائد المجموعة الفدائية في فيلم «جميلة بوحريد»، ورشدي أباظة ومحمود المليجي في «شروق وغروب» الذي يرمز اسمه لغروب العهد الملكي ومجيء الشروق على يد الثورة والتخلص من عصر الباشوات، كما قدم استغلال رموز العهد الملكي لنفوذهم على مكاسبهم الخاصة والتخلص من أعدائهم في حين يقدم المبادئ والأخلاق التي يتمتع بها أعضاء التنظيم الثوري، وكذلك سعاد حسني ونور الشريف في فيلم «الكرنك» وماجدة الخطيب ويوسف شعبان وسهير رمزي وعادل أدهم وغيرهم من النجوم الذين أضاءوا في سماء الثورة ومازالت أعمالهم المتميزة الرائعة خالدة في ذاكرة السينما المصرية وتاريخها العريق وفي أعماق القلوب ومحبي الوطن.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news