العدد : ١٦٢١٧ - الأربعاء ١٧ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢١٧ - الأربعاء ١٧ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤٤هـ

الاسلامي

الشيخ محمد الراوي الداعية المُذكر بالقرآن

بقلم: عبدالرحمن هاشم

الجمعة ٢١ يوليو ٢٠١٧ - 11:28

إن رحيل الشيخ محمد الراوي ـ بالنسبة إلي، وأعتقد أنه بالنسبة إلى كثير من المصريين والعرب ـ نوع من النزع، يشعر فيه كل منا أن هناك علمًا وحكمة، نحن في أشد الحاجة إليها، قد رفعت ورحلت برحيله.

قَالَ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إذا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) رواه البخاري.

وبرحيله وغيابه افتقدنا صوته المميز، وطلته البهية، ونور القرآن المنعكس على وجهه، والمشع من عينيه.

كان لا يجد نفسه إلا مع القرآن تلاوة وتدبرًا وتفسيرًا، وانعكس ذلك على مؤلفاته فحملت عناوين: (كلمة الحق في القرآن الكريم – موردها ودلالتها (مجلدان) طبع أكثر من مرة، حديث القرآن عن القرآن، القرآن الكريم والحضارة المعاصرة، القرآن والإنسان، الرسول في القرآن الكريم، كان خلقه القرآن، المرأة في القرآن الكريم).

ابتُعِثَ من قبل الأزهر الشريف إلى نيجيريا لتدريس اللغة العربية وعلوم القرآن، وفي نيجيريا ألقى المحاضرات العامة في بيان هداية القرآن الكريم ومقاصده لمدة خمس سنوات.

طلبته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض وانتقل إليها بداية من العام الدراسي 1390هـ / 1391هـ واستمر بها مدة تزيد على خمس وعشرين سنة.

وتعددت وتنوعت محاضراته في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، لكنه بدأ أول محاضرة عامة في قاعة كلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود، وكان موضوع المحاضرة: «الإسلام في نيجيريا»، وقد طُلب ذلك منه بحكم إقامته فيها وقدومه إلى الجامعة منها. وكان لها أثرها وتأثيرها وبخاصة حين ختم المحاضرة بقوله: لقد كنت اسمع صوت الإنجيل يدوي من وسائل الإعلام في إفريقيا. فهل من غيور على الإسلام يسمع الناس جميعا صوت القرآن؟ 

وما هي إلا أيام قلائل حتى رأى أثر كلمته، فقد سمعها الملك فيصل، وأمر على الفور بإنشاء إذاعة القرآن الكريم التي امتد نفعها في كل مكان. ولم تنقطع صلته بها وأحاديثه فيها مدة إقامته الطويلة في السعودية.

ألم أقل لك، إنه كان يدور مع القرآن حيث دار؟

ومن محاضراته التي سجلت واحتفظ بها كثير من طلاب العلم، ونشروها على الإنترنت:

* وحدة المسلمين في مواجهة الأخطار – سبيلها وغايتها.

* القرآن الكريم بين الدراسة والتطبيق.

* مكانة الأمة الإسلامية في تحقيق السلام العالمي.

* المسلمون بين ثبات القرآن ووثبات المدنية.

* قضية السلام في ميزان الإسلام.

وقد نال شرف الاشتراك في التوعية الإسلامية في الحج لمدة خمسة عشر عاما لنشر التوعية بين حجاج المسلمين بإشراف رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية مع صفوة من علماء المملكة وعلى رأسهم الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله.

واستضافته البرامج الدينية لسنوات طويلة في إذاعة وتلفزيون مصر والمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي وغيرها.

عمل مقدمة للمصحف الوثائقي الذي جمعته إذاعة القرآن الكريم بالقاهرة، فجمع بين القراء القدامى ووصل بينهم في مصحف متكامل بلا انقطاع، وقد طُلب منه عمل مقدمة لما يتلى في كل صباح في إذاعة القرآن الكريم، وأكمل بفضل الله تسجيل 392 حلقة تذاع يوميا قبل تلاوة القرآن في الإذاعة المصرية. 

ألم أقل لك، إنه كان يدور مع القرآن حيث دار؟

نعم، رحل عنا بجسده، لكن علمه لم يرحل، فهو باق يهتدي به من أراد الله هدايته، فيقي نفسه من غضب الله، ويزيد الله في حسنات شيخنا الراوي حتى وهو في قبره وذلك إلى قيام الساعة.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا)، وهكذا حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) أخرجهما مسلم في صحيحه. 

ونظرة سريعة في سيرة حياة شيخنا محمد الراوي رحمه الله تطلعنا على غناها وامتلائها بالمواقف والأعمال المشرفة التي قام بها محتسبًا الأجر عند الله وحده.

لك يا شيخنا منا السلام، وكأني بساحات الذكر وباحات العلم قد ضجّت بموتك يا مُحاول تنبيه الغافلين.

الغافلون على حالهم تائهون، ومن هول ما ارتكبوا منتكسون، وما نحن مثلك حتى نباري النجوم، وحتى نداري الخصوم، ونأخذهم في مجاراتنا، بعطف الطبيب، وما نحن مثلك حتى نحيل العداوة حبًا، والبغضاء مودة، فلك منا الدعاء والسلام.

يا محبًا للسُنّة، ويا عاشقًا للقرآن، لديك أوراقًا ومخطوطات لم تطبع، وأعتقد أن من حقها أن ترى النور، وتصافح الحياة، مثل أخواتها التي طبعت ونشرت من قبل.

لقد يسّرك الله لخدمة كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهيأ الله لك الظروف كلها، المناخ والعائلة، لصناعة داعية مُذّكر بالقرآن، قال تعالى في سورة ق: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ).

إنها الخسارة العامة في فقيدنا رحمه الله.

وما كان قيْسٌ هُلكُهُ هُلْكَ واحدٍ *** ولكنّه بنيانُ قوم تهدّما

لكن عزاءنا أن تلبي نداء ربك وأنت صائم، وأن تصعد روحك إلى بارئها صباح يوم الجمعة 7 رمضان 1438هـ الموافق 2 يونيه 2017م، وأن تصلى عليك صلاة الجنازة في الأزهر الشريف عقب صلاة الجمعة.

وهاك مني فاتحة للكتاب عليك، وسانحة للإياب إليك، راجيًا المولى أن لا يفتنّا بعدك، وألا يحرمنا أجرك، وأن يغفر لنا ولك.

وهاك عزاء المعرّي إليك:

لا تشرفنّ بدنيا عنك معرضةٍ *** فما التشرّف بالدنيا هو الشرفُ

واصرف فؤادك عنها مثلما انصرفتْ *** فكلنا عن مغانيها سننصرف

* كاتب صحفي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news