العدد : ١٤٣٦٩ - الأربعاء ٢٦ يوليو ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٦٩ - الأربعاء ٢٦ يوليو ٢٠١٧ م، الموافق ٠٣ ذو القعدة ١٤٣٨هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

Ayoobi44@yahoo.com

«داعش».. الوهم والشبح!!

طبيعي جدا، بل ومقبول أيضا، أن يثار الجدل وأن تفتح صفحات من النقاش حول السرعة الفائقة التي خرجت من خلالها ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» ومن هي الأطراف الإقليمية والدولية التي تقف وراءها وتدعمها، وما إذا كان ذلك يأتي في إطار مشروع ذي أبعاد جيوسياسية خطيرة معد مسبقا لهذه المنطقة، فوجود «داعش» بشكل عام يصب في خدمة ومصلحة أطراف كثيرة، بما فيها تلك الأطراف المعارضة المصالح والمتضاربة الأهداف، وقد خردت تصريحات كثيرة من أطراف عدة حول هذه القضية، بل إن مسؤولين في الإدارة الأمريكية الجديدة ذهبوا إلى اتهام إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بالتسبب في «خلق» «داعش» وتمددها في كل من سوريا والعراق وبلدان أخرى في المنطقة.

أيَّا تكن الأطراف التي تقف وراء هذا التنظيم الإرهابي الخطير، وتلك التي تستفيد من وجوده وتستغله لخدمة مصالحها الجيوسياسية، فالحقيقة التي لا يمكن الجدال حولها أو إنكارها، أن هذا التنظيم موجود على أرض الواقع وله بنيته السياسية والعقدية والقتالية، فهو مؤسسة حزبية متكاملة الأركان، والحقيقة الأخرى أن هذا التنظيم، ومن خلال ممارساته ومواقفه المعلنة، السياسية منها والآيديولوجية، خرج من نفس تلك الأرحام التي أنجبت المنظمات التكفيرية الأخرى مثل «القاعدة» وشقيقاتها، وبالتالي فإن أي إنكار لوجود تنظيم «داعش» أو الإيهام بشبحيته، إنما هي محاولة مستميتة للاستخفاف بعقول الناس وتعبير مبطن عن الألم بسبب الخسائر الأخيرة التي لحقت بهذا التنظيم الإرهابي في كل من العراق وسوريا.

فوجود هذا التنظيم ليس بدعة ولا خدعة سياسية كما يتصور البعض أو يحاول الترويج لذلك هربا من تقبل مرارة الخسائر الفادحة التي لحقت بهذا التنظيم التكفيري، فهناك على سبيل المثال لا الحصر تحالف دولي كبير، ومملكة البحرين تدخل ضمن هذا التحالف، هدفه التصدي للإرهاب وفي مقدمته إرهاب ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، فهذه حقيقة لا يستطيع أي عاقل أن يتصور غيرها، أما أولئك الذين لا يستطيعون تحمل وطأة الخسائر التي تلحق بهذا التنظيم الإرهابي الخطير، فتلك مشكلتهم وليست مشكلة العقول الإنسانية السوية التي لا يستطيع أصحابها رؤية غير ما هو موجود على أرض الواقع.

كان أحرى بأولئك الذين يروجون لشبحية «داعش» وتصوير وجود هذا الهيكل التنظيمي الكبير والخطير، على أنه مجرد اسم فقط للعبة سياسية قذرة يراد من خلالها تحقيق أهداف جيوسياسية لقوى إقليمية ودولية، نقول: كان أحرى بهؤلاء أن يسخروا جهودهم وعقولهم من أجل التصدي للأضرار الفادحة التي تسبب هذا التنظيم في إلحاقها بصورة الدين الإسلامي بعد أن قدم نفسه على أنه يمثل «دولة الخلافة» ونسب كل ممارساته إلى الدين الإسلامي، الأمر الذي شوه صورة الإسلام لدى غير المسلمين ورفع من وتيرة العداء للمسلمين في غير الدول الإسلامية، وخاصة الدول الأوروبية التي تعرضت هي الأخرى لأعمال إرهابية دموية تبناها التنظيم المذكور.

فهزيمة هذا التنظيم العسكرية والفكرية والآيديولوجية، كل نتائجها تصب في خدمة شعوب المنطقة والدين الإسلامي بالدرجة الأولى، وليس العكس، فهذا التنظيم تقمص تعاليم الدين الإسلامي وروج للمفاهيم الخاطئة عن هذا الدين، ولا نلوم الآخرين إن هم صدقوا دعايته ومفهومه للدين الإسلامي، وإنما اللوم يقع على أولئك الذين هربوا، وتهربوا عن القيام بواجب تعرية هذا التنظيم وأهدافه وأفعاله الشنيعة في أي مكان، وبغض النظر عن ضحاياه، ونصبوا أنفسهم مدافعين غير مباشرين عنه بترويج شبحيته والتقليل من الصورة الحقيقية المرسومة عن هذا التنظيم وعن أنشطته وقوته وانتشاره.

تعرضت بلداننا العربية والعديد من الدول الإسلامية لظهور تنظيمات متطرفة كثيرة وعديدة، تقمص الكثير منها صورة الدين الإسلامي واتخذ من تعاليمه «مرجعية» لأنشطته المختلفة، لكن هذه التنظيمات ورغم كل ما ارتكبته من جرائم بشعة دموية، فإنها لم تصل في همجيتها وقساوتها إلى الدرجة التي عليها ممارسات ما يعرف بتنظيم «داعش»، فبشاعة التمثيل بالضحايا لا يمكن لأي عقل أو قلب بشري تصورها وتحملها، والتشويه الذي ألحقه هذا التنظيم بصورة الدين الإسلامي على مستوى العالم، لم يفعله تنظيم آخر من قبل، ورغم ذلك نفاجأ بمن يقلل من حقيقة وقوف «داعش» وراء هذه الممارسات والأفعال.

فالهروب إلى الأمام واختلاق الحجج لامتصاص صدمة الضربات الموجعة التي لحقت بهذا التنظيم في الفترة الأخيرة، لا يمكن أن يحجب الحقيقة أو أن يلغي هذه الصفحات السوداء التي دونها هذا التنظيم في سجل تاريخ المنطقة وشعوبها، فالجدل لا ينصب حول حقيقة وجود «داعش» من عدمه، وإنما في نجاعة أسلوب مواجهته، وما إذا كانت هذه الهزائم الكبيرة التي تلاحق التنظيم في أهم معاقله في كل من العراق وسوريا كفيلة بوضع نهاية لهذا التنظيم، أم أن هناك طرقا وأساليب أخرى يجب اتباعها لاجتثاثه نهائيا وتخليص شعوب المنطقة والعالم من هذه الآفة الخطيرة.

يُجمع كثير من المعنيين بدراسة وقراءة هذه القضية على أن التصدي للجماعات الإرهابية المختلفة، لا يتطلب فقط إجراءات أمنية وعسكرية، رغم ضرورتها وأهميتها، وإنما الاستمرار في خوض المعارض الفكرية لتطهير التربة من بذور التطرف، حيث الإرهاب العنفي هو الابن الشرعي لهذه البذور، وما كان لتنظيم مثل «داعش» أن يولد ويترعرع وينتشر لولا وجود مثل هذه البذور في تربتنا.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

aak_news