العدد : ١٤٤٥٧ - الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٧ - الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٣٩هـ

رسائل

ماذا بعد الهزيمة المتوقعة لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»؟

الأربعاء ٢٨ يونيو ٢٠١٧ - 10:35

أربيل - من أورينت برس

في الخريف الماضي، حذر مكتب التحقيقات الفيدرالية الـ«اف بي آي» من أن خطر الموجة الحالية من المقاتلين الأجانب المشاركين في القتال في العراق وسوريا، سيكون أكبر وسيتفاقم بعد هزيمة تنظيم الدولة «داعش» وانهياره التام، وربما أشد خطورة مما شكلته عصابات المجاهدين الذين كانوا نتاج الصراع السوفييتي الأفغاني في الثمانينيات.

لا شك ان ذلك بمثابة إنذار، وخصوصًا أن المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في الصراع الأفغاني مضوا لتشكيل القاعدة، وللمشاركة في صراعات لاحقة نشبت خلال التسعينيات في البوسنة والجزائر والشيشان. 

فما إن ينتهي صراع، حتى يسعى أولئك المقاتلون للاستفادة من روابطهم للانتقال إلى مكان آخر، وللالتحاق بصراع جديد. ومن المتوقع أن تشتد هذه الظاهرة في المستقبل.

«اورينت برس» أعدت التقرير التالي:

يشير مراقبون سياسيون إلى أن عدد المقاتلين الأجانب المشاركين في حربي العراق وسوريا كبير بالمقارنة بمن شاركوا في الحرب الأفغانية في الثمانينيات. والأهم أن الجهاديين طوروا شبكاتهم، وسهلوا عمليات التواصل والسفر، ونوعوا مصادر معلوماتهم ومواردهم، لدرجة أن كوادر صغيرة من المقاتلين قد تشكل قوة خطيرة.

ظاهرة قديمة

وليست ظاهرة المقاتلين الأجانب جديدة. فقد ظهروا خلال السنوات المائتين الأخيرة في أكثر من ربع إجمالي الحروب الأهلية. ولكن هؤلاء المقاتلين المشاركين حاليًا في حركات تمرد، وحروب أهلية خارجية، بدأوا في تصدير خبراتهم ونقلها إلى أوطانهم، أو إلى مناطق هاجروا إليها أخيرا.

وفيما يقدر عدد المقاتلين الأجانب في أفغانستان خلال الصراع ضد السوفييت بما بين 5000 و20 ألف مقاتل، قدر باحثون العدد الاجمالي للمقاتلين الأجانب الحالي في العراق وسوريا بنحو 30 ألف عنصر. 

وتظهر وسائل تواصلهم الاجتماعية أنه حتى بعد زوال «خلافاتهم، فإن الآيديولوجيا الجهادية ستبقى بوصفها «خلافة افتراضية»، وستقدم لجهاديين آخرين الأمل بأن معركتهم الكبرى التالية حتمية.

ملاذات آمنة

وعند التركيز على أوجه الشبه والاختلاف بين المقاتلين الأجانب في أفغانستان وهؤلاء المنتشرين اليوم في العراق وسوريا، يبرز الباحثون أهمية السيطرة على مناطق، ومدن كبرى كالموصل والرقة، التي وفرت ملاذات آمنة لتنظيم الدولة «داعش». وبالنظر إلى الهجوم المتواصل حاليًا على معاقل تنظيم الدولة «داعش»، لا شك في أن عناصر التنظيم ومقاتليه الأجانب سيهربون للمشاركة في صراعات أخرى، والانضمام إلى جهاديين في مناطق، كاليمن وليبيا وأفغانستان.

ويشير الباحثون إلى أنه مع خسارة تنظيم الدولة «داعش» مساحات واسعة من الأراضي، بدأ بعض المقاتلين الأجانب في رفض المشاركة بالمعارك، ويحاول آخرون العودة إلى مواطنهم الأصلية. وقد اعتبر ذلك بمثابة خطر قادم، ولذا يبقى تشتيت المقاتلين الأجانب أولوية كبرى لحكومات وأجهزة استخبارات أوروبية. ويشددون على ضرورة ضمان منع مقاتلين أجانب يغادرون حاليًا العراق وسوريا من إعادة تشكيل صفوفهم في أماكن اخرى، وحرمانهم من ملاذات آمنة، والقدرة على التدرب وإنشاء شبكات مع إرهابيين ومتمردين خارجين عن القانون في مناطق غير خاضعة لسلطات حكومية. وتبقى تلك أولوية، لا للغرب فحسب، بل لدول أخرى متضررة من الإرهاب، ومنها روسيا والصين.

تقارير أخرى

تظهر تقارير أخرى أن المسؤولين الأمنيين والعسكريين للتنظيم الدولة «داعش» قد تواروا عن الأنظار، بعد بدء القوات العراقية بالتقدم نحو الموصل. وأكد مسؤول رفيع في جهاز المخابرات العراقية، نجاح أعداد من عناصر التنظيم بالهروب من الموصل نحو الحدود السورية أو صحراء الجزيرة الواقعة بين محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى. ولذلك، قد دشنت القوات العراقية عمليات تطهير واسعة في منطقة الجزيرة، تزامنًا مع عمليات تحرير الموصل. 

ومن الواضح أن تنظيم الدولة «داعش» قد خسر قواعده الشعبية في العراق، وساعدت على ذلك القرارات الصائبة لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي من منع قوات الحشد الشعبي الطائفية من الدخول إلى المناطق للتجنب من ردود فعل عكسية من المجتمع تجاه عملية القضاء على التنظيم.

كما أن التنظيم خسر موارده المالية الكثيرة، بعد طرده من المناطق النفطية العراقية والسورية ووضع قيود دولية شديدة على مصادر تمويله الأجنبية.

كما أن البيئة السياسية التي هيأت لظهور تنظيم الدولة «داعش» والصمت إزاء تمدده، قد تغيرت تمامًا، فاليوم ليس من مصلحة أحد من القوى الإقليمية الأساسية، وهي إيران وتركيا، دعم التنظيم أو مهادنته للحصول على مكاسب سياسية، بل العكس تمامًا الكل يتنافس في القضاء عليه للحصول على حصة أكبر من غنائم الحرب، وهي بسط النفوذ في مناطق ذات الموقع الاستراتيجي المهم جدًا في العراق. ومن باب المثال، فإن تركيا التي لم تحرك ساكنًا في مواجهة تنظيم الدولة «داعش» أو التضييق عليه على الأقل في فترة ظهوره وتمدده، عادت لتزج نفسها في معركة التحرير بالقوة، وهي لا تخفي نيتها الحصول على مكاسب، ولكن كل هذا لا يعني أن حقبة الحركات الجهادية قد ولت من دون رجعة. لقد أظهرت الحركات الجهادية قوتها الدينامية في التعاطي مع التطورات وإعادة إنتاج نفسها بحسب محددات وشروط كل مرحلة، فكلما تم القضاء على موجة من الحركات الجهادية، ظهرت مكانها موجة أقوى أبهرت العالم بقساوتها وقدرتها على إنتاج الفوضى بالمنطقة ونشرها عالميًا.

إذن، يأتي تحذير البعض من واقع تطورات الحركات الجهادية، والعراق النموذج الأبرز لذلك، فكانت أولاً جماعة التوحيد والجهاد، التي وجدت قاعدة لها في العراق منذ تسعينيات القرن الماضي، ثم نشطت بشكل قوي مباشرة بعد احتلال العراق في عام 2003 لغاية عام 2004. وفي شهر أكتوبر من عام 2004. قرر زعيم الجماعة مصعب الزرقاوي التحالف مع جماعات صغيرة أخرى تحت عنوان «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين» لتكون الفرع الرسمي للقاعدة آنذاك. وقد أفل نجمها بعد مقتل زعيمها الزرقاوي في 7 يونيو من عام 2006. متزامنًا مع بسط نفوذ الصحوات السنية التي قاتلت التنظيم وطردته من مناطقها.

واستمرت العناصر الموالية للفكر الجهادي في عملها تحت عنوان «دولة العراق الإسلامية» بزعامة أبو عمر البغدادي، الذي تم قتله في شهر أبريل من عام 2010. وبعده، صعد أبو بكر البغدادي، الذي طور فكرة التنظيمات الجهادية من القيام بأعمال إرهابية وفق منطق الكر والفر إلى فكرة تأسيس دولة على نمط الخلافة الإسلامية. ولقد هيأت صحاري العراق الغربية والمركزية المعروفة باسم «الجزيرة» لتوسطها بين الفرات ودجلة من شمال بغداد إلى الحدود السورية، مكانًا آمنًا لاختباء وانطلاق التنظيمات الجهادية للقيام بأعمالها الإرهابية في مختلف مدن العراق. كما أن بدء الفوضى في سوريا أتاح الفرصة لأبي بكر البغدادي بأن يطبق فكرة الدولة رسميًا ابتداء بعنوان دولة العراق والشام، ثم بعد السيطرة على ثلث الاراضي العراقية في منتصف عام 2014 باسم الدولة الإسلامية.

هناك خزين آيديولوجي وموارد بشرية مستعدة للانضمام إلى الجماعات الجهادية، مضافًا إلى بيئة الصراعات الجارية في العراق وسوريا والمنطقة عمومًا، الذي يغذي التنظيمات الجهادية في شكل مستمر ويبرر وجودها ويهيئ أرضية لنموها بعد كل نكسة تتحملها. ولذلك، عبر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في الإعلان عن سياسته في محاربة تنظيم الدولة «داعش» في شهر يوليو من عام 2015. أن محاربة التنظيم ستكون «صراع أجيال في العراق»، وذلك لأن «الآيديولوجيا لن تهزم بالسلاح، بل بتقديم أفكار بديلة عنها وسحب الثقة عنها»، كي تخسر قواعدها الاجتماعية في المنطقة.

والحال هي أن نهاية تنظيم الدولة «داعش» في العراق لا تعني القضاء على البيئة الناتجة منه، بل ستتحول إلى مجموعات أصولية صغيرة تنشط في مناطق مختلفة، وستعود إلى الواجهة مرة أخرى حين تسود الفوضى مجددًا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news