العدد : ١٤٤٥٦ - السبت ٢١ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٦ - السبت ٢١ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٣٩هـ

رسائل

فرقة «الحشاشين» في السينما الأمريكية

بقلم: علاء إبراهيم حبيب

الثلاثاء ٢٧ يونيو ٢٠١٧ - 10:06

 

لطالما ألهمت فرقة الحشاشين (ASSASSIN›S) صناع الأفلام الأمريكية على مدى عقود من الزمان، وتناولوها بعدة أشكال في أفلامهم، منها احتراف القتل والاغتيال لأهداف سياسية ودينية، وذلك من أجل تأصيل فكرة الإرهاب في الدين الإسلامي، إلا أن هذا الأمر قد تغير في الآونة الأخيرة، حيث أصبحوا يصورنها على أنها الفرقة الإسلامية صاحبة العقيدة الحقيقية!

وهذا هو السبب الرئيسي وراء اختياري هذا الموضوع ليكون محل البحث، كما أسعى أيضا إلى الوقوف على دوافع وأهداف صناع الأفلام الأمريكية من خلال تناول سيرة هذه الفرقة وإظهارها بشكل جديد. 

 

تاريخ فرقة «الحشاشين» 

من أجل فهم أكثر عمقًا لتغير دوافع صناع السينما، لا بد لنا من الوقوف على سيرة هذه الفرقة وتاريخها، فقد جاء في كتاب الباحث محمد عثمان الخشت الذي يحمل عنوان (حركة الحشاشين) أن الأصول الأولى لهذه الحركة ترجع إلى التيار الشيعي في الإسلام، وقد أسسها حسن الصباح وهو فارسي الأصل، وقد اتخذ من قلعة آلموت في فارس مركزًا لنشر دعوته وترسيخ أركان دولته.

ويختلف المؤرخون حول تحديد العام الذي ولد فيه، إلا أن أوثق المراجع التي توصل إليها الباحث محمد الخشت تشير إلى أن عام مولده هو 428هـ الموافق 1037م، وقد ولد في مدينة (قم)، وقيل أيضًا إنه ولد في بلدة (معصوم) القريبة من طهران، وقيل مولده في (مرو).. المهم أن أغلب المراجع تشير إلى مولده في إيران. ويجب الإشارة هنا إلى أن البعض يقول إنه من أصول عربية، بالرغم من أن الباحثين في التاريخ من أصحاب النظريات التحليلية يؤكدون أنه نسب إلى العرب من أجل استمالة أكثر عدد ممكن لاعتناق مذهبه.

أما فيما يخص أصل التسمية فهناك أقوال متعددة، منها:

الحشاشون لفظ مرتبط بمخدر الحشيش.. وهذا مستبعد لدينا؛ إذ إن النصوص الإسلامية المعاصرة لم تشهد بالاستعمال الفعلي للحشيش من قبل أتباع الحشاشين.

التسمية مشتقة من اللفظ الأوروبي (أساسان)، ومعناها بحسب المؤرخ الإنجليزي والمستشرق الكبير البروفيسور برنارد لويس كما جاء في كتابه الذي يحمل عنوان (الحشاشون فرقة ثورية في تاريخ الإسلام) «القاتل المأجور المحترف» الذي: «يقتل خلسة أو غدرا وغالبا ما تكون ضحيته شخصية عامة وهدفه التعصب أو الجشع». وهو القول الأرجح.

حساسان، نسبة إلى مؤسس الفرقة حسن، ولكن هذا القول ضعيف. 

 

الحشاشون في هوليوود

مما لا شك فيه أن الأمريكيين يوجهون الإدانة إلى المسلمين عمومًا بالصورة التي كونوها من خلال الأفلام ووسائل الإعلام الأمريكية، وقد استعمل صناع السينما فرقة الحشاشين على مدى عقود من الزمان ضمن خطة تشويه صورة الإسلام أمام الشعب الأمريكي والعالم.

في البداية كان تصوير هذه الفرقة يقتصر على أنها فرقة إرهابية محسوبة على المسلمين تحترف عمليات القتل والاغتيال، وقد ظهرت هكذا في أفلام عديدة، منها فيلم (prince of Persia) (أمير بلاد فارس) الذي أنتج عام 2010، وقصة الفيلم مأخوذة من لعبة فيديو تحمل الاسم والرؤيا والمعاني نفسها، ولا تقل خطورة عن الأفلام السينمائية وهي تتبع سلسلة منذ عام 2007. ولكن الأمر قد تغير بشكل جذري في الآونة الأخيرة؛ فقد أصبح صناع السينما يظهرون هذه الفرقة على أنها صاحبة العقيدة الحقيقية.

وقد جاء في آخر فيلم 2016 تناول هذه الفرقة وهو (عقيدة الحشاشين) -Assassin’s Creed وهو إنتاج أمريكي فرنسي وتوزيع شركة (تونتيث سينتشوري فوكس)، وهو مأخوذ أيضًا عن ألعاب الفيديو التي تصور بدورها الحشاشين بأنهم يسعون إلى الحفاظ على حرية الإرادة للبشر، ويحكي الفيلم قصة شخص يكتشف أنه ينحدر من سلالة الحشاشين، ويستطيع الرجوع بالزمن إلى القرن الخامس الميلادي في إسبانيا، ليدور صراع مع فرسان المعبد حول قطعة أثرية مهمة. وفرسان المعبد هم: جماعة مسيحية متطرفة، تعد من أقوى التنظيمات العسكرية السرية التي ظهرت مواكبة للحرب الصليبية.

والحقيقة هي أن جماعة الحشاشين لم تكن في صراع مع حراس المعبد، وهو الأمر الذي سيبينه البحث في المحاور الآتية فيما بعد.

وخلال بعض مشاهد الفيلم يُعرف هذا الشخص على أنه صاحب الفكر السوي. 

ولا حاجة إلى سرد تفاصيل الفيلم، فهو بمجملة يجسد رؤية هوليوود الجديدة في الطرح، التي من أجل محاولة فهم أسبابها لا بد لنا أن نقف على آمرين مهمين: 

الأول: علاقة هذه الفرقة بالحملات الصليبية.

الثاني: نفوذ اللوبي الإيراني في أمريكا.

 فقد جاء في دراسة الدكتور عثمان الخميس عن الحشاشين أنهم تمكنوا من اغتيال الخليفة العباسي المستنصر، والخليفة الراشد، لحساب الصليبيين.

كذلك أكدت المصادر التاريخية أمر تواطئهم مع الحملات الصليبية، ومحاولاتهم المتعددة لاغتيال صلاح الدين الأيوبي، وأوضحت كيف أن حاكم الموصل السلجوقي قاتلهم لمساعدة إخوانه من المسلمين في رد هجمات الصليبيين، وأكدت عدم وقوع أسرى من الغزاة في أيديهم، أو قتلى بسلاحهم.

وبحسب المصادر التاريخية فإن الحشاشين قاموا بتسليم قلعة بانياس إلى الصليبيين، وأن قائدهم إسماعيل قد لجأ إليهم ومات عندهم، وذلك اتقاء لخطر المغول القادم من الشرق.

وصحيح أن الحشاشين اغتالوا أمير مملكة القدس اللاتينية كونراد أوف منتفيرات سنة 1192م، وقد أحدثت هذه القضية أثرا عميقا لدى الأوروبيين، إلا أن هذا الأمر تغير فيما بعد، وخاصة عندما تمكن (فرسان المعبد) من فرض سيطرتهم على قلاع الحشاشين.

وبحسب المؤرخ الألماني أرنولد أوفلوبيك، وذلك كما نقل عنه برنارد لويس (مصدر سابق)، فإن لويس التاسع عشر -الذي قام بحملته الصليبية على الأراضي المقدسة سنة 1250- قد تواصل مع زعيم الحشاشين وتبادل معه الهدايا.

من جهة أخرى، فإن هذه الفرقة جسدت الشخصية المحببة لدى الغزاة على مر الأزمان، فمن خلالها يمكن اختراق المجتمعات وتمرير الأجندات. 

المهم هو أن نضع هذه الأحداث في الحسبان فيما يخص تغير تناول الطرح لسيرة الحشاشين في السينما الأمريكية، إذ إنه لا حرج من التعاطي معها على هذا النحو من قبل صناع السينما، نظرًا إلى إقدامها على خيانة المسلمين.

وحاليًا أصبحت السينما تظهر فرقة الحشاشين بأنهم:

- تصدوا للحملات الصليبية.

- عقيدتهم هي العقيدة الإسلامية الصحيحة.

- يتمتعون بمهارات قتالية وقوة لا تقهر.

وقد يتساءل البعض كيف يستعملونها لتشويه صورة المسلمين ثم يصورونها على أنها صاحبة العقيدة الحقيقية فيما بعد؟ أقول إن المصالح تتغير والرؤى تتبدل، والظروف تقتضي في كثير من الأحيان التغير في المواقف.

كذلك فإنه من الواضح أن اللوبي الإيراني في أمريكا يلعب دورًا كبيرًا في هذا التغير في الطرح، فظهور الفرقة بهذا الشكل يخدم نظام الملالي في إيران، فهم يظهرون ضد الحملات الصليبية وفي الوقت نفسه يمثلون الإسلام الحقيقي!

من جانب آخر نرى أن الدراما العربية أصبحت هي الأخرى تتناول سيرة الحشاشين برؤية هوليوود الجديدة نفسها، فمسلسل (سمرقند) وهو من إنتاج (آي سي ميديا) -بالتعاون مع شركة (فورتونا ميديا) 2016- تحدث عن آسيا الوسطى إبان حكم السلطنة السلجوقية، وقد صور هو الآخر حسن الصباح بأنه صاحب العقيدة الصحيحة!، حتى أن الوزير نظام الملك السلجوقي في مشهد من المشاهد حينما سئل عن دعاة الفاطمية قيل له (هؤلاء يدعون إلى الله)! والحقيقة أن نظام الملك كان شافعيًّا، وحارب الأفكار الهدامة في زمانه، ويرجع له الفضل في إنشاء المدارس النظامية. 

ولا بد لنا هنا من أن نقف عند هذه التساؤلات: ما سبب تناول (آي سي ميديا وفورتونا ميديا) لسيرة فرقة الحشاشين من منظور هوليوود الجديد نفسه؟ وكيف أن العملين عرضا في العام نفسه؟! وكيف أن العملين (الفيلم الأمريكي والمسلسل العربي) يعدان من الأعمال الضخمة؟ وهنا لا أقارن بالطبع من حيث الجودة والتوزيع ولكن من حيث التأثير؛ فالأول عرض في معظم دول العالم والثاني عرض في شهر رمضان. 

 

 الخلاصة والتوصيات

أرى أن اللوبي الإيراني في أمريكا استطاع التأثير على صناع السينما، حتى تمكن من صنع شخصيات فارسية مثل شخصيات (مارفل-MARVEL) الشهيرة، ومع مرور الوقت سيتطور دور هذه الشخصيات وستعلب دورًا كبيرًا في خدمة النظام الإيراني ومخططاته في المنطقة. وهنا أحب أن أنبه على أن دور الأفلام السينمائية الأمريكية في التأثير على الرأي العام العالمي لا يُستهان به، وخاصة أنها تعتبر من أهم وسائل الترفيه حول العالم، وهي تنتج بحسب دراسة نشرت للمخرج والباحث السينمائي استيفن فولوز/ Stephen Follows على موقعة الإلكتروني ما بين 600 و800 فيلم في العام، كما أن ألعاب الفيديو لا يستهان بها هي الأخرى.

من جانب آخر فإن تصوير الشخصيات الفارسية المعادية للعرب والمسلمين بهذا الشكل يولد الرعب في نفوس أطفال المسلمين، ويولد الهزيمة لديهم، وسوف يتطور هذا الأمر حينما يكبرون ويعلمون أن الشخصيات التي كانوا يلعبون بها، ويشاهدونها في أعمال سينمائية ضخمة ما هي إلا شخصيات لأعداء.

نحن نعيش في عصر أصبحت فيه السينما من أهم أسلحة الدول، ولم يعد الاعتماد على القنوات الإخبارية والوثائقية وحده مجديا، أو بث أخبار في صحف أجنبية، أو ظهور إعلانات تجارية لشركات خليجية في أفلام أمريكية، لذلك أوصي بضرورة الإسراع من أجل إنشاء قطاع للسينما، وإعداد أجيال قادرة على الدخول في صناعة السينما، ويمكن الاستفادة من دول كثيرة سبقتنا في هذا المجال، منها (بريطانيا، والصين، وكوريا الجنوبية)، كما يجب علينا خلق شخصيات عربية مسلمة في السينما العالمية والعمل معًا من أجل إنجاح هذا الأمر، ويجب أن ينشط اللوبي العربي في أمريكا ويوجد في الإعلام الأمريكي، وألا يقتصر الأمر على أن تقوم كل دولة على حدة بعمل دعاية لها كأنها تتبع أجندة خاصة بها.

ويمكن التقرب من شركات الإنتاج الأمريكية، ومن مطوري ألعاب الفيديو لإنجاح هذا الأمر، كما يجب سد الثغرات في المؤسسات العربية الإعلامية الكبرى، وخاصة الممولة خليجيًّا، والحذر من أن تستخدم لتمرير رسائل مضادة لنا.

‭{‬ باحث أكاديمي متخصص في الشأن الإيراني

com.gmail@alaa730

 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news