العدد : ١٤٥٠٧ - الاثنين ١١ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٧ - الاثنين ١١ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

بصمات نسائية

إعاقتي تاج على رأسي ومفتاح للتميز والنجاح

أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ٠٧ يونيو ٢٠١٧ - 11:01


صاحبة مشروع أول مدرب أصم عربيًّا.. مستشار الذكاءات.. مدربة التنمية البشرية.. مترجمة لغة الإشارة .. عبير سلوم لـ«أخبار الخليج»:


هي ترى أن الإعاقة لا تمثل عائقا أمام طموحاتها في الحياة، بل تصفها بأنها تاج على رأسها، ومفتاح للتميز والنجاح، فهكذا تعاملت مع مشكلة ضعف العصب السمعي لديها، والتي كانت سببا في قوة شخصيتها، ومصدرا للثقة بالنفس، وحافزا للعطاء والانطلاق.

عبير سلوم، صاحبة رحلة كفاح طويلة، مليئة بالإنجازات والنجاحات، استطاعت خلالها أن تصنع من الألم أملا، حتى أصبحت صاحبة مشروع أول مدرب أصم في العالم العربي، وأول بحرينية مدربة إعاقة سمعية، ومستشار للذكاءات، ومدربة للتنمية البشرية، ومترجمة للغة الإشارة، أما رسالتها فهي صناعة الإنسان، وتحويل المستحيل إلى واقع.

حول مشوارها الثري، الذي نسج تجربة إنسانية من طراز خاص، حاورتها «أخبار الخليج» في السطور التالية:

 

متى بدأ مشوار التحديات؟

بدأت مشوار التحديات مبكرا للغاية وتحديدا عند عمر ست سنوات تقريبا حين تم اكتشاف الإعاقة السمعية لدي، وكان أول تحد هو الأشد، وتمثل في تلك المعاملة القاسية والعنيفة التي لاقيتها من قبل زملاء المدرسة والتي مثلت بالنسبة إلي صدمة شديدة.

في رأيك هل كان من الخطأ إدماجك في مدرسة غير متخصصة؟

المشكلة كانت في حرص أمي وإصرارها على دمجي في المدارس الحكومية، حيث لم تكن هناك تلك الثقافة المتعلقة بذوي الإعاقة الموجودة اليوم، وكانت تراني طفلة عادية مثل باقي الأطفال، رغم أنني كنت أعاني من مشكلة في السمع والنطق.

كيف كانت المعاناة في المدرسة؟ 

واجهت في المدرسة مشكلة كبيرة، فقد كنت طفلة منبوذة، وأتعرض للضرب على أذني، والمعايرة من قبل زميلاتي، وكانوا ينادونني بالصمخة، حتى أنني كرهت المدرسة، ولكن أبي دعمني كثيرا، وكان له الفضل في عدم استسلامي أو انكساري.

كيف استطاع والدك إخراجك من هذه الأزمة؟

لقد سعى أبي إلى تهوين الأمر بالنسبة إلي، وكان يؤكد لي أن استخدامي للسماعة بسبب ضعف سمعي مثله تماما كمن يستخدم نظارة لضعف النظر، حتى أنني مع الوقت تقبلت الأمر وتعايشت معه لدرجة أنه أقنعني بأن أجعل من إعاقتي دافعا لإثبات وجودي وكياني ولنجاحي وتميزي في الحياة، الأمر الذي منحني الثقة في نفسي، وامتص كثيرا من آثار الصدمة، كما ركز كذلك على تنمية ميولي، واكتشف موهبة جميلة لدي.

وما هي تلك الموهبة؟

أبي فنان تشكيلي، وقد اكتشف موهبة الرسم لدي، وأثناء مشاركته في أحد المعارض الفنية، قدمني من خلال عمل فني، حيث فاجأ الجميع بموهبتي، وتم تكريمي كأصغر فنانة تشكيلية في البحرين، وكان عمري حينئذ عشر سنوات، وحتى أتذكر مقولته لي أن أسعى للتغطية على إعاقتي بتميزي، والتي تمثل لي دوما دافعا إلى الأمام.

كيف تعامل والداك مع الإعاقة عند بداية اكتشافها؟

في البداية مثلت إعاقتي صدمة شديدة بالنسبة إلى والديّ، ولكن مع الوقت تأقلما مع الوضع حتى أنهما لم يشعراني قط بأي نقص أو مشكلة، بل كانا متفهمين للغاية، رغم أنني كنت الطفل الأول لهما، وكانت أمي تتمتع بقوة وصلابة، وتتواصل دائما مع المدرسة، وتتابع حالتي، وتساعدني في الدراسة والتدريب على النطق مع مساعدة اختصاصيين في هذا المجال.

وماذا عن مشوارك الدراسي هل تأثر بالإعاقة؟

لا، بالعكس لقد كنت من المتفوقين في الدراسة، هذا فضلا عن حرصي على تنمية مواهب بداخلي، ومنها القراءة التي صنعت مني شخصية قيادية، حتى أطلق عليّ البعض جمال عبدالناصر، حيث كنت أتقمص دوره، وأدافع عن الناس وخاصة في المرحلة الثانوية، والتي قررت بعدها أن أدرس القانون، وكان هذا هو التحدي الثاني.

كيف؟

حين قررت دراسة القانون قال لي البعض «بعد محامية صامخة.. الله يعين القاضي»، الأمر الذي دفعني إلى الإصرار على إكمال المشوار بكل قوة وصلابة، وأشعرني بأن هناك طاقة شديدة بداخلي أردت تفجيرها، وبالفعل واصلت دراستي الجامعية بنجاح ثم تخرجت وعملت بوزارة التربية والتعليم، وهنا قررت تقديم خدماتي في مجال آخر جديد.

وماذا عن فريق «معا لأجلهم»؟

لقد قررت دخول مجال العمل التطوعي، وقلت لنفسي إنني يجب أن أبادر بخدمة المجتمع، وخاصة في مجال الإعاقة، فدائما ينتظر المعاق أن تقدم له خدمات المجتمع، أما أنا ففعلت العكس، وابتكرت أول مشروع تطوعي لي، حيث جمعت مجموعة من المتطوعين الأسوياء والمعاقين، وعملنا فريق (معا لأجلهم) وكان ذلك عام 2011، أثبت وجوده بجدارة، ونظم فعاليات عديدة تخدم ذوي الإعاقة في مجالات مختلفة، ورغم ذلك كنت أشعر بأنه مازال أمامي مشوار طويل من العطاء، فطرقت بابا جديدا وهو مجال التنمية البشرية.

وما هي إنجازاتك في مجال التنمية البشرية؟

حين دخلت مجال التنمية البشرية وتطوير الذات، أصبحت مصدرا لإحداث التغيير في حياة الآخرين، وكنت أول خليجية تمثل البحرين والخليج في مؤتمر للأمم المتحدة عام 2011 ببيروت، في هذا المجال، وحينئذ تذكرت مقولة الأستاذ طارق المؤيد رحمه الله لأبي حين قال له «هذه بنت البحرين وفي يوم من الأيام سوف تطالبك دولتنا بها»، والحمد لله مثلت وطني أفضل تمثيل، وكنت خير سفير له، وبعدها بعامين تلقيت خبرا من طبيبي المعالج وكاد أن يكسرني.

وما هو ذلك الخبر؟

كانت حاسة السمع لدي تضعف تدريجيا مع مرور الوقت، بسبب ضعف العصب السمعي، وعلمت من الطبيب بأنه ليس هناك علاج لحالتي وأنني يجب أن أتعايش مع مشكلتي وأتأقلم على هذه الإعاقة، وهنا جاء دور أبي من جديد، ليدخل معركة نفسية أخرى، وبالفعل انتصر، حيث قال لي إنني يجب أن أصنع من ألمي أملا في حياة جديدة، واستطاع أن يعزز ثقتي في نفسي مرة أخرى، وأنقذني من الانكسار، وتحولت دفة عطائي إلى مجال آخر منحني مزيدا من القوة والثبات.

كيف أتقنتِ لغة الشِفاه؟

بحثت عن مسارات جديدة تعينني في حياتي، فتوجهت إلى تعلم لغة الشِفاه، والتي اعتمد عليها حاليا بنسبة 75% في تواصلي مع الآخرين، وقد استعنت في ذلك بشخص سعودي، وأتقنت هذه اللغة، والتحقت بدورة للتدريب في مجال التحفيز، وبدأت في تدريب الصم على أن يصبحوا بدورهم مدربين في هذا المجال، وكان ذلك تحديا آخر واجهته بامتياز، ثم فكرت هنا في مشروع يخدم غيري من نفس ذوي الإعاقة.

وما هو ذلك المشروع؟

لقد جلست مع نفسي، وبدأت في إعداد منهج علمي سهل ومبسط يمكن استخدامه من قبل الصم، حيث وضعت روحي مكانهم، ووظفت إعاقتي لخدمة غيري من المعاقين، وبالفعل ابتكرت منهجا جديدا يستخدم في مجال التدريب، وقمت من خلاله بترجمة مواد التنمية البشرية إلى لغة الإشارة، وأصبحت حينئذ أول بحرينية صماء مدربة إعاقة سمعية، ودربت 120 شخصا حتى الآن. 

ما هو حلمك الحالي؟

الحلم الحالي الذي أسعي لتحقيقه هو إثبات وجودي، لأصبح مترجمة معتمدة من الاتحاد العربي للصم، بعد حصولي على رخصة لممارسة عملي بشكل رسمي وليس تطوعيا.

هل الإعاقة في رأيك تشكل عائقا أمام تكوين أسرة؟

أنا أمارس حياتي بشكل طبيعي، وأؤمن بأن نظرة الناس لأي شخص تنطلق من نظرته هو شخصيا لنفسه، ومعرفته لقدرها، لذلك لا أرى الإعاقة تمثل عائقا أمام تحقيق ذلك، وقد مررت بالفعل بتجربة خطوبة لكنها فشلت، وهذا لا يمنع استعدادي لخوض المحاولة من جديد. 

هل تمرين أحيانا بلحظات ضعف؟

من وقت إلى آخر أواجه بعض المضايقات التي تؤلمني أحيانا، ولكني سرعان ما ألقي بها خلف ظهري، ومنها على سبيل المثال حين قالت لي إحدى صديقاتي إنني لا بد أن أقدم بعض التنازلات كي أكوّن أسرة، وقد آلمني ذلك كثيرا، لأنني لا أشعر بأي نقص، وبأنني لست أقل من أي فتاة أخرى، ولله الحمد أتمتع بصفات تجعل مني شخصية متميزة، أما الإعاقة فهي تاج على رأسي، وحين أخلع سماعتي كل يوم، أقبلها، فلولاها لما حققت شيئا في حياتي.

ماذا تتمنين لذوي الإعاقة؟

أتمنى لذوي الإعاقة تطور أوضاعهم، ودعمهم من خلال بناء ذاتهم، فالمعاق لا بد له أن يبني نفسه من الداخل، حتى يثبت ذاته، ولذلك جل تركيزي يكون على بناء الإنسان، وأن أصنع منه أكثر إنسانية وعطاء، وإحداث التغيير في حياته وتكريس الأمل بداخله.

ما هو مشروعك القادم؟

في كل يوم يتولد بداخلي طموح جديد، ومازال لدي الكثير من الأحلام لتحقيقها، ومشروعي القادم هو إكمال دراستي العليا، كما أنني بصدد تأليف كتاب عنوانه «كلمات في الذاكرة»، وهو يتحدث عن حياتي بشكل عام، وعن أثر الكلمة في التحفيز، وفي بناء أو هدم الإنسان، ولعل كلمتي في هذا الكتاب تظل في الذاكرة، وتصبح مصدر قوة للآخرين. 

ما هي كلمتك لأي معاق؟

أقول لأي إنسان من ذوي الإعاقة، أن يؤمن بنفسه، فالأبواب الكبيرة تفتحها مفاتيح صغيرة، وعليه أن يفتح بابه نحو حياة ملؤها الأمل والعطاء، وأن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة العقل والأخلاق، وأدعوه إلى الإيمان بالمقولة التي تؤكد أنه إذا أردنا أن نزرع لعشر سنوات، فلنزرع شجرة، ولمائة عام فلنصنع إنسانا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news