العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

بصمات نسائية

أجرت أول أطروحة علمية من نوعها في العالم العربي حول رياضة ذوي الاحتياجات الخاصة.. صاحبة القلب الكبير والصبر الطويل .. د. صفاء إبراهيم العلوي لـ«أخبار الخليج»:
الإنسانية مازالت موجودة لكنها بحاجة إلى تفعيل!

أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ١٠ مايو ٢٠١٧ - 03:00



لم تكن لتقدم على إعداد هذه الأطروحة العلمية الأولى من نوعها في عالمنا العربي، والتي تتعلق باستراتيجيات الأنشطة الرياضية لذوي الاحتياجات الخاصة، إلا لأنها تؤمن وبشدة بقدرات هذه الفئة، وبمهاراتها الإبداعية الفائقة، وبما تحمله بداخلها من طاقات هائلة بحاجة إلى من يكتشفها ويرعاها.
د. صفاء إبراهيم العلوي، حاصلة على دكتوراه بعنوان «استراتيجية إدارية تربوية مقترحة لتطوير البرامج الرياضية للطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة، فئة الدمج في مملكة البحرين، في ضوء إدارة الجودة الشاملة» بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، امرأة تتمتع بقلب كبير، وبصبر طويل، جعلاها تتعلق بتلك الفئة من البشر تعلقا شديدا، لدرجة جعلتها تربط بين أي خطوة تخطوها في مسيرتها العلمية والعملية وبين احتياجاتها المنسية في كثير من الأحيان.
ولأنها نموذج للطاقة الشبابية البحرينية المشرفة، حاورتها «أخبار الخليج» حول مشروعها العلمي الفريد، والإنساني الجميل، وذلك في السطور التالية:
حدثينا عن نشأتك؟
لقد نشأت في مدينة المحرق، والمعروف أن أهالي تلك المنطقة يتمتعون بطابع إنساني خاص، نابع من قوة الترابط الاجتماعي الذي يجمع بينهم بشدة، كما أنني كنت طفلة أتمتع بروح قيادية، وبتعلقي بالرياضة بشكل كبير وبممارستها في مختلف صورها، حتى أنني حلمت باحتراف هذا المجال في المستقبل في أي نشاط رياضي.
ما هي النقطة الفارقة في حياتك؟
حين تقدمت لامتحانات البعثات في مجال الرياضة، فوجئت اللجنة بأنني أرغب في دراسة هذا التخصص رغم معدلي العالي الذي يؤهلني لدراسة الطب والذي لم أجده يتناسب مع شخصيتي المرهفة، وتيقنوا حينئذ أنني موهوبة رياضيا، وكان من بين الممتحنين طالبة متفوقة من ذوي الاحتياجات الخاصة، تحب الرياضة بشدة، ولكن وجد الممتحنون أن نجاحها مستحيل لعدم لياقتها لهذا المجال، وكانت هذه الواقعة نقطة فارقة في حياتي.
كيف؟
صورة هذه الفتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة لم تفارقني ولامست مشاعري بشدة، حيث أشفقت عليها إلى درجة تولد معها بداخلي تعلق واهتمام شديدين بهذه الفئة، فقد حز في نفسي كثيرا عدم قبولها، فتوجهت بعدها إلى الدراسة في القاهرة، ومنذ ذلك الحين بدأت أربط بين أي خطوة علمية أو عملية في مسيرتي وبين هذه الفئة، وكان دكاترة الجامعة يستغربون من هذا الربط، ومن أن ذوي الاحتياجات الخاصة دائما في ذهني طوال الوقت، ومن نظرتي للرياضة على أنها ليست مجرد نشاط أو هواية.
وما هي نظرتك الخاصة للرياضة؟
أنا أرى أن الرياضة ليست مجرد هواية أو نشاط، بل هي مهارة علاجية لهذه الفئة ووسيلة لتحسين حالاتهم، لذلك اخترت أن يكون مشروع تخرجي حول كيفية صقل المواهب الرياضية للطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، وبعدها عملت في وزارة التربية كمعلمة تربية رياضية، وحاولت من خلال الأنشطة والفعاليات والحملات أن أقدم وسائل للقضاء على السمنة والسكري وغيرهما من الأمراض من خلال ممارسة الرياضة، حيث ربطت بين الجانب الرياضي والصحي للإنسان.
وكيف كان التجاوب؟
اكتشفت أن هذه الفئة لديها طاقات هائلة مدفونة فقط بحاجة إلى من يرعاها ويكتشفها واستغلالها بشكل جيد، وأنه يجب عدم الاستهانة بهؤلاء وبقدراتهم، وأقول ذلك من واقع تجربة شخصية.
وما هي تلك التجربة؟
لقد صادفت فتاة من ذوي الاحتياجات الخاصة في إحدى المدارس، وقد أبدت رغبتها ذات يوم في رمي الجلة لمسافة طويلة، وأكدت لي أنها قادرة على ذلك، ولكني لم أصدقها، وبعد إصرار شديد منها فوجئت بأنها استطاعت أن ترميها لمسافة 11 مترا، وهنا أدركت حجم الطاقة بداخل تلك الفئة وضرورة عدم الاستهانة بقدراتها، وبأهمية تشجيعها ودعمها، وخاصة أن الغالبية منها لا تستطيع التعبير عن نفسها في أحيان كثيرة.
وماذا عن رسالة الماجستير؟
موضوع رسالة الماجستير كان حول الإدارة التربوية، وفرعيا كانت مرتبطة بذوي الاحتياجات الخاصة، وكيفية رعايتهم في الجامعات، وتخريج أناس قادرين على التكيف مع سوق العمل، وإيجاد تخصصات علمية تناسبهم وكان ذلك عام 2006 في وقت كان الدمج لهذه الفئة مطروحا بشكل نظري وليس كما هو حادث الآن، إلى أن ابتعثت عام 2012 لإعداد الدكتوراه في المملكة الأردنية.
وكيف تم اختيار موضوع الأطروحة؟
أطروحتي تعتبر الأولى من نوعها عربيا، وهي بعنوان «استراتيجية إدارية تربوية مقترحة، لتطوير البرامج الرياضية، للطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة، فئة الدمج في مملكة البحرين، في ضوء إدارة الجودة الشاملة»، وقد اخترت جامعة تعتبر من أعرق وأصعب الجامعات العربية، وأنا فخورة بأنها كانت أول دراسة تم إيداعها بالمكتبات تختص بهذا الجانب، وقد تخرجت في يناير من هذا العام، بعد أن أتممت هذا الإنجاز الأكاديمي الذي يمثل فخرا لي ولبلدي البحرين.
ماذا كانت أهدافك من وراء هذا الإنجاز؟
هناك أهداف عديدة وراء اختياري لهذا الموضوع تحديدا، وأهمها التعرف على واقع البرامج الرياضية لذوي الاحتياجات الخاصة من فئة الدمج، وعلى التحديات والفرص المتاحة لتطوير البرامج الرياضية الخاصة بهم، ومن ثم اقتراح استراتيجية إدارية تربوية لتطوير تلك البرامج، والوقوف على درجة ملاءمتها في ضوء إدارة الجودة الشاملة.
وكيف وجدتي ذلك الواقع؟
لقد صدمت بالواقع حيث اكتشفت أن هناك فقرا في الوعي باحتياجات هذه الفئة، ومنها الأنشطة الرياضية التي تلائمها، فذوو الاحتياجات الخاصة يجب التعامل معهم بأسلوب يتفق مع طبيعتهم، ويمكن أن يتم علاجهم نفسيا وجسديا من خلال الرياضة، ومع ذلك أجزم بأنني نجحت في مهمتي بنسبة كبيرة قد تصل إلى 85% في مدارس الدمج، وخاصة من خلال تفاعل أولياء الأمور الشديد معي، وسعادتهم بالفكرة، وهنا ظهرت الحاجة إلى مشروع رياضي يحتضن هؤلاء.
وما هو المشروع؟
لقد برزت المطالبة بإنشاء نادٍ أو أكاديمية لاحتضان هؤلاء، واكتشاف مواهبهم وهذا ما أوصيت به ضمن توصياتي في الأطروحة، وهذا ما لامسته بنفسي في المجتمعات المتقدمة التي تحظى فيها هذه الفئة بالاهتمام والرعاية، وهذا ما أتمناه لهم في بلدي، وخاصة أن نسبتهم محدودة للغاية في مجتمعنا، وبالإمكان استثمار طاقاتهم.
وكيف يمكن أن يتحقق ذلك؟
أتمنى أن يكون وطني هو أول المستفيدين من هذه الأطروحة، وأن يتم وضعها بعين الاعتبار، وفي النهاية أرى أن هذه القضية ترتبط بإرادة سياسية وهذا ما أتوقعه من القيادة الرشيدة وعلى أعلى مستوى، لما لها من جهود بارزة في هذا المجال، وخاصة جلالة الملك وسمو الأميرة سبيكة، وسمو الأمير خليفة وسمو ولي العهد وسمو الأمير ناصر، فالطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة يحتاج إلى قلب كبير وصبر طويل، وهو ملول بطبعه ويفتقد الثقة في نفسه، لذلك هو يحتاج إلى رعاية خاصة وأسلوب مختلف في التعامل معه.
وما هي طبيعة هذا الأسلوب؟
يجب أن يتسم أسلوب التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة بالتشويق والتجدد والابتعاد عن الروتين، وخاصة أن البعض منهم يكون كسولا كطفل متلازمة داون على سبيل المثال، كما أن هذه الفئة يطلق عليها فئة المفاجآت، بمعنى أننا نجد منهم أحيانا تصرفات غير متوقعة، ولذلك أتمنى أن تطبق أطروحتي من منظور علمي بعيدا عن الاجتهادات الشخصية.
هل ترين أن الإنسانية غابت عن مجتمعنا؟
لا لم تغب الإنسانية في مجتمعنا، بل مازالت موجودة، فقط هي بحاجة إلى تفعيل وإلى بذل جهد كبير من الآباء في غرسها في نفوس أبنائهم، وخاصة الأم التي تعتبر اللبنة الأولى لتأصيل هذه القيمة في الجيل القادم، وهذا ما حرصت على تحقيقه مع أبنائي الثلاثة، الذين نشأوا على هذه الروح الإنسانية بشكل عام، والحمد لله يسيرون على خطى أمهم، حيث يبرز ذلك في تصرفاتهم وسلوكياتهم عند التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة.
من الداعم الأول لك خلال مسيرتك؟
زوجي هو الداعم الأول لي، فقد عانى كثيرا أثناء غيابي وتواجدي بالخارج للدراسة، كما تحمل الكثير من الضغوطات، حين كنت أمارس أمومتي في العطلات فقط، ولا يفوتني هنا أن أتوجه بالشكر والامتنان إلى والديّ اللذين وقفا إلى جواري في كل مراحل حياتي، وكان لهما الفضل الكبير فيما حققته خلال مسيرتي.
ماذا تعلمتِ منهما؟
أبي وهبني حب العلم، وحرصت على أن أسير على نهجه الأكاديمي، فقد كرس حياته لخدمة مهنة التعليم، أما والدتي فقد تعلمت منها أن أكون ربة منزل جيدة، فإلى جانب اهتمامي الشديد بعلمي وعملي، فإنهما لم يأخذاني من أسرتي، ومن مسؤولياتي تجاهها.
كيف تواجهين الأزمات؟
شخصيتي خليط من القوة والضعف فبرغم مشاعري الرهيفة، فإنني أتمتع بقوة جبارة وخاصة عند مواجهة الصعاب وهذا ما حدث بالفعل خلال مشواري الطويل سواء على الصعيد الإنساني أو العملي، وهكذا علمتني الحياة.
كيف توازنين بين مسؤولياتك المتعددة؟
أنا أؤمن بأن أي امرأة عاملة يجب أن توازن بين مسؤولياتها المتشعبة، وقد تمكنت والحمد لله من تحقيق ذلك بدرجة كبيرة، حتى أنني أجد بعض الوقت لممارسة العديد من الهوايات في مجالات الأدب والفن والموسيقى وتصميم الأزياء إلى جانب ممارسة مختلف أنواع الرياضة وفي مقدمتها ركوب الخيل الذي استمتع به كثيرا، وقد أنشأت مشروعي الخاص في مجال الأزياء منذ سنوات إلا أنني اضطررت إلى التوقف بعد سبع سنوات من بدايته، بسبب انشغالي برسالة الدكتوراه، ولكنني أنوي افتتاحه من جديد إذا سمحت لي الظروف بمشيئة الله.
ما هي الخطوة القادمة؟
كل أملي أن تلتفت الجهات الداعمة والمعنية إلى فئة ذوي الاحتياجات الخاصة وأرى أطروحتي تطبق على أرض الواقع، كما أتطلع إلى أن يحتضن مشروع المبرة الخليفية هذه الفئة، على اعتبار أنهم من أهم وأكبر المشاريع الإنسانية المطروحة على الساحة.





كلمات دالة

aak_news