العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

حتى لا يكون بسط العدل على الأرض منقوصا؟!



لم تأتِ مجالس البحرين إلى الساحة عبثا.. ومن نطق بهذه العبارة الخالدة «مجالسنا مدارسنا» فقد أصاب في إيجاز دستور وقانون ولائحة هذه المجالس في كلمتين اثنتين فقط لا ثالث لهما.
ومجلس سمو رئيس الوزراء مركز إشعاع لتصحيح الأوضاع والأحوال على الساحة البحرينية، من خلال ما يصل إلى أسماع سموه من مرتادي هذا المجلس، ومن خلال تفاعل الآراء وتمازجها، وبما تفرضه الحوارات الحرة المفتوحة بينه وبين الحاضرين.. ويبدو ذلك لنا جليًّا من خلال حرص راعي هذا المجلس على أن يسمع من الحاضرين.. ورجائه إليهم بأن يتحدثوا ويطرحوا كل ما يعن لهم، أو تجيش به صدورهم.. قائلا لهم: أنا أستفيد مما أسمعه منكم أكثر من استفادتكم مما تسمعون مني.. كما أن حجم استفادتي كبير للغاية مما أقرأه من بين سطور كتابنا الذين أعتز بهم وبعطائهم كثيرا.. ذلك لأنني أبني قراراتي على ضوء كل ما أسمعه وأقرأه.
كان لي شرف حضور مجلس صاحب السمو يوم أمس الأول.. وشعرت بأن سموه يتعمد طرح واحدة من القضايا التي تشغل بال الرأي العام على الساحة البحرينية.. ألا وهي قضية البيروقراطية العقيمة والقوانين الجامدة التي تقض مضاجع أصحاب المصلحة الحقيقية في هذه القوانين، والتي تعرقل عطاءهم المنشود في هذه الظروف العصيبة.
وقد لخَّص سموه موقفه من كل هذا في إيجاز شديد حيث قال: «إن القوانين والتشريعات لم توجد إلا لخدمة المواطنين في مختلف القطاعات، وعلى رأسها بالضرورة القطاع الاقتصادي»، ثم يواصل سموه قائلا: «يهمنا دائما أن نسمع آراء الفئة المستهدفة من أي تشريع يجري إعداده وقبل صدوره، فالهدف الأسمى من أي توجه حكومي هو المصلحة العامة».. وحتى يؤكد سموه ما يطرح وما يقول، ووضعه على طريق التنفيذ الفعلي استرسل قائلا: «إن أبواب الحكومة مفتوحة للأخذ بجميع الآراء التي تستهدف الوصول إلى الأفضل في كل مجال.. فالشراكة منهاج عمل حكومي لن تحيد عنه أبدا».
ثم يقول رئيس الوزراء: «نحن نحس بالمواطن ونتلمس احتياجاته، ولا نقبل بأي ضرر يقع عليه، فهذا الشعب المعطاء الذي يقدم مصلحة وطنه على أي أمر آخر يستحق كل البذل والعمل في سبيل تهيئة أفضل الظروف الحياتية أمامه».
كان من بين الحاضرين جمعٌ طيبٌ من رجال المال والأعمال والمطورين العقاريين، من بينهم السيد عبدالحكيم الخياط والمهندس محمد صلاح الدين وغيرهما.. ووجدتهم جميعا ينصتون بشدة إلى حديث رئيس الوزراء، وكأنه قد وضع يده على جرح غائر يشكو كثيرون منه، وخاصة في مجال التطوير العقاري.
وأنا شخصيا.. بحكم موقعي في بلاط صاحبة الجلالة.. أعلم أن هذا المجال أو هذا القطاع يشكو أهله مرَّ الشكوى، بل ويئنون كثيرا.. وكل ذلك سببه عراقيل كأداء تعترض طريقهم.. وقوانين تحبطهم وتحطم معنوياتهم.. بل «وتسد نفوسهم»، وقد ترغمهم على الانصراف والعدول عما كانوا قد عقدوا العزم عليه، من حيث الإقدام على تنفيذ مشاريع تطويرية عقارية كبيرة.. تضيف زخما كبيرا إلى رصيد المملكة العمراني والاقتصادي.. وتلزمهم بأن يتحملوا الإنفاق على مشاريع البنية التحتية أكثر مما يتطلبه الإنفاق على كامل هذه المشاريع.. والتزام إجباري بوضع تأمين ضخم للمشروع لدى البنوك ليس له ما يبرره.. إلى درجة أن البعض يردد أنهم لو حسبوا كل ما هو مطلوب منهم وما يضعونه في المشروع لخرجوا منه في النهاية صفر اليدين تلفهم خسارة بالغة.
وإنني أعلم بأن هذا التشدد هو نتيجة ما فعله بعضُ المطورين السابقين الذين تخلَّوا عن واجبهم في تكملة العقارات المتعثرة، والهروب من المسؤولية، فجلبوا كثيرًا من الخزي والعار للفيلق التجاري.. ولكن يجب ألا ننسى، بل نُذكِّر المسؤولين بأن هؤلاء كانوا قلةً من فاقدي الضمير.. وهذا لا ينطبق على كل المطورين.
لذلك كان إنصات سموه لمداخلات ذوي الشأن في هذه الحوارات غير عادي.. ومرجع هذا الإنصات من وجهة نظري هو: أن فكر سموه الذي نعرفه عنه في إدارة شؤون البلاد يقوم على مبدأ التوازن.. وأن سموه هو الذي يرفض في إباء، بل وفي عناد، تحقيق مصلحة أي طرف على حساب مصلحة طرف آخر في المعادلة الحياتية على الأرض.. ثم يبقى أن مصلحة الوطن والمواطن هي في مقدمة كل الأهداف.
ولا أخفي سرًّا أنه في خضم هذه الحوارات المهمة والصريحة التي دارت من خلال مجلس سمو رئيس الوزراء فإنني قد لاحظت أن علامات عدم الرضا كانت بادية على ملامح وجْه سموه الكريم، وهو يسمع أن المطورين العقاريين، وأصحاب الشأن والمصلحة في القانون العقاري الجديد، لم يعرض عليهم ولم يسمعوا عنه قبل صدوره، ولم يُؤخذ رأيهم فيه، أو يتم شرحه لهم حتى هذه اللحظة!
وليس هذا هو مصدر علامات عدم الرضا التي شعر بها سموه فحسب، فأنا أعلم أن من مبادئ سموه الراسخة رفض صياغة القوانين والتشريعات الجديدة بين أربعة جدران.. وأنه لا يجوز بأي حالٍ من الأحوال إغفال رأي أي طرف من الأطراف المعنية بالتشريع الجديد، أو أصحاب المصلحة الحقيقية في إصداره.. ويؤمن سموه إيمانًا عميقًا بأن التشريع الجديد هو والحكم القضائي سواء، يبطله إغفال سماع أقوال طرف واحد من أطرافه أو ذوي العلاقة به!
ولذلك -كما توقعت خلال حضوري هذا الحوار- وجَّه سموه الوزيرَ محمد المطوع -من خلال موقعه الوزاري- بأن يتابع مشروع قانون التطوير العقاري بأسرع وقت ممكن، وكل ذلك بهدف تبرئته أو تخليصه من كل التباس أو غموض يسيء إليه، وإلى الأهداف النبيلة التي تسعى إليها الحكومة، وتحقيق العدالة المطلقة بين جميع الأطراف، وأصحاب الحق والمصلحة في صدور هذا القانون.
ليس هذا فقط.. بل أبدى سموه حرصًا مشددًا على ضرورة المراعاة عند سن القوانين، وخصوصا القوانين التي تنظم العلاقة بين مؤسسات القطاع الخاص والمواطنين، بأن يؤخذ رأي جميع الأطراف، ومقارنة هذه التشريعات بنظيراتها السائدة في دول المنطقة والعالم.. بحيث تراعي مصالح جميع الأطراف.. وخاصة آراء المطورين والمستثمرين والمواطنين والمقيمين حول مشاريع القوانين العقارية كافة.
ولا يفوتنا أن نشير إلى ما طرحه ممثلو المطورين العقاريين خلال حوارات مجلس سمو رئيس الوزراء بأن هناك مشكلة «عويصة» تواجه المشتغلين بالتطوير العقاري والمتعاملين مع هذا القطاع.. ألا وهي: المشاكل الناجمة عن ظاهرة عرقلة تنفيذ أحكام المحاكم.. أي أن المحاكم تصدر أحكامها وترضي ضميرها ثم لا تتوافر الآلية الضامنة لوضع ما تصدره من أحكام موضع التنفيذ، الأمر الذي يخلق ارتباكا ماليا طاحنا يضر بجميع الأطراف.. وقد طرحت «أخبار الخليج» هذه القضية في سهرة من سهراتها بأحد المجالس الرمضانية في العام الماضي (مجلس النائب البرلماني عبدالرحمن بومجيد)، وهي القضية الشائكة التي يجب عدم التوقف عن طرحها في كل وقت وحين حتى يُكتب لها الحل الأكيد رفضًا للعدالة المنقوصة على هذه الأرض الطيبة.








إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

aak_news