العدد : ١٤٤٥٧ - الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٧ - الأحد ٢٢ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ صفر ١٤٣٩هـ

بصمات نسائية

أشكر كل رسائل الرفض التي دفعتني إلى تحقيق حلمي

أجرت الحوار: هالة كمال الدين

الأربعاء ٢٢ مارس ٢٠١٧ - 03:00



هي تؤمن بأنه لا شيء في قاموس النساء صعب أو مستحيل، فبهذا المنطق سارت في الحياة، وسعت لتحقيق حلمها على أرض الواقع، لتصبح اليوم ومن خلال مشروعها الخاص، في مصاف أشهر سيدات الأعمال البحرينيات.
الشيف فاطمة جمال داوود واحدة من أربع بحرينيات حصلن على شهادة عالمية في فن الطبخ، بذلت الكثير في سبيل خروج مشروعها الذي افتتحته مؤخرا إلى النور، وتقول إن كل البدايات الصعبة لا بد أن تنتهي بإنجازات جميلة، وأن التحديات التي واجهتها لم تثنها يوما عن المسيرة، بل صقلت موهبتها وخبرتها وزادتها ثقة في النفس.
«أخبار الخليج» حاورتها حول رحلة الطموح والكفاح والنجاح والعطاء وذلك في السطور التالية:

متي كانت بداية المشوار العملي؟
كنت الأولى لوالدين ضحّى كثيرًا من أجلي ومن أجل إخواني وأخواتي الستة، وكنت من صغري أعرف ماذا أريد، ولا أكتفي بذلك بل أسعى لتحقيقه، لذلك بدأت العمل في سن صغيرة، قد لا تخطر على بال أحد، حيث أصررت على العمل، وكنت للتو قد أنهيت الصف الخامس الابتدائي، وبحكم عمل الوالد في وزارة الإعلام حينها، عقد معي صفقة، وهي إن تفوقت في دراستي.، فسيعينني مساعدة له وقد كان، فعملت في وزارة الإعلام دواما رسميا كأصغر موظفة في تاريخها، أداوم صباحا وأغادر ظهرا، وأستلم راتبي نهاية كل شهر، وتم تدريبي على الطباعة بالآلة الكاتبة ثم الأعمال السكرتارية، واستمررت في عملي هناك أربعة أعوام، في العطل الصيفية، ولم أعلم أن عملي هناك واستلام راتبي إلا اتفاقا عقده والدي مع مسؤولي في العمل، حيث كان هو من يدفع راتبي وليس الوزارة.
ثم ماذا؟
بعد تخرجي من التوجيهية، شعرت بنفس الإصرار على العمل، وكنت في أثناء الدراسة قد حصلت على دبلوم الحاسب الآلي حيث كنت أدرسه عصرًا، فعملت رسميًّا في مجلس النواب كمنسّق إداري فور تخرجي من المدرسة، وبدأت مشواري العملي بالتزامن مع دراسة بكالوريوس علوم الحاسوب، وقد اخترت التخصص لما فيه من تحديات في تعلم لغات البرمجة وفك رموزها الذي يشبه إلى حد كبير الألغاز، وواصلت المسيرة للحصول على الشهادة الجامعية وبعدها عملت لدى احدى الشركات، وبدا لي للوهلة الأولى أنني على الطريق الصحيح لتحقيق أحلامي وطموحي، غير أن القدر كان مُخَطِطًا لي أمرًا آخر. 
هل كان حلمك في الصغر أن تكوني شيفا في المستقبل؟
في الحقيقة، لا، المطبخ لم أعتبره مستقبلاً لي قط! صحيح أحببت الطهي منذ صغري، حيث بدأ اهتمامي به بوقت مبكر جدًا، ولكن كان ذلك من منطلق مساعدة والدتي في أعمال المنزل، لكنني لم أفكر قط في أن يكون مهنة لي، حيث كنت أرى أن الطبخ مهارة واجب تعلمها بالنسبة لأي فتاة!
متى بدأ التغيير الجذري في حياتك؟!
أعتقد أن الأمومة كانت بداية تغيير جذري في حياتي، فبعد ولادة ابنتي ريم شعرت بعدم الرغبة في مواصلة العمل وكنت حينها أعمل في بتلكو، وكل ما أردته في ذلك الوقت هو البقاء في البيت للعناية بطفلتي، ولكن ترك الوظيفة في ذلك الوقت لم يكن خيارًا مطروحًا أبدًا.. ولا حتى مجرد التفكير فيه!
ومع انقضاء يومي بين ساعات العمل والعناية بابنتي، شعرت بضرورة ممارسة هواية تسعدني وتمدني بالطاقة اللازمة لكي أتمكن من مواصلة عطائي لذلك فكرت في إعادة إحياء شغفي بالطبخ كهواية فقط.
وكيف تحولت الهواية إلى مهنة؟! 
بصراحة هي التي حولت نفسها بنفسها، فالبداية كانت مع مشروع منزلي بسيط للحلويات، تطورت من خلاله مهارتي وخبرتي وشغفي، ولأني أحب أن أتقن كل أعمالي، قمت بالتسجيل في دورة تدريبية لتزيين الكعك والحلويات، وعندما تمكنت من عملي، أعلنت عن المشروع في مواقع التواصل الاجتماعي، وتحوّل تركيزي إلى المشروع الصغير، وبدأت أفكر جديًّا في تقديم استقالتي بشكل رسمي، مع أن قرار ترك الوظيفة في ذلك الوقت كان ضربًا من الجنون!
هل أثرت الأمومة في مسيرتك؟!
مع تكوّن لولوة في أحشائي، ازدادت رغبتي في التفرغ لعناية ابنتي ريم وأختها القادمة لولوة، لذا، كان إصراري هذه المرة أكبر من أن يوقفه العمل أو الوظيفة، حيث مصلحة أطفالي تأتي أولاً كما هي دائمًا وأبدًا، وكنت أفكر حينئذ في أنه من خلال المشروع المنزلي سأتمكّن من البقاء في البيت أكثر مع أطفالي، وتنظيم وقتي براحة أكبر لأتمكّن من تأمين احتياجات عائلتي المادية الضرورية من مشروعي الصغير، وخصوصًا أن الوظيفة تحدّني تمامًا عن تحقيق هذا الطموح. 
وكيف تطورت فكرة المشروع؟ 
استمر مشروع الحلويات المنزلي وبنجاح تام لمدة 4 أعوام، ولأنني بطبيعتي إنسانة طموحة، سعيت دائمًا لتطوير نفسي ومهاراتي، وبدأت أفكّر جِدّيًّا في تطوير المشروع بفكرة جديدة وتحت اسم جديد. ومع دخول ابنتي ريم المدرسة، توفّر لي وقت فراغ أكبر، وأول ما أردت عمله كان فتح مطعم صغير يقدم أطباقًا خفيفة ومبتكرة.
وكيف تحققت على أرض الواقع؟
بدأت فعلاً في إعداد دراسة متكاملة للمشروع والكلفة، غير أن قدوم ابني سلمان، أرغمني على التراجع عن فكرة المطعم، وعملاً بمبدأ ما لا يدرك كله لا يترك جله، حولت الفكرة إلى مشروع مطبخ منزلي يقوم بإعداد وجبات صحية وتوصيلها للموظفين في المكاتب ومن ثم إلى المنازل.
ماذا كان التحدي الأول؟
البداية كانت من أصعب الأوقات في حياتي، لم أكن أتوقع مدى حجم المسؤولية والعمل الذي تتطلّبه إدارة المشروع، وخصوصًا مع انعدام الخبرة، لكن برغم ذلك إلا أن الصعوبات صقلت مهارتي في المطبخ أولاً، وفي الإدارة ثانيا، ومنحتني الخبرة ونظرة أعمق لمتطلبات السوق.. وزرعت في نفسي ثقة أكبر.
كيف تم صقل موهبة فن الطبخ؟!
درست الطبخ في كلية «لي كوردن بلو» الأم في العاصمة الفرنسية باريس، وهي أول مدرسة طبخ في العالم توثق فنون الطبخ، وتدرّب الطلاب على إتقان فن الوجبات الفرنسية التقليدية، وتعتبر من أفضل المؤسسات الدولية في تقديم فنون الطهي والتدريب عليها والتأهيل للعمل في المؤسسات التي تطلب هذا النوع من الوظائف. وتأسست هذه المدرسة العريقة منذ أكثر من قرنين، ومع تطور الوقت أصبح للمدرسة العديد من الفروع، وأنا تخرجت من فرعها بلندن.
ما هو أصعب قرار؟ 
أعتبر قرار دراستي في «الكوردن بلو» أصعب وأجمل قرار اتخذته في حياتي! وتكمن صعوبته في اضطراري إلى ترك أبنائي الثلاثة، والتغرّب عنهم وعن عائلتي ولأول مرة في حياتي، وترك مشروع المطبخ أو إيقافه، ومع ذلك، أعتبر الدراسة في «الكوردن بلو» أجمل قرار في حياتي العملية لأن التخصص هو البداية الحقيقية لي كـ«شيف»، وأولى خطوات النجاح التي أتمنى أن أكون قد دخلتها، حيث تعلمت فيها الطبخ على أصوله العالمية، وفن إدارة المطاعم وإعداد قوائم الطعام، وكل ما يتعلق بالمطابخ التجارية.
ما هي أهم فنون الطبخ التي تعلمتِها في لندن؟
مدرسة «الكوردن بلو» ليست كأي مدرسة طبخ عالمية.. والدراسة فيها مختلفة تماما عن غيرها، فهي إضافة إلى أنها مدرسة طبخ عريقة، فقد تعلمت فيها جميع أسرار الطبخ على أيدي مدرسين حاصلين على «الميشلان ستار»، وهذه النجوم العالمية ليست لها علاقة بتصميم المطعم أو تجهيزاته أو خدماته أو حتى مستوى وترتيب طاولات الطعام، بل تعتمد على مبدأ مهم جدًا يهم الزبون بالدرجة الأولى وهو مبدأ «ما هو موجود في الطبق»! أي تركّز على «مطبخ المطعم» وليس «المطعم» ذاته.
وماذا عن رحلتك من الكوردن بلو إلى مطعمك؟
وأنا أسترجع تفاصيل مشواري العملي الطويل، أستطيع الآن وبكل ثقة، القول إن الكثير من الأوقات المتعبة والحرجة والتحديات الصعبة التي مررت خلالها كانت تعدّني بشكل أو بآخر لتحقيق حلمي الأكبر وهو مطعمي الخاص «لزت».
فبعد حصولي على الشهادة من «الكوردن بلو»، كواحدة من أول أربع بحرينيات يحصلن على هذه الشهادة العالمية في الطبخ، وعودتي إلى البحرين، بدأت بالبحث عن وظيفة مناسبة في مطاعم الدرجة الممتازة وفنادق الخمس نجوم، وعلى قدر الخيبة التي شعرت بها وقتها لعدم حصولي على وظيفة مناسبة لي، على قدر امتناني الآن لكل رسائل الرفض التي دفعتني دفعًا إلى بدء تحقيق حلمي لخوض مشروعي.
ما هي لمساتك الخاصة؟
لقد حرصت على أن أقدّم مزيجا مبتكرا من الأطباق المستوحاة من المطابخ العالمية، بمكونات بحرينية وعالمية، وبمذاق لذيذ وهو ما يعنيه اسم المطعم باللغة التركية.
ومن هنا، وجدت نفسي أمام خيار واحد، وطريق واحد لا عودة منه، وهو أن أبدأ عملي الخاص، وبالرغم من كل المخاوف والشكوك التي ساورتني حينها، وبرغم كل الإحباطات التي وضعها البعض أمامي، وتضخيم الصعوبات لإثنائي عن تحقيق حلمي.. فإني قررت التوكل على الله والخوض في التجربة.. برغبة النجاح.
ما الصعوبات التي تواجهِنها الآن كونك امرأة؟!
تأسيس مطعم، أي مطعم، هو بلا شك مشروع تجاري وعمل استثماري في المقام الأول، وكل استثمار يواجه صعوبات كما أن النجاح نصيب، وتتراوح الصعوبات بين كبيرة وصغيرة، سواء كانت تتعلق بإدارة الموظفين أو الحسابات أو خطط التسويق وغيرها لكنها تحديات يمر بها جميع رواد الأعمال بغض النظر عن كونهم نساء أو رجالا.
وماذا عن إدارة فريق من الطهاة في المطعم؟
الطهاة قبل أن يكونوا طهاة هم بشر، لذا، الشيء المهم أولاً هو التفاهم، فنحن جميعًا لدينا شخصيات متفردة ومستقلة، لذا نحتاج إلى اكتشاف نقاط القوة والضعف في كل فرد من الفريق، ومنها نستطيع أن نوزع المهام لكل فرد بحسب قدراته وإمكاناته، وبالتالي نقدم التدريب المناسب لكل منهم بحيث نستطيع في النهاية أن نقدم تجربة فريدة من نوعها وناجحة للزبون.
هل تعتبر وظيفة الشيف عملا شاقا؟
لكل وظيفة في العمل التجاري صعوبة، وتختلف مدى هذه الصعوبة باختلاف المهنة نفسها، والشيف بصورة عامة يعمل أوقاتًا طويلة وفي ظروف عمل صعبة، فهو يواجه حرارة الأفران وبرودة الثلاجات، والرطوبة العالية في المطابخ، ولكن من يدخل هذا المجال يجب ألا يدخله إلا بحب وولع للطبخ، وهنا سينسى الشيف كل تعبه وجهده إذا عمل فيها بشغف، حيث ستكمن سعادته في مدى إعجاب الضيوف بالطعام الذي قدمه واستمتاعهم بالنكهات.
هل تنصحين النساء بدخول هذه المهنة؟
بالطبع نعم، فلا شيء في قاموس النساء يعتبر صعبًا، ولكن قبل ولوج هذا المجال، يجب عليهن أولاً أن يَعِينَ جيدًا معنى «أن تكون المرأة شيف»، وما هي صعوبات هذه المهنة قبل دخولها، ودراستها والتفكير بمستقبلها.
ما هو طموحك القادم؟
بالنسبة إلي، أعتبر مشروع «لزت» هو الخطوة الأولى في سلّم النجاح، وليس مطمحي الأكبر، واليوم وأنا أفتتح هذا المطعم أوجّه كل تركيزي إليه وإلى نجاحه وتطويره ليكون الحلقة الأولى ضمن سلسلة استثمارات أراها قادمة بإذن الله قريبًا.
كما أنّي في الوقت ذاته، لدي العديد من الخطط والأفكار التي أنوي البدء بها في المستقبل القريب والخاصة في تدريب الشباب البحريني من الجنسين، وإعدادهم لسوق العمل في مجال المطاعم وذلك فقط لمن يمتلكون شغف المهنة.
متى يصبح الحلم مستحيلا؟
الأحلام مهما بدت مستحيلة فهي بشكل أو بآخر قابلة للتحقيق، وذلك لا يكون إلا بالدعاء الصادق والتوكل على الله سبحانه وتعالى والعمل الجاد، ولنتذكر أن كل البدايات الصعبة والمرهقة لا بد أن تنتهي بإنجاز جميل. وعن نفسي، فأنا ممتنة لله سبحانه وتعالى على توفيقه وتيسيره لأموري مهما بدت صعبة ومستحيلة في حينها، فضلا عن حب وتشجيع كل من حولي، وأخص منهم أولاً والدي قدوتي الأولى في النجاح، ووالدتي التي ورثتني شغف الطبخ وحبه.



كلمات دالة

aak_news