العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٥٠٨ - الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

ما أحوجنا إلى الحب والرحمة والإنسانية



يقول المفكر العربي الشهير جبران خليل جبران: «أنت أخي وأنا أحبّك.. أحبّك ساجدًا في جامعك، وراكعًا في هيكلك، ومصلّيًا في كنيستك، فأنت وأنا أبناء دين واحد هو الروح، وزعماء فروع هذا الدين أصابع ملتقية في يد الألوهية المشيرة إلى كمال النفس».
هذه المقولة قمة في الإنسانية والروحانية، لكن السؤال هو: هل نمارس ما جاء بها في الواقع في عالمنا هذا؟
إن الحياة لا تتعلق بأنفسنا واكتشاف ذاتنا فقط. الحياة تتعلق أيضا بمدى قدرتنا على معرفة الآخرين وتفهم أحوالهم وأوضاعهم، وأفكارهم، وقيمهم، وآمالهم وأحلامهم.
الحقيقة أن أكثر مهمة مقدسة في الحياة هي أن نحب الآخرين وأن يحبنا الآخرون.
نواجه جميعا صعوبات ومحنًا في الحياة. لكن المهم هو رد فعلنا وكيف نتعامل معها، ذلك أن رد فعلنا وتعاملنا الحكيم من شأنه أن يخفف من وطأة المحن والصعوبات، ويضع الأمور في سياقها الصحيح نحو الأفضل.
لهذا، كن حكيما، فهذه اللحظات التي نتحلى فيها بالحكمة هي التي تجعل لحياتنا معنى. إننا نادرا ما نتذكر الأيام، أو الأسابيع، أو السنوات الماضية.. نحن نتذكر فقط لحظات نمر بها يمكن أن تقوينا أو تضعفنا، وتسعدنا أو تحزننا. يجب أن تفهم أنك إذا كنت تعيسا غير سعيد، فلا يمكنك أن تجعل أي إنسان آخر سعيدا.
البطل الحقيقي في الحياة هو الذي لا يتردد في تحويل تعاسة الآخرين إلى سعادة، وأحزانهم إلى أفراح؛ لأن هذا هو جوهر الطبيعة البشرية. لقد وهبنا الله نعمة الحياة. ونحن الذين بيدنا نعمة الفرح والسعادة، ليس فقط لأنفسنا، ولكن لكل من يحيطون بنا، ذلك أن سعادتهم تزيدنا سعادة.
إننا نعيش في عالم في منتهى القسوة والوحشية. وفي عالم كهذا، علينا أن نكون أكثر رحمة وإنسانية مع أنفسنا ومع الآخرين. عليك أن تفكر هنا في بلايين البشر الآخرين مثلك. لو أن كل هؤلاء غيروا مواقفهم، وتبنوا مواقف جديدة أكثر إنسانية، سوف يزدهر عالمنا ويكون أفضل بكثير من العالم الذي نعيشه الآن.
الأمس أصبح تاريخا، والغد مجهول علمه عند الله. ولهذا، دعونا نفكر في كل يوم نعيشه، وأن نزرع بذور الرحمة والحب والإنسانية. لو فعلنا هذا، فسوف تتحول هذه البذور إلى نعمة من الثمار اليانعة، من الإنسان، وبالإنسان، إلى الإنسان.
كل إنسان على وجه الأرض واجه بالضرورة محنًا، وعاش أياما وليالي سوداء في أوقات من حياته. لكن الذين مروا بأقسى المحن وعرفوا الأسى والحزن العميق هم أكثر الناس قدرة على فهم معنى السعادة وقيمتها في الحياة. وعلينا أن نتذكر دوما أنه إذا كان هذا العالم عالما ظالما قاسيا في بعض الأحيان، فإن هناك كثيرا من الأشياء الجيدة والجميلة التي تستحق أن نناضل من أجلها.
المهاتما غاندي قال يوما: «إن القوة لا تأتي من القدرة الجسدية، ولكن من الإرادة الصلبة التي لا تُقهر. إرادة الإنسان هي أعظم مصدر لسعادته». والإرادة نحن قادرون على امتلاكها.
نحن نتعلم كثيرا من الذين سبقونا من الفلاسفة والحكماء، حتى لو كانوا مختلفين عنا في العقيدة أو العرق أو الجنس. هؤلاء ينيرون بحكمتهم درب البشرية.
وأقتبس هنا من إيلي ويسيل الذي قال: «إن نقيض الحب ليس الكراهية، وإنما اللامبالاة، ونقيض الجمال ليس القبح، وإنما اللامبالاة، ونقيض الإيمان ليس الإلحاد وإنما اللامبالاة».
حين نتأمل هذا الذي قاله، سندرك أن أفضل ما يمكن أن نفعله هو أن نتخلى عن اللامبالاة وعدم الاكتراث؛ أي أن أفضل ما يمكن أن نقدمه لبعضنا البعض هو الاهتمام والرعاية والالتزام. ويمكننا أن نطبق هذا في حياتنا العملية إذا أعددنا أنفسنا عقليا ونفسيا لفهم وتفهم الآخرين.
وعلى الرغم من أننا نعيش اليوم في عالم بلغ حدا مذهلا من التقدم العلمي فإننا مازلنا نفتقد المبادئ الأساسية للقيم الإنسانية.
إننا نسمع، لكننا لا ننصت، ونرى لكن لا نفهم ولا نعي؛ ذلك أن الأغلبية الساحقة منا غارقة في الأنانية والمادية.
السبب في ذلك واضح ومعروف، وهو أنه على الرغم من كل ما حققناه من إنجازات أكاديمية ومعرفية فإن نور الهداية والإرشاد خفت في روحنا ووعينا.
إننا في أمسِّ الحاجة اليوم إلى العودة إلى تعاليم الله التي نقلها إلينا عيسى بن مريم عليه السلام.
لقد جاء عيسى بن مريم بتعاليم مقدسة ليشرح لنا أخطاءنا وخطايانا. جاء ليهز ضمير البشرية، وليرشدنا إلى الطريق القويم، وليغسل قلوبنا من البؤس والظلم، وليبشر بمشاعر ومواقف إنسانية، وبعبارات نبيلة لم يسمعها الإنسان من قبل.. «على الأرض السلام، وللناس المسرة».
هذه الكلمات يجب أن نقرأها ونستوعبها، ليس من منظور عقلي أو ثقافي فقط, ولكن أساسا من منظور إنساني.
يجب أن نقرأها ونستوعبها بمشاعر إنسانية نقية بعيدا عن الكراهية والأنانية والتعصب.. بمشاعر ومواقف جوهرها الإيمان بأنه بغضِّ النظر عن الجنس أو الدين أو اللون أو العرق فإننا جميعا إخوة وأخوات، خلقنا الله سبحانه وتعالى كي نتعارف ونتعاون، ونشد أزر بعضنا البعض.. كلنا أبناء أب واحد وأم واحدة.
إن تعاليم المسيح سوف تزدهر إذا تبنيناها وطبقناها في حياتنا العملية بما تتضمنه من إرشادات روحية.
وأخيرا، فإنني في ذكرى ميلاد المسيح عليه السلام، أتمنى من كل قلبي لكل إخوتنا وأخواتنا المسيحيين عيد ميلاد سعيدا، كما أتمنى عاما جديدا سعيدا للبشرية كلها.








إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

aak_news