العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

رسائل

القمة الخليجية بالبحرين.. علامة فارقة في مسيرة العمل الخليجي المشترك
القمة نقطة مضيئة في مسيرة التعاون الخليجي وتأتي في وقت يموج بالصراعات في المنطقة

مركز الدراسات الإستراتيجية

السبت ٢٤ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



عقدت القمة الخليجية الـ37، بالمنامة وسط ظروف وتحديات إقليمية ودولية بالغة الدقة، حيث إنها تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة صراعات عدة، بدءا من الأوضاع المأساوية في سوريا واليمن، والتي تشهد حربا مستمرة منذ 21 شهرا، والاضطرابات بالعراق، بالإضافة إلى التدخلات الإيرانية، ومواصلة استهداف أمن واستقرار المنطقة العربية، فضلا عن التحالف بين إيران وروسيا لتحويل الإرهاب إلى حرب طائفية، ما جعل هناك يقين بأن هناك استهدافا واضحا لدول مجلس التعاون الخليجي، وللأمن الإقليمي الخليجي والعربي، وخاصة ان العديد من الملفات المتعلقة بالأمن الخليجي مازالت عالقة من دون حل، والعديد من الملفات الدولية كملف الإرهاب لا يزال في حاجة الى تكاتف الجهود لوأد هذا الخطر، عزز من ذلك وجود العديد من التحديات الاقتصادية، التي تواجه دول الخليج، والتي تكمن في اعتمادها على الثروة النفطية، وهي ثروة آيلة إلى النضوب وغير متجددة، وخاصة بعد انخفاض أسعار النفط، وهو ما جعل هناك حاجة ملحة أمام هذه الدول لأن تعيد النظر في مصادر دخلها، وتعمد إلى تنويعها، والبدء في تنمية اقتصادية تحفظ بقاء شعوب المنطقة في حالة تقدم.
لذلك تمثل هذه القمة علامة فارقة في مسيرة العمل الخليجي المشترك، إذ تأتى خصوصيتها وأهميتها الاستثنائية أمام تاريخ القمم السابقة، نتيجة للآتي:
} «قانون جاستا»: يواجه الخليج العربي ابتزازا جديدا من الولايات المتحدة، يتمثل في صدور «قانون جاستا»، الذي يجرم الدول الخليجية، ويصورها كدول راعية للإرهاب، ما يشير إلى أن الدول الخليجية ستطولها موجة مواجهة الإرهاب، لتكون آخر الدول المتبقية في الشرق الأوسط التي لم تجرمها واشنطن.
} الاتحاد الخليجي: فزيادة المطالب الشعبية من قبل النخب الفكرية ومؤسسات المجتمع المدني، تجعل الموضوع مطروحا على طاولة النقاش، في محاولة خليجية لمواجهة الأخطار والتهديدات المحدقة بالخليج العربي في المرحلة الراهنة.
} السياسة الخارجية الأمريكية ووصول «ترامب» الى سدة الحكم: وهو الذي يؤكد بوضوح انتهاء زمن المظلة الدفاعية الأمريكية في الخليج العربي، وأن الخليج لا بد أن يحقق لنفسه الضمانات الدفاعية الكافية ذاتيا.
} التهديدات الأمنية في المحيط الإقليمي: إذ تحيط بالخليج العربي جملة من التهديدات والتحديات الأمنية، الممثلة في الأزمتين السورية واليمنية، والأوضاع العراقية المضطربة؛ وهو ما يتطلب ضرورة اتخاذ إجراءات صارمة للحد من تبعات هذه المخاطر.
وكان هناك قبل انعقاد القمة حراك خليجي موجه لتعزيز التعاون فيما بين الدول الخليجية، ويستدل على ذلك من جولة الملك «سلمان»، والتي سبقها بأسبوعين عقد الاجتماع الأول لـ«هيئة الشؤون الاقتصادية والتنمية» لدول مجلس التعاون بالرياض، والذي خلص إلى اتخاذ جميع القرارات والخطوات التنفيذية التي من شأنها الارتقاء بالعمل الاقتصادي الخليجي المشترك.
وشهدت القمة حضورًا بريطانيًّا، فقد وصلت رئيسة الوزراء البريطانية، تريزا ماي، إلى العاصمة البحرينية المنامة للمشاركة في قمة مجلس التعاون، لتكون أول رئيسة وزراء وأول سياسية بريطانية تحضر قمة مجلس التعاون الخليجي.
ولعل مشاركة شخصيات دولية كرئيسة وزراء بريطانيا في هذه القمة، تثبت أن منظومة مجلس التعاون قد أصبحت من الأهمية بمكان للدول الأخرى، وخاصة من النواحي الاقتصادية لدرجة الاعتراف بمكانتها المتميزة ضمن المنظمات الدولية ذات الأهمية، كما تدل هذه المشاركة أيضا على إدراك بريطانيا أهمية منطقة الخليج الاقتصادية، والتعاون معها، وخاصة بعد الاستفتاء بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
لذا أعلنت ماي، قبل وصولها، في بيان، أنها تريد فتح فصل جديد من التعاون مع دول الخليج في مرحلة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما أشارت خصوصًا إلى إمكانية تعزيز التعاون في منع الهجمات الإرهابية، أو في مجال الاستثمارات الخليجية في المدن البريطانية.
وبناء على ما سبق ركزت القمة على نقطتين رئيسيتين، الأمن والاستقرار في الخليج، والدفاع المشترك بين دوله، وركزت من ناحية أخرى على التحديات الاقتصادية، التي تواجه هذه الدول في ظل الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية، وانخفاض سعر برميل النفط في العالم.
في هذا الإطار أكد جلالة الملك في كلمته الافتتاحية للقمة على أن دول الخليج العربية تتعاون في دفع التنمية ومواجهة الإرهاب، مشيرا إلى النجاح في مكافحته، وأضاف أن تمرين أمن الخليج العربي1، الذي استضافته البحرين، يعد نقلة رائدة في التعاون الأمني بين دول مجلس التعاون الخليجي، ووصف المجلس بأنه «صرح إقليمي فاعل». وأكد رؤساء الوفود الخليجية تباعا ما ذكره جلالة الملك من ضرورة التشاور، والتنسيق المستمر بين الدول الخليجية، حيث تواجه المنطقة تحدي الإرهاب، الذي يهدد الأمن والاستقرار، سواء في اليمن أو سوريا أو ليبيا أو العراق وهكذا وما تعانيه شعوب هذه الدول من قتل وتشريد.
وعن الأوضاع الأمنية في المنطقة، أوضح عبد اللطيف الزياني، الأمين العام لمجلس التعاون، أن دول المجلس تدرك كل التحديات الأمنية، التي تواجهها «ولن تتردد في اتخاذ جميع الإجراءات التي تحفظ أمنها واستقرارها، والدفاع عن سيادتها واستقلالها ومصالحها»، وأكد رفض دول مجلس التعاون التدخل الأجنبي في شؤون دول المنطقة، باعتباره يتعارض مع القوانين الدولية، ويهدد أمن المنطقة واستقرارها، مضيفا أن المجتمع الدولي معنيّ بوقف تدخلات الدول في شؤون الدول الأخرى، وأن الأمم المتحدة قادرة على القيام بهذا الدور.
وأشار إلى دور دول مجلس التعاون وجهودها لمساعدة اللاجئين على تجاوز الظروف الصعبة التي يعانونها، بدليل استضافة الكويت ثلاثة مؤتمرات دولية للمانحين للشعب السوري بالتعاون مع الأمم المتحدة. وعن الوضع اليمني، فإن دول مجلس التعاون قدمت دعما ماليا كبيرا للحكومة الشرعية لمساعدتها في إيصال مساعدات الإغاثة للشعب اليمني.
واستعرضت الأمانة العامة لمجلس التعاون، في تقرير صادر بمناسبة قمة البحرين، أبرز الإنجازات التي تحققت منذ قمة الرياض في أبريل الماضي، وشملت جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والثقافية والاجتماعية والرياضية، وغيرها من المجالات التي تهدف إلى تعميق مسيرة مجلس التعاون الخيرة، وغرس مفهوم المواطنة الخليجية.
وأشار التقرير إلى إنجاز العديد من الاتفاقيات الإطارية والتعاون الفني ومفاوضات التجارة الحرة، وخطط وبرامج عمل مشتركة تهدف إلى تحقيق شراكات استراتيجية خاصة، وتطرّق إلى نتائج القمة الخليجية التي عقدت في الرياض، والتي أكّدت التزام القادة بالشراكة الأمريكية الخليجية طويلة الأمد، والاستمرار في تعزيز الروابط بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون لبناء علاقات وثيقة في المجالات كافة.
وبناء على ما سبق، فإن القمة تبعث برسالة الى العالم، في ظل هذه الأجواء، مضمونها، أن دول الخليج عازمة على استمرار دعم وتعزيز وحدة الصف، تحت مظلة سياسية، واقتصادية، واجتماعية واحدة؛ بهدف ضمان تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، وحماية مستقبل شعوبها وأمنهم؛ لذا نظر المواطن الخليجي بأمل كبير إلى اجتماعات قمة المنامة، والنتائج التي تمخضت عنها، وخاصة فيما يتعلق بحل القضايا البينية، أو تقديم المساعدات الاقتصادية، إذ وضعت قمة المنامة لبنة جديدة في البناء القائم، ورسمت الخطط والاستراتيجيات التي تعزز المكتسبات، وتضمن عبور المرحلة الانتقالية بمخاطرها وتهديداتها.
وجاء البيان الختامي للقمة، يؤكد أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن الإقليمي، مشددًا على ضرورة تكثيف التعاون؛ لتطوير المنظومة الدفاعية لدول الخليج، ومطالبة إيران بتغيير سياستها في المنطقة، وتدخلاتها في شؤون الدول الأخرى، وكذا مطالبتها بإنهاء احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث. وفيما يتعلق باليمن فتم تأكيد دعم دول الخليج لجهود المبعوث الأممي إلى اليمن، وسعي المجلس إلى عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمارها وعبر المجلس عن قلقه البالغ واستنكاره لاستهداف ميليشيا الحوثي وصالح لمكة المكرمة بصاروخ باليستي، في أكتوبر الماضي، وعدم مراعاة حرمة هذا البلد وقدسيته.
وقال البيان، إن المجلس تابع مشاورات الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، وتوجيه المجلس الأعلى لمجلس التعاون بالاستمرار في مواصلة الجهود للانتقال، وتوثيق التعاون والتكامل بين الدول الأعضاء، وتكليفه المجلس الوزاري ورئيس الهيئة المتخصصة باستكمال اتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك، ورفع ما يتم التوصل إليه إلى المجلس الأعلى في دورته القادمة، وهو ما يدلل على أنه مازالت فكرة الاتحاد الخليجي تشغل حيز الاهتمام لدى الدول الخليجية ولم يتم التغاضي عنها.
فضلا عن الحاجة إلى الاستمرار في تعميق مجالات التكامل في المجالين الاقتصادي والتنموي لدول المجلس في عدد من المجالات مثل المجلس النقدي الخليجي، سكة حديد لدول المجلس، السوق الخليجية المشتركة، الربط المائي والاستراتيجية الشاملة للمياه، تنفيذ قرارات المجلس الأعلى الخاصة بالتعليم، الخطة الخليجية للوقاية من الأمراض غير السارية.
وفي حقيقة الأمر، فإن نتائج القمة الخليجية بشكل عام تبين حاجة دول مجلس التعاون إلى «تكتل اقتصادي» قوي يحميها ويرفع من قيمة اقتصادها، ويعزز من قدرته التنافسية والتفاوضية، ويؤكد مكانة ودور دول المجلس في الاقتصاد العالمي، بحسب البيان الختامي.
كما تم إعلان الشراكة الاستراتيجية بين مجلس التعاون، والمملكة المتحدة البريطانية؛ وهو ما يعكس العلاقات التاريخية المتميزة بين الجانبين، وتحديد أطر التعاون بينهما لتعزيز علاقات أوثق في جميع المجالات.
إننا نثمن ما حققته القمة الخليجية في المنامة من نتائج بالغة الأهمية، رسمت خططا واضحة ومتقدمة، تكفل تحقيق الآمال المرجوة لدول التعاون الخليجي وشعوبها، بشكل يعزز مسيرة العمل الخليجي المشترك.
فقد أثبت قادة التعاون بحكمتهم، قدرة صرح مجلس التعاون الخليجي على مغالبة التحديات كافة، والإيفاء بما هو مطلوب من خطط وسياسات استراتيجية واضحة؛ لتحقيق تطلعات الشعوب الخليجية.








كلمات دالة

aak_news