العدد : ١٤٣٩٧ - الأربعاء ٢٣ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٧ - الأربعاء ٢٣ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠١ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

شرق و غرب

فشل الإعلام والسياسة في أمريكا

أجرى الحوار: ألكسندر ديفيكيو

الخميس ٢٢ ديسمبر ٢٠١٦ - 03:00



لماذا فشلت وسائل الإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية وبقية دول العالم بصفة عامة في فهم ظاهرة دونالد ترامب الذي كذب كل التوقعات وفاز في الانتخابات وأطاح بغريمته الديمقراطية هيلاري كلينتون؟ صحيفة لوفيجارو الفرنسية طرحت هذا السؤال على الخبير والأكاديمي والباحث بريس كوتيرييه.
{ لقد فاجأ الفوز الانتخابي الكبير الذي حققه دونالد ترامب الأغلبية الساحقة من «الخبراء» الإعلاميين والقادة. فكيف نفسر هذا العمى السياسي والإعلامي؟
- إنها بحق مفاجأة كبيرة وصفعة مدوية. فقد أيدت أكثر من 200 صحيفة أمريكية مرشحة الحزب الديمقراطي الأمريكي هيلاري كلينتون - بما في ذلك صحف النخبة مثل نيويورك تايمز والواشنطن بوست أو الصحف الشعبية مثل يو آس توداي أوديلي نيوز. وبالمقابل فإنّ ست صحف أمريكية فقط قد أبدت تأييدها لمرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب الذي فاز في الانتخابات وأصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية. بل إن الصحف الست التي دعمت دونالد ترامب لا وزن لها على الساحة الإعلامية الأمريكية.
في الحقيقة فإن عالم وسائل الإعلام في الولايات المتحدة - الذي يعتبر طيعا أكثر من المشهد الإعلامي الفرنسي- يخضع لقوانين السوق واستطلاعات الرأي التي تعتبر منفصلة عن طموحات أغلبية السكان. تعمقت الهوة في الولايات المتحدة الأمريكية ما بين ما يسمى «النخبة» من ناحية أولى والطبقات المتوسطة الشعبية من ناحية ثانية. فالعالم الذي يتحدث عنه رجال السياسة والإعلام اليوم يبدو أنه في قطيعة مع حقيقة الواقع الذي يعيشه الناس. فقد أصبحت السياسة والإعلام في واد وحياة الملايين من الناس العاديين في واد آخر، الأمر الذي يتطلب خطابا سياسيا وإعلاميا جديدا.
لقد اتضح أيضا أن أغلب الناس بات ينبذ هذا الخطاب الإعلامي الدعائي الذي يسعى للتأثير في الانتخابات وتوجيهها اتجاها معينا. لقد أظهرت نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة أن الناخب أصبح يميل إلى التصويت ضد اتجاهات السياسة والإعلام.
لا يزال الكثير من المحللين السياسيين ينتحبون وينتقدون المجتمع الأمريكي الذي رفض التصويت لهيلاري كلينتون بأغلبية تمكنها من الفوز لتصبح بذلك أول امرأة تتولى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. يجب أن نذكر هؤلاء المحللين والإعلاميين أن المجتمع الأمريكي هو الذي انتخب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية باعتباره أول أمريكي أسود يتولى هذا المنصب علما أن السود يمثلون 12% من السكان في الولايات المتحدة الأمريكية، فما الذي يمنع نفس هذا الشعب الأمريكي من التصويت بالأغلبية لصالح امرأة في الانتخابات المستقبلية. أعتقد أن هيلاري كلينتون قد خسرت الرهان الانتخابي الرئاسي لأنها هيلاري وليس لأنها امرأة.
{ هل أبدت وسائل الإعلام تحاملا على دونالد ترامب والناخبين؟
- بكل تأكيد! فقد أطنبت وسائل الإعلام في الحديث عمن تسميهم «البيض العنصريين» وهؤلاء الفاشلين الذي خرجوا من الجامعات من دون أن يحصلوا على أي مؤهلات وهم يؤيدون اليوم دونالد ترامب من دون أن ننسى الدراسات التي نشرتها دور ومعاهد ومؤسسات البحوث وقد امتد الأمر إلى أوروبا وخاصة فرنسا التي ظلت نخبتها على مدى عقود معادية لثقافة الكاوبوي الأمريكي.
لقد ارتكبت هيلاري كلينتون خطأ فادحا عندما قالت في خضم حملتها الانتخابية إن أنصار دونالد ترامب مجرد «أشخاص بائسين» وهو ما جعل الكثير من الناخبين ينفرون منها ويعتبرون أنها أبانت عن طبيعة شخصيتها المغرورة وكبريائها الذي لا يحتمل. هذا الكلام ينطبق أيضا على النخبة السياسية الفرنسية التي تعيش في قطيعة مع فئات اجتماعية واسعة. لعل هذه الهوة العميقة هي التي خدمت مصلحة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة والمعادية للعرب والمسلمين والمهاجرين بصفة عامة. كانت زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان من أوائل السياسيين الذين سارعوا إلى تهنئة دونالد ترامب.
{ هل هي نهاية نمط سياسي معين في الولايات المتحدة الأمريكية وبداية نمط سياسي بديل؟
- الأمر أكثر تعقيدا مما قد يبدو. لقد ارتكبت هيلارري كلينتون خطأ فادحا آخر حيث إنها اعتمدت خطابا «عرقيا» و«جندريا». فقد ظلت على مدى حملتها الانتخابية تحث النساء الأمريكيات على التصويت لها وكأن تصويت المرأة للمرأة من الأمور المسلم بها في الولايات المتحدة الأمريكية وكأن هيلاري كلينتون تؤمن بحق طبيعي للمرأة على بنات جنسها من النساء. لقد اتضح في نهاية الأمر أن 54% فقط من النساء الأمريكيات قد صوتن لصالح هيلاري كلينتون رغم كل ما قيل عن عداوة دونالد ترامب للمرأة.
يبدو أن هيلاري كلينتون قد اعتبرت أيضا أن كل أصوات السود والمنحدرين من جذور لاتينية من الأمور المسلمة لها. لقد عزفت هيلاري كلينتون على وتر «الهويات» أكثر من أي سياسي آخر وفشلت في ذلك فشلا ذريعا حيث إن 29% من الأمريكيين من جذور لاتينية وإسبانية قد صوتوا لدونالد ترامب وهي نتيجة لم يحققها المرشح الجمهوري سنة 2012 ميت رومني.
تسببت هيلاري كلينتون بخطابها الانتخابي في تأجيج «ذهنية الضحية» لدى الناخبين الأمريكيين البيض. لقد تسببت هيلاري كلينتون في القضاء على إرث كامل من الجهود الرامية إلى الانتقال بالولايات المتحدة الأمريكية إلى ما بعد حقبة السياسة المشوبة بالعنصرية.
{ بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي انتخب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية؟
- أنا أعتبر أننا نعيش اليوم في عصر السياسيين الشعبيين الذين يتولون السلطة من أمثال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوجان لكن هناك أيضا الرئيس المجري فيكتور أوربان والرئيس الصيني شي جين بينغ، إضافة إلى الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب. يبدو أننا بصدد ظهور جيل جديد من القادة الوطنيين الشموليين الذين يعتبرون أن العالم معاد لبلدانهم. في خضم هذه التحولات يبدو الاتحاد الأوروبي في حيرة من أمره وهو يبدو غير قادر على اتخاذ أي قرار فما بالك بالدفاع عن نفسه. لقد أصبح العالم الذي نعيش فيه اليوم أكثر خطورة منذ أن بدأ الكاوبوي أو الشرطي الأمريكي ينحسر وينطوي على نفسه في ظل إدارة الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما. يكفي أن نتمعن في تداعيات سياسة باراك أوباما في سوريا. أخشى أن يصبح العالم أكثر خطورة في ظل السياسة الانعزالية التي قد تنتهجها الإدارة الأمريكية الجديدة وهو ما قد يزيد في إغراق العالم في مزيد من الفوضى.
{ ما الذي يمكن أن يحدث الآن؟
- في شهر ابريل الماضي كتبت المؤرخة آن آبلبوم تقول في مالق نشور في صحيفة الواشنطن بوست: «لقد أصبحنا على بعد مناسبتين انتخابيتين سيئتين أو ثلاثة من نهاية الحلف الأطلنطي ونهاية الاتحاد الأوروبي وربما نهاية النظام الليبرالي العالمي الذي كنا دائما نعرفه.
شددت كاتبة المقال على القطيعة الايديولوجية العميقة ما بين الماكينة الجمهورية من ناحية والقاعدة الانتخابية التابعة لهذا الحزب. فالماكينة الجمهورية مرتبطة بعالم المال والأعمال والذي يفضل الهجرة ويتخذ موقفا إيجابيا من مسألة قدوم المهاجرين. أما الناخبون الجمهوريون ففقد أصبحوا يفضلون الدولة الاجتماعية ويرفضون الهجرة والمهاجرين بشدة. لقد جاء في البداية التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم انتخب بعد ذلك دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. في يوم 4 ديسمبر 2016 سيجرى استفتاء بالغ الأهمية والحساسية في إيطاليا، إضافة إلى انتخابات رئاسية في النمسا قد يفوز بها مرشح اليمين المتطرف.
لوفيجارو





كلمات دالة

aak_news