العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٤٥٥ - الجمعة ٢٠ أكتوبر ٢٠١٧ م، الموافق ٣٠ محرّم ١٤٣٩هـ

رسائل

«أخبار الخليج» تنشر مذكرات سفير البحرين الأسبق لدى طهران (10)
كتاب..«في بازار الآيات ..كانت لنا أيام»

بقلم: حسين راشد الصباغ

السبت ١٢ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:00



عقد هذا المؤتمر في المنامة ما بين يومي 13 و14 أكتوبر 2011 وتحت رعاية كريمة من جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد. وبحضور أكثر من أربعمائة شخصية خليجية. إنه منتدى مهم، شعاره أمل وعمل، وترأسه رجل الدين الجليل الشيخ الدكتور عبداللطيف المحمود. إنه يأتي مباشرة بعد أحداث البحرين الخطيرة وتهديدها للنسيج الاجتماعي القائم. إن هذا الانطلاق الشعبي من البحرين له دلالته وأهميته لأنه يؤكد أن دول الخليج هي شعب خليجي واحد وأن ما حدث في البحرين يؤثر على سيادته واستقراره وأمنه، بل يمس كل دول الخليج. في هذا المنتدى تم إطلاق حراك مجتمع مدني خليجي سلمي، يؤكد أننا شعب خليجي واحد.
تمثلت مبادرة هذا المنتدى بالدعوة إلى مزيد من الإصلاح السياسي، ويؤكد دور الشعوب الخليجية المنشود في صناعة القرار السياسي، بل والمشاركة في صنعه وتفعيله. دعا هذا المنتدى إلى إقامة إطار وحدوي في شكل اتحاد كونفيدرالي خليجي تبقى لكل دولة خليجية شخصيتها الاعتبارية المستقلة ونظامها السياسي ودستورها. وإقامة مؤسسات اتحادية تخدم المصالح الكلية وسياسة أمنية مشتركة وجيش اتحادي وقيادة واحدة فاعلة. وفي سورة الصف في القران الكريم آية رقم 4: «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون». وبالرغم من فتح الحدود بين بلدان الخليج وتمتع مواطنيها بحرية التنقل والإقامة والعمل والاستثمار الذي هو قائم الآن، فإن هناك تطلعا شعبيا أكبر إلى وجود عملة نقدية موحدة وبنك مركزي خليجي وجمارك موحدة. وأن يقوم الاتحاد المنشود على إقامة مشروع تنموي خليجي يعالج التحديات ويخلق تنمية حقيقية. وفي إطار إصلاح النظام السياسي لدول الخليج وإيجاد دستور ومشاركة شعبية في القرار السياسي ورقابة للمال العام والإصلاح الإداري ودعم مؤسسات المجتمع المدني محليا وخليجيا. إن هذا المنتدى يدعو الحكومات إلى دعم عملها الاتحادي والرسمي ونظامها السياسي من أجل أمن المنطقة واستقرار دولها. لعل من أهم من شاركوا في هذا المنتدى المفكر الكويتي الدكتور عبدالله النفيسي رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت، وله كتاب مهم أثار لغطا واسعا. وقد طبعه المؤلف في لندن عام 1978 بعد استحالة إصداره في الكويت، إنه كتاب «الكويت والرأي الآخر». يستشهد المؤلف في أول صفحات كتابه بآيات بينات محكمات من القرآن المجيد كقوله تعالى في الآية 4 من سورة القصص: «إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا». وآيات أخرى في هذا الاطار، واستشهد اخيرا بما اورده تاريخ الطبري وفتوح البلدان حول القائد سعد ابن ابي وقاص وبطل الفتوحات الإسلامية في عهد الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب، ولا سيما عندما فتح فارس، انها معركة القادسية الشهيرة، حين اتخذ سعد قصرا بالكوفة واغلق بابه دون الناس ارسل اليه عمر محمد ابن سلمة فقام بإحراق باب قصره بالكوفة ودفع اليه كتاب عمر وكان فيه: بلغني انك بنيت قصرا اتخذته حصنا وسميته «قصر سعد» وجعلت بينك وبين الناس بابا، فليس بقصرك ولكنه قصر الخبال، انزل منه منزلا مما يلي بيوت الاموال ولا تجعل على القصر بابا تمنع الناس من دخولهم وتنفيهم به عن حقوقهم وليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك اذا خرجت.
يركز المؤلف في كتابه هذا على امور ثلاثة عامة، أولها: التشكيل السكاني للكويت الذي يضم كثافة سكانية عربية كبيرة بحيث يبدو الكويتيون الاصليون أقلية، ويدعو الحكومة الكويتية إلى اعلان سياسة سكانية متقدمة تسهم في استقرار العمالة الكويتية في الكويت، وقد رصدت هذا الامر خلال عملي في الكويت مابين عام 1964 و1968، فلم تكن هناك أي عمالة أجنبية آسيوية كما هو الحال الآن في الكويت بل وفي كل دول الخليج. والعامل الثاني المهم ان الكويت تعتمد اعتمادا كليا على استيراد حاجاتها الغذائية والامور الاستهلاكية الاخرى على الاستيراد المدعوم من اعتماد الكويت كلية على دخلها من النفط الذي يلعب دورا مهما في الاقتصاد الكويتي.
ثالثا: يدعو المؤلف الحكومة الكويتية إلى اتخاذ قرار سياسي مهم يقوم على الاستفادة من النفط بخلق مصادر مالية واستثمارية للقطاع غير النفط وأشاد بالتجربة الديمقراطية في الكويت بل وفي الخليج مابين 1962 و1976 وهي أول تجربة ديمقراطية في دول الخليج وكانت الكويت قد حلت البرلمان الكويتي في اغسطس 1978 مقتدية بالبحرين التي حلت البرلمان في اغسطس 1975. وشارك في هذا المنتدى المهم الدكتور عادل علي عبدالله وله كتاب موسوم عنوانه «محركات السياسة الإيرانية في منطقة الخليج العربي» انه كتاب مهم قرأته بعد احداث مارس عام 2011 في البحرين، وكان من المفترض ان يكون هناك لقاء ثان في الكويت، ولكن لم يعقد لأمور سياسية. وخلال عملي الدبلوماسي في طهران والذي استغرق زهاء اعوام اربعة مابين 1979 و1982 خرجت بقناعة تامة بأن نظام الخميني الجديد يتوق إلى ان تقوم إيران بدور إقليمي قوي اكثر مما كان لها أيام نظام الشاه المقبور وتمشيا مع عراقة إيران وتكوينها السياسي العتيق وكذلك نظامها الاجتماعي الراسخ، وهكذا يعتقد آيات إيران وعلى رأسهم الخميني والثورة التي رفع شعارها، بل يريدها شيعية المنطلق، إسلامية الصيغة، عالمية الاهداف.
وكان من الطبيعي ان يتوجه هذا النظام الجديد والقديم معا إلى الساحل العربي الخليجي المقابل لنظام إيران السياسي الجديد وتوجهه الفارسي الصارخ تجاه الجزيرة العربية التي خرج منها الفتح العربي الإسلامي لكي يفتحوا فارس ويدكوا انظمة كسرى. ومن حسن الطالع ان اكون في طهران خلال عملي الدبلوماسي بعد انبثاق الثورة الخمينية مباشرة.
أتيح لي مراقبة ما يجري من كثب وروية لمست هذا عند لقائي برموز النظام الكبيرة أمثال محمد حسين منتظري والخلخالي وهاشمي رفسنجاني وايضا أحمد بهشتي رئيس الحزب الجمهوري الإسلامي الذي اغتيل في انفجار مقر الحزب الجمهوري. كان دائما يردد ان هذه الثورة الإسلامية المباركة هي من اجل شعوب هذه المنطقة المستضعفة والمستهدفة من قبل دول الاستكبار العالمي. لمست في أحاديثهم معنا نبرة فارسية واضحة بل وصارخة ضد العرب أو الانظمة العربية الخليجية ويطلقون عليها انظمة الجاهلية الاولى المستبدة. وهناك لمز وغمز تجاه الفاتحين العرب بفارس وعلى رأسهم سعد ابن أبي وقاص الذي فتح فارس. إنهم يركزون على بروز النزعة الشيعية الصاعدة والمتحفزة، ولا سيما بعد انبثاق الثورة الإيرانية بقيادة الخميني فبراير 1979، وأن أول انتصاراته الظافرة على أمريكا التي هي الشيطان الاكبر واحتجاز الرهائن الأمريكان 4 نوفمبر 1979. وقد عشت بداياته ثم نهاياته ولو إلى حين.
وأذكر هنا بالتقدير والعرفان السفير الإيراني المعين في البحرين مهران، فقد دعاني مع سفراء الكويت وفرنسا واخرين إلى العشاء في نادي وزارة الخارجية الإيرانية في مساء الاربعاء 14/11/1979، وكان منهم سفير إيران السابق في البحرين منوشر سبهددي. إن مهران ومنوشر قد ساعداني كثيرا في تلمس خطواتي الأولى في عملي في طهران. وأذكر أن سبهددي قد زارني في السفارة في صباح 17/01/1981 كان يحمل قدرا كبيرا من الاحزان والهموم. المهم رحبت بمقدمه واستمعت لمطالبه البسيطة المتمثلة في مساعدة ابنته على الخروج من طهران والسفر إلى البحرين. تلك الواحة المعطاء والهروب من مصير مجهول في إيران. وخاصة ان هذه الابنة قد عاشت في كنف والدها عندما كان سفيرا لإيران بعد اقامة العلاقات الدبلوماسية بين البحرين وإيران، بدءا من عام 1971، وهو أول سفير لإيران. وأذكر جيدا افتخاره بعرش الطاووس عرش الشاه محمد رضاء بهلوي. كان يردد دائما على قوة هذا العرش الإيراني وبطشه وما يملك من جيش قوي وترسانة اسلحة فتاكة وحديثة. بل وجهاز مخابرات قوي. كل هذا يعتبر سدا منيعا وعصيا على التغيير. ولكنها المقادير وصروف الليل والنهار. خلال لقائي به كان شارد البال وعاجزا عن فهم ما حل في بلاده من زلزال مدمر. قلت له الا تتفق معي انك لم تقرأ التاريخ جيدا ومقاديره المتقلبة. لاحظت انه يعيش اضغاث احلام وقلت في نفسي ارحموا عزيز قوم ذل.
وفي 21/11/1979 انه أول أيام شهر محرم والاحتفاء بقدوم أيام عاشوراء ذهبت مع تاجر إيراني ذكر ان تجار البازار بالاشتراك مع الملالي قد ساهموا في تغذية الاضطرابات السياسية التي ادت إلى اسقاط نظام الشاه خلال الفترة 1978 و1979 ولعبوا دورا سياسيا مهما في مسيرة الثورة الإيرانية ونجاحها. ذهبت مع هذا التاجر إلى جنوب طهران ودخلنا مسجدا شيعيا كبيرا. كان الامام يؤدي فيه مشهدا من التعازي الشيعية والتي انبثقت إسلاميا في القرن السابع الميلادي. هذا الامام يطلق عليه الإيرانيون روزي كان. انه يروي ماحدث لسيدنا الحسين ابن علي بعد اغتياله. انه يشيد ببطولته ومآثره كل ذلك في سرد أخاذ ومصحوب بنوع من الرثاء والمواعظ الدينية المؤثرة مصحوبة بدرجة من النواح والصراخ وضرب للصدور ولطم للخدود ثم يتبع ذلك بكاء شديد. وبدءا من أول محرم وحتى يوم عاشوراء تتحول مدينة كربلاء في العراق إلى مدينة طقوس دينية، انها تسير ما بين المدائح والندب والبكاء ولا تخرج هذه المشاهد التي شاهدتها هنا في طهران وحضرت فاعلياتها خلال السنوات الاربع المتقطعة التي أمضيتها في عملي الدبلوماسي في طهران بين عام 1979 وعام 1982 عما شاهدته ايضا في البحرين خلال فترة محرم وعاشوراء في مدن البحرين وقراها. والذي لفت نظري وانا احتك بالعديد من رجال الدين وعلمائهم إلمامهم الكامل بمأساة سيدنا الحسين بكل تفاصيلها بل يضيفون اليها الكثير من الروايات التي تؤجج المشاعر.
ومن ناحية اخرى ومن المعلوم ايضا ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك اي نص مكتوب يتعلق بمن يخلفه بعد وفاته. عندها انقسم المسلمون بعد وفاته إلى فئتين، الشرعيون يقولون ان الحكم لا بد ان يكون في عائلة النبي وان علي ابن ابي طالب ابن عمه وصهره هو خليفة المسلمين. بينما الدستوريون يقولون ان الخلافة يجب أن تتم عن طريق الانتخاب والبيعة، لذلك رجحت الفئة الثانية واصبح على ضوء ذلك الصحابي ابوبكر الصديق أول خليفة في الإسلام ثم تلاه عمر ابن الخطاب ثم تلاه عثمان ابن عفان. وقد رفضت شيعة علي هذا الاختيار عندها ولدت الفتنة الكبرى، وبعد ذلك قتل الخليفة عثمان وادى هذا إلى وصول الخلافة إلى علي ابن ابي طالب. وعندئذ طالب معاوية عليا بالثأر لمقتل الخليفة عثمان وقاد تمردا ضده. ومن المعروف ان عليا قتل في احد مساجد الكوفة واصبح معاوية خليفة للمسلمين واخذ البيعة من بعده لابنه يزيد، عندها اصبحت الخلافة وراثية. وعندما اصبح يزيد ابن معاوية واليا على دمشق سنة 680 ميلادي، عندئذ طلب من جميع الولاة في الامصار بضرورة مبايعته، وكان يقيم في المدينة المنورة الحسن والحسين. اما الحسين فقد آثر عدم البيعة ليزيد وذهب إلى مكة تجنبا لبيعة يزيد. وكان الحسين واسرته واتباعه متجهين إلى الكوفة ولكنه لم يصل إليها بل تبعه جيش يزيد الكبير وكانت المعركة الفاصلة حيث ذبح كل انصار الحسين، بل وقطع رأس الحسين وقد حملت كل رؤوس شهداء عاشوراء إلى يزيد على أسنة الرماح. ومنذ ذلك الوقت يقام وتمثل مأساة كربلاء واستشهاد الحسين بن علي.
وأورد هنا نبذة سريعة كما سمعتها من هذا الامام الإيراني الذي كان بالمسجد والذي هو مبثوث في كتب التاريخ ولكن من غير زيادة أو نقصان. لقد نشب هذا الصراع بين علي ومعاوية على الخلافة كانت خطبة الامام علي حين بويع في المدينة بعد مقتل عثمان حيث اجتمع في الامام علي ادب وفروسية وحكمة وسياسة حيث بويع في المدينة بعد مقتل عثمان مباشرة عندها حدث الصراع بين علي ومعاوية انبثقت في هذه المرحلة أول بذور خلافات سياسية ومذهبية وتركت اثرها في توجيه مقادير الامة العربية والإسلامية انذاك ولكن لنتابع المشهد السياسي وتطوره وما تركه من اثر قوي على فكرنا وثقافتنا الماضية بل والمعاصرة والحالية. وبعد ان بويع علي في المدينة رفض اتباع عثمان تأييد البيعة وكانت الشام عندئذ ولاية لمعاوية. بدا القتال بين الفريقين اهل العراق تحت راية سيدنا علي في ناحية نهر الفرات واهل الشام بإمرة معاوية في ناحية اخرى، جند معاوية سبقوا جند علي وتمكنوا من ماء الفرات. وحل بجند علي العطش، وأشار اتباع معاوية الا يخلوا بين عسكر علي وبين الماء حتى يموتوا عطشا وامنعوهم عن الماء كما منعوا عثمان وقتلوه عطشا قاتلهم الله. ولم يكن أمام جند علي إلا القتال في سبيل الماء أولا.
وفي 37 هجرية من شهر محرم تم الاتفاق بين الفريقين على حقن الدماء وترك الحرب إلى الحوار، ولكن بعد انقضاء محرم نشبت الحرب بين الفريقين وتأكّد لمعاوية ان الهزيمة واقعة على جنده وكان ان ربطت المصاحف في اطراف الرماح والسيوف. وكان عدد المصاحف التي ربطت على اسنة الرماح قد بلغت خمسمائة مصحف. ونادى بعدها المنادون في علي وجيشه الله الله في دينكم. هذا كتاب الله بيننا وبينكم. وحدث ما توقعه عمرو ابن العاص وهو أن دب الخلاف بين جماعة علي. فطائفة منهم دعت إلى القتال وطائفة اخرى دعت إلى المحاكمة إلى كتاب الله وتجنب الحرب. وعندئذ وضعت الحرب اوزارها. وألقى علي كرم الله وجهه خطبة مهمة أكّد فيها انه احق من اجاب إلى كتاب الله، وقال ما حدث هو الخديعة والمكيدة. عندها تقدم عشرون ألفا من أصحابه المقاتلين ودعوا عليا إلى الاستجابة لكتاب الله والا قتلناك.
وبعد اخذ ورد بين انصار علي وانصار معاوية اتفق الجميع على مبدأ تحكيم القران في ما هم فيه من خلاف. واختار اهل الشام عمرو ابن العاص كما اختار أصحاب علي ابا موسى الاشعري. وانتهى التحكيم لصالح معاوية بقول ابي موسى موافقته على خلع معاوية وعلي. رد عليه عمرو ابن العاص بانه يخلع عليا ويثبت معاوية في الخلافة فانه ولي عثمان والطالب بدمه احق الناس بمقامه وهكذا حين تمت خديعة التحكيم انبثقت الدولة الاموية وانبثقت ايضا الفتنة الكبرى بين الصحابة حيث تصارعوا اولا بالحجة والبرهان وثانية بالسيوف والرماح.
ومن الجدير بالذكر أن أبا سفيان بن حرب هو احد اكبر زعماء مكة واكثرهم ثراء وكان يزور إيران من اجل التجارة وعند زيارته لبلاد كسرى ابن هرمز اهدى كسرى خيلا واهداه كسرى ثمانمائة إناء مليئة بالفضة والذهب، وللمزيد عن هذه الزيارة نجدها مبثوثة في كتاب الاغاني وكتاب العقد الفريد لابن عبدربه.
من ناحية اخرى اعود مرة اخرى إلى أن موضوع اتحاد الخليج كان يداعب احلام شعب الخليج وحكامه، وكان هناك امل في قيام الاتحاد في هذه المنطقة العربية الغنية بالتاريخ والموقع الاستراتيجي وثورة نفطية هائلة، اذ لا بد من التضحيات لكي يقوم هذا الاتحاد المنشود. في هذا الخليج تبدو إيران كقوة كبيرة انها شريكة لعرب الخليج في الموقع والتاريخ والمال، والأهم من ذلك في الدين الإسلامي الحنيف لا بد من وجود صرح عربي قوي مقابل الوجود الإيراني القوي وان تتعاون لمواجهة الاخطار الخارجية المحدقة بالجميع، وأذكر أنه خلال شهر مايو 1968 قام الملك فيصل بزيارة للكويت وكان يوم 25 مارس 1968 هو اعلان اتحاد الامارات التسع في مؤتمر عقد في دبي. ان زيارة الملك فيصل للكويت كانت تحذيرا وخوفا من تسرب النفوذ الشيوعي إلى منطقة الخليج عن طريق حكومة عدن الماركسية. كانت البحرين انذاك امارة غير مرغوب فيها داخل هذا الاتحاد بحجة ان شعب البحرين متعلم وقطع مسافة واسعة في مضمار التقدم والتحضر إلى جانب غضب إيران. وان قطر تعتبر قاعدة للنفوذ السعودي، ومن الافضل حين ذاك قيام اتحاد امارات الساحل المتصالح السبع، وتتهم بريطانيا بأنها تغذي الخلاف بين ابوظبي والسعودية حول واحة البريمي، وكنت قد التقيت في البحرين من خلال عملي الإعلامي سليم اللوزي صاحب مجلة الحوادث، كان يرى وغيره من الصحفيين الاخرين ان أهم عامل يلحظه المراقب بما يجري في الخليج، ولا سيما بعد انسحاب بريطانيا العسكري في الخليج نهاية 1971، وكذلك العالمون بما يجري فيه من تطورات سياسية ان الانجليز لا يزالون متمسكين بخيوط اللعبة السياسية في هذه المنطقة وان ما يعلنونه من تصريحات هو غير ما يبطنونه، وأذكر جيدا في هذه الفترة زيارة روبرت كونري وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية للبحرين وللامارات بالخليج واجتماعه بحكام الامارات في دار الاعتماد البريطاني، وأكّد انهم في بريطانيا وبالرغم من الانسحاب العسكري ولكن سيبقون هنا داعمين ومؤيدين لهذه الامارات وللمصالح المشتركة بين الطرفين. ان بريطانيا وما تتخذه من قرارات تعتمد على ضوء استراتيجية عامة منبثقة من مصالحها اولا. وهل ينسى ابناء الخليج العالمين ببواطن الامور انه في مطلع القرن الثامن عشر استطاعت بريطانيا ان تفتت دولة عمان الكبرى وتقضي على اسطولها البحري العظيم وتحولها إلى امامة عمان ومسقط، وهي الان سلطنة عمان. وقامت بتقسيم ساحل عمان إلى سبع امارات، وهي الآن دولة الامارات العربية المتحدة. وقد ربطت بريطانيا آنذاك امارات الساحل بمجموعة من المعاهدات ضمن لها حق الاشراف الكامل على شؤونها لاكثر من مائة وخمسين عاما، بقيت هذه الامارات تحت السيطرة البريطانية وفي حالة من التخلف من دون تحقيق اي تقدم حضاري أو تنمية انمائية وعمرانية.
وأذكر انه في عام 1968 أو قبل ذلك التاريخ بقليل كان هناك تحرك لجامعة الدول العربية تجاه امارات الخليج. وقد وصل عبدالخالق حسونة الامين العام للجامعة العربية إلى امارات الساحل واستقبل استقبالات شعبية. وان هذا اثار حفيظة السلطات البريطانية ووافق حاكم الشارقة انذاك على فتح مكتب للجامعة في امارته عندها تحرك الانجليز ونفوه إلى خارج الامارة واذكر انه وصل إلى البحرين. وحدث لحاكم رأس الخيمة نفس الامر عندما وصل وفد الجامعة العربية إلى امارته. وكان هناك احساس في الامارات ان الجامعة العربية لم تحقق اي شيء يذكر تجاه قضية فلسطين المغتصبة من قبل إسرائيل، وكان هناك خوف وتوجس من ان يكون وجودها هنا مصدر للمشاكل والقلاقل، وبعد ذلك اسست بريطانيا مجلسا لشيوخ الامارات السبع، كان هدفه تطوير المنطقة وربط الامارات بسلسلة من الطرق المعبدة، وقدموا مساعدة بمبلغ مليون جنيه إسترليني. ومن الجدير بالذكر ان الكويت قبل هذا التاريخ بسنوات خصصت ثلاثة ملايين دينار كويتي سنويا لإنشاء مدارس ومستوصفات. وقدمت السعودية دعما لإنشاء الطرق وحرصت أمريكا بعد انسحاب بريطانيا على ملء الفراغ البريطاني بعد عام 1971 بعد ذلك كان للسعودية موقف مشهود، وهو التزامها بالمحافظة على استقلال البحرين، وهذا ما كان يؤكّده الملك فيصل في كل مناسبة، لأنّ البحرين عربية في الماضي، وهي الآن عربية، وأن مطامع إيران في البحرين هي مطامع توسعية ولا يعدو أن يكون بمد النفوذ الإيراني ليس في البحرين فقط وانما في كل امارات الخليج.
ومن جهة اخرى، احتفلت إيران في عام 1971 بمرور 2500 عام على اعلان مملكة كورش لحقوق الانسان، وهي على حد قولهم هي أول وثيقة قد عثر عليها علماء الاثار، وهي تؤكد حقوق الانسان في الحرية والمساواة والعيش الكريم بغض النظر عن اختلاف اجناسهم واديانهم. استفادت الحضارة العربية والإسلامية الناشئة والصاعدة في ذلك الوقت في مجال الاداب شعرا ونثرا وفي مجال العلوم والطب والعمران، وان بين العرب والفرس صلات قوية في مجال الادب والفن ومجالات اخرى مهمة، خليق بنا ان نركز عليها. وان الفن الساساني قد ازدهر في حقبة الاكاسرة وبرزت روح فارس الابداعية وقامت الحضارة الإسلامية الوليدة بالاستفادة منه وجعلته عملا ابداعيا عظيما. وفي الميادين الحضارية الإسلامية كان هناك تعاون وتبادل بين الحضارة العربية والمحاولة من الاستفادة من التراث الفارسي. وان هذا ليؤكد التلاحم الانساني في الصفات الانسانية والذهنية المشتركة بين الشعوب وبعيدا عن اي شعوبية يروج لها نظام «الآيات» الإيرانية في وقتنا هذا، وسأضرب مثلا بسيطا، فقد كان الغناء العربي في نشأته كصناعة لا كحداء في صدر الإسلام ثم ظهور اعلامه. لقد حدث تجاوز بين الحان الغناء العربي والحان الغناء الفارسي في صدر الإسلام وظهور اعلام الغناء العربي في الحجاز ثم في الشام والعراق. واخيرا يعتبر ابن خلدون صناعة الغناء ظاهرة حضارية ولا يخفى ان العرب قد استفادوا من الفرس والروم عندما غزوا تلك البلدان واخذوا معهم الموالي والمغنين مستعينين بالمزامير والعيدان والطنابير. قام المغنون العرب بتلحين اغانيهم واشعارهم عليها، وقد تأثر الغناء العربي في بداية نموه تأثرا بالانغام والتقاليد الموسيقية الاعجمية، وأخيرا انتقل الغناء المشرقي وهو في ازدهاره إلى المغرب العربي والاندلس في القرن الثالث الهجري على يد زرياب تلميذ إسحاق الموصلي.
وختاما لا بد من الاشارة إلى السيناتور الإيراني عباس مسعودي نائب رئيس مجلس الشيوخ الإيراني وصاحب مؤسسة اطلاعات الاعلامية والصحفية الكبيرة في إيران. وكان له نشاط ملحوظ في مجال سعيه إلى نشدان الاستقرار والامن في المنطقة وخلق علاقات قوية بين بلاده ودول الخليج العربية. كنت في استقباله عند وصوله إلى مطار البحرين في الساعة الرابعة من عصر يوم السبت 24/02/1973 وأن جولته في امارات الخليج بدأها بالبحرين. وان زيارته هذه في اطار التفاهم، بل التنسيق بين بلاده إيران ودول الخليج، ولفت نظري وانا استقبله في المطار وجود اعداد غفيرة من العجم في البحرين في المطار، وكان يرافقه الصحفي السوري نذير فنصة، وهو مستشار الشاه للشؤون العربية، كما انه رئيس تحرير مجلة الإخاء الإيرانية التي تصدر في طهران باللغة العربية، وقد رافقت السيناتور مسعودي في زيارته لقصر الرفاع العامر صباح الاحد 25/02/1973 حيث تشرف بلقاء سمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، وكانت مقابلة ناجحة، وقد خلقت انطباعا طيبا لدى السيناتور مسعودي، كما رافقته في زيارته للمجلس التأسيسي صباح الثلاثاء 27/02/1973، لقد كان مسرورا بوجوده بين أعضاء هذا المجلس وحواره معهم والذي استمر ساعة كاملة، وكان له لقاء مهم مع سمو الشيخ محمد بن مبارك في هذا اليوم تناول تنمية العلاقات في مختلف المجالات وتطويرها بين البلدين، وقد أبدى إعجابه وتقديره لسمو الشيخ محمد وقال ان للوزير الشيخ محمد بن مبارك دورا مهما في تحقيق استقلال البحرين وقد تابع هذا النشاط. وحبذ لو يقوم سموه بتكليف جهة مختصة في القيام بتدوين هذه الفترة المهمة السياسية التي عاش مراحلها المختلفة باهتمام وروية. ودار بيني وبين السيناتور المسعودي حديث حول ما يشهده الخليج من تطورات بعد انسحاب القوات البريطانية فيها نهاية 1971 تحدث عن سياسة إيران ومواقفها السلمية الدائمة وحرصها على التعاون الامثل بينها وبين دول الخليج بهدف صيانة السلام والاستقرار في هذه المنطقة المهمة، وقال السيناتور مسعودي ان إيران تهتم سياسيا واقتصاديا بتطوير علاقتها مع هذه الدول، ولا سيما بعد اكتشاف النفط بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يخفى ان الدول الغربية لها استثمارات مالية كبيرة في هذا الحقل. وان نفط العالم يمر عبر هذا الشريان وهو الممر المائي وعلى دول الخليج الحفاظ عليه عن طريق استقرار وامن المنطقة. وان إيران مسرورة للانسحاب العسكري البريطاني من الخليج وحتى بعد فوز المحافظين البريطاني بالسلطة في بريطانيا سنة 1970 ودعم الشاه بقوة هذا الانسحاب بقوة. كان لإيران نوايا حسنة ومشاعر اخوية وانا استمع اليه، حيث اقدمت إيران على حل قضية البحرين طبقا للقواعد والاعراف الدولية وتخلت عن مطالبها بالبحرين قبل الانسحاب البريطاني لتصبح دولة عربية ذات سيادة.
ولكنني صدمت عند قوله ان احتلال إيران للجزر الاماراتية الثلاث ابوموسى وطنب الصغرى والكبرى هو حق طبيعي لها. وقال ان هذه الجزر وطبقا للوثائق التاريخية المؤكدة وان التاريخ يشهد بذلك بانها تعود لإيران، وقال ان هذه الجزر هي اقرب إلى ساحل إيران من الناحية الجغرافية اكثر من قربها إلى ساحل راس الخيمة. وأضاف قائلا بدهشته لقيام بعض الدول العربية لتقديم شكوى إلى مجلس الامن حول احتلال إيران لهذه الجزر. وحرصت على عدم الدخول معه في جدال مع هذا الضيف الكريم، وقال ان إيران لا تسعى لتولي الزعامة على هذه المنطقة، بل دعت كل دول المنطقة صغيرها وكبيرها للتعاون مع إيران، وأشار هنا إلى المملكة العربية السعودية التي تربط إيران بها علاقة قوية، وقال ان الملك فهد عندما كان وليا للعهد في حقبة السبعينيات من القرن العشرين زار إيران زيارة رسمية، وكان محل وفادة وضيافة واهتمام من قبل شاه إيران، وكذلك زيارة جلالة سلطان عمان قابوس ابن سعيد لإيران بعد ذلك. واخيرا تطرق الضيف إلى علاقة بلاده بالعراق وليس هنا مجال لسردها، ولكنه اشاد بمبادرة شاه إيران حين طلب من إسرائيل الانسحاب فورا من الاراضي العربية التي احتلتها بعد حرب 1967. وقد اهداني في ختام زيارته المهمة كراسة تضمنت كلمة له تحت عنوان الخليج الفارسي في مهب التنافس واثارة القلاقل والاضطرابات، وقد ألقاها في ندوة بنادي الروتاري في طهران في 17/07/1972. ومن الجدير بالذكر ان مجلس الشيوخ الإيراني قد وافق بالاجماع على الطريقة التي اتبعتها الحكومة الإيرانية لحل قضية البحرين. وفي مجلس النواب وافقت جميع الاحزاب الإيرانية ايضا على الحل.








كلمات دالة

aak_news