العدد : ١٤٣٩٨ - الخميس ٢٤ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

العدد : ١٤٣٩٨ - الخميس ٢٤ أغسطس ٢٠١٧ م، الموافق ٠٢ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

رسائل

أهمية قرار «اليونسكو» بدحض أي ارتباط لليهود بالمسجد الأقصى وحائط البراق

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الخميس ٠٣ نوفمبر ٢٠١٦ - 03:00



اعتمدت اللجنة الإدارية في منظمة التربية والثقافة والعلوم التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو)، يوم 18/10/2016، قرارًا نهائيًّا من شأنه نقض الرواية التاريخية لإسرائيل حول المقدسات الدينية في مدينة القدس، والحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني وطابعه المميز في المدينة، فيما يعد سابقة تاريخية تحدث للمرة الأولى في تاريخ المنظمة، جاء ذلك عقب إعادة اللجنة التصويت مجددًا على نص قرار أولي اتخذته الهيئة الإدارية لـ«اليونسكو» والبالغ عدد أعضائها 58 عضوًا خلال اجتماع يوم 13/10/2016 في العاصمة الفرنسية «باريس» أعدته الخارجية الأردنية بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، وقدمته المجموعة العربية في المجلس التنفيذي لليونسكو (الجزائر، مصر، لبنان، المغرب، عمان، قطر، السودان)، ينفي وجود أي ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى وحائط البراق.
أيد القرار 24 دولة (البرازيل، الصين، مصر، جنوب إفريقيا، بنغلادش، فيتنام، روسيا، إيران، لبنان، ماليزيا، المغرب، ماوريتسيوس، المكسيك، موزنبيق، نيكاراجوا، نيجيريا، عمان، باكستان، قطر، جمهورية الدومينيكان، السنغال، السودان)، وامتنعت 26 دولة عن التصويت، بينما عارض القرار 6 دول (الولايات المتحدة، بريطانيا، لاتفيا، هولندا، استونيا، ألمانيا)، وتغيبت دولتان (صربيا، تركمانستان).
وتجدر الإشارة إلى أن القرار لم يلق تأييد أي دولة أوروبية، ما يدلل على مدى الانحياز الغربي الواضح لدولة الاحتلال وعدائها السافر للقضية الفلسطينية، وكانت فرنسا قد خرجت على الإجماع الأوروبي وصوتت على القرار الذي تبنته «اليونسكو» في أبريل الماضي بالموافقة، ما نتج عنه حدوث توتر في العلاقات الإسرائيلية- الفرنسية، تعهدت باريس بعدها بعدم تأييد قرارات من هذا القبيل في المستقبل.
وأعيد التصويت على مشروع القرار الأولي بموجب طلب من المكسيك، التي استغلت بندًا يسمح بإعادة التصويت على قرارات الهيئة التنفيذية لـ«اليونسكو» خلال فترة معينة بعد صدورها، وطلبت تغيير تصويتها من تأييد القرار إلى الامتناع عن التصويت، ويمكن إرجاع السبب المركزي لتغيير المكسيك تصويتها على القرار إلى الاحتجاج الشديد الذي قدمته الجالية اليهودية إلى الحكومة هناك.
وتكمن أهمية القرار في مطالبته إسرائيل بإتاحة العودة إلى الوضع التاريخي الذي كان قائمًا حتى سبتمبر 2000، عندما كانت دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية هي السلطة الوحيدة المشرفة على شؤون المسجد الأقصى باعتراف إسرائيل، التي وقعت معاهدة سلام مع الأردن في 1994 تقضي بأحقية عمَّان في الإشراف على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس.
بالإضافة إلى إدانته للاعتداءات الإسرائيلية المتزايدة والتدابير غير القانونية التي يتعرض لها العاملون في دائرة الأوقاف الإسلامية بالقدس، والتي تحد من تمتع المسلمين بحرية العبادة وتمنع وصولهم إلى المسجد الأقصى، إلى جانب استنكار عملية الاقتحامات المتواصلة للمسجد الأقصى من قبل قوات الاحتلال والمتطرفين الإسرائيليين.
قرار «اليونسكو»، أثار عدة تساؤلات حول طبيعة العلاقات بينها وبين دولة الاحتلال، فبالرغم من امتلاك إسرائيل للكثير من جماعات وأدوات الضغط، التي تستخدمها لخدمة سياساتها وتحقيق أهدافها، فإنها لا تتمتع بأي نفوذ داخل «اليونسكو»، وتنظر «تل أبيب» إليها باعتبارها منظمة معادية لها، كونها ترصد سنويًّا ممارسات وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي وعمليات الاستيطان في فلسطين عامة والقدس خاصة، والتي تتنافى مع أهداف المنظمة الداعية إلى تحقيق قيم العدالة وسيادة القانون وحقوق الإنسان.
استبق القرار النهائي سلسة من الإدانات الإسرائيلية، فقد اعتبرته «تل أبيب» بمثابة اعتداء يمس أسس وجودها، وأكد رئيس دولة الاحتلال يوم 13/10/2016، أنه ليس بوسع أحد في العالم أن ينكر العلاقة التاريخية والدينية بين الشعب اليهودي والمعالم الدينية في القدس، واتخذ وزير التربية والتعليم يوم 13/10/2016 قرارًا بتعليق التعاون مع «اليونسكو» بالكامل، نظرًا إلى أن القرار اعتمد التسمية العربية الإسلامية للمسجد الأقصى ولحائط البراق، إضافة إلى اعتبارهما إرثًا فلسطينيًّا ينبغي المحافظة عليه، فضلاً عن رفض سياسة الأمر الواقع التي تمارسها السلطات الإسرائيلية على المقدسات الدينية في القدس، وقصر تلك الولاية على الأردن.
سفير إسرائيل لدى مؤسسات الأمم المتحدة في جنيف أشار يوم 13/10/2016 إلى أن مشروع القرار العربي باطل وينطوي على تحريض صريح ضد بلاده، معتبرًا أن الشعب اليهودي لا يحتاج إلى مصادقة «اليونسكو» أو أي دولة في العالم لتأكيد علاقاته التاريخية بالأماكن المقدسة في القدس، وخاصة جبل الهيكل وحائط المبكى.
وشبه رئيس الوزراء الإسرائيلي يوم 14/10/2016 إنكار القرار لعلاقة بلاده بما سماه جبل الهيكل (المسجد الأقصى)، كإنكار علاقة الصين بسورها الشهير ومصر بأهراماتها، مؤكدا أن «اليونسكو» فقدت شرعيتها عقب اعتماد هذا القرار.
وفيما يتعلق بالموقف الأوروبي المساند لـ«تل أبيب»، فقد اتخذت التشيك -ليست عضوًا في الهيئة التنفيذية لـ«اليونسكو»- موقفًا قويًّا دعمت فيه الطرف الإسرائيلي؛ حيث صوت مجلس النواب التشيكي بأغلبية 119 عضوًا ضمن 149 كانوا حاضرين لجلسة يوم 19/10/2016على بيان احتجاج يدين قرار «اليونسكو»، الذي تجاهل العلاقة اليهودية بالمواقع الدينية في القدس، مؤكدين أن القرار يسيء لـ«اليونسكو»، ويغذي تيار معاداة السامية.
وفي إيطاليا، تظاهر مئات اليهود في العاصمة يوم 19/10/2016 احتجاجًا على امتناع روما عن التصويت على قرار «اليونسكو»، مشيرين إلى أن إيطاليا تضم الكثير من السجلات التي تشير إلى العلاقة اليهودية بالقدس من بينها «قوس تيتوس» الذي يصور نهب المدينة والغنائم المأخوذة من المعبد اليهودي، بما في ذلك الشمعدان والأبواق الذهبية.
وفي خطوة غير مفاجئة، أصدرت المديرة العامة لمنظمة اليونسكو «إيرينا بوكوفا» يوم 14/10/2016 بيانًا تنقلب به على القرار، وتزعم أن «تراث القدس لا يقسم، وجميع الأديان لديها الحق في الاعتراف الضمني بتاريخها وبعلاقتها مع الأماكن الدينية التاريخية في المدينة، مضيفة أن نكران أو محو أي من التقاليد اليهودية أو المسيحية أو الإسلامية من شأنه أن يهدد وحدة الموقع»، مؤكدة أن طابع المدينة والتعايش السلمي بين اتباع الديانات الثلاثة، هو السبب في إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي للإنسانية، وهذا يدل على نهج الانحياز الذي تتبعه «بوكوفا» المعروفة بمواقفها المؤيدة لسلطة الاحتلال، وعدم احترامها لإرادة الدول التي قدمت القرار وصوتت عليه.
من جانبها، اعترضت فلسطين على لسان وزير خارجيتها في بيان يوم 15/10/2016، على موقف المديرة العامة لـ«اليونسكو»، الذي وصف البيان بأنه «تطور غير مسبوق، ويشكل إهانة لإرادة الدول الأعضاء التي عبرت عن مواقفها السيادية».
وشددت على أنه من غير المقبول أن تقوم «بوكوفا» بإطلاق التصريحات التي من شأنها تقويض عمل وصلاحيات المجلس التنفيذي للمنظمة، وتجاهل نص القرار الفلسطيني المعتمد، الذي سلط الضوء على الممارسات الإسرائيلية غير الشرعية في مدينة القدس المحتلة، وانتهاك سلطة الاحتلال لحق الشعب الفلسطيني بمسيحييه ومسلميه في الوصول إلى أماكن العبادة، مضيفة أن المديرة العامة لـ«اليونسكو» اختارت التماهي مع حملة العلاقات العامة الإسرائيلية التضليلية لاسترضاء سلطة الاحتلال.
وفيما يخص موقفها من القرار، عبرت القيادة السياسة الفلسطينية عن ترحيبها بالخطوة، مؤكدة أنها تمثل انتصارًا للحق الفلسطيني والإسلامي والعربي في مقدساته التاريخية بأرضه المحتلة، وأوضحت يوم 13/10/2016 أن قرار «اليونسكو» يعد رسالة رفض واضحة من قبل المجتمع الدولي لسياسات إسرائيل في الأراضي المحتلة بشكل عام، وتجاه المقدسات الإسلامية بشكل خاص، معتبرة أن الإجراء يمثل خطابًا لإسرائيل يطالبها بضرورة إنهاء الاحتلال والاعتراف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
كما أشار المتحدث الرسمي باسم حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية في بيان يوم 14/10/2016 إلى أن هذا القرار يدين الاحتلال ويعبر عن الرفض الدولي لخطواته كافة، ويؤكد بطلان ادعاءاته وسياساته.
وأضاف أن «اليونسكو» بما تمثله من ضمير عالمي تضيف قرارًا مهمًّا إلى قراراتها الرافضة للاحتلال، وتؤكد الاعتراف بالوضع التاريخي والديني والثقافي الحقيقي والطبيعي في مدينة القدس العربية عاصمة دولة فلسطين.
وفيما يخص الموقف الأردني، أشار وزير الدولة لشؤون الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة، يوم 14/10/2016 إلى أن مصادقة المجلس التنفيذي لـ«اليونسكو» على قرار ينفي صلة الحرم القدسي الشريف باليهود، هو انتصار «دبلوماسي وسياسي وقانوني مهم».
وعلى صعيد متصل، رحبت جامعة الدول العربية بنتائج التصويت، وأشاد الأمين العام المساعد لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة السفير، في بيان له يوم 14/1/2016، بالقرار الذي وصفه بالتاريخي، كما عبر عن تقديره لكافة الدول الصديقة، التي دعمت إصدار هذا القرار، الذي يدعو إلى توفير الحماية للشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته التي تتعرض بصورة متسارعة وغير مسبوقة لانتهاكات جسيمة تمثل جرائم حرب مكتملة الأركان.
وبشكل عام، وبالنظر إلى هذا القرار فإنه يعتبر من القرارات الحاسمة بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء؛ لذلك لا بدَّ من توافر إرادة عربية وإسلامية بشكل عام وفلسطينية بشكل خاص، تدفع بالقرار في المحاكم الدولية لمقاضاة إسرائيل ومحاسبتها على انتهاكاتها اليومية ومحاولاتها تغيير معالم مدينة القدس وطمس ملامحها العربية، نظرًا إلى أن قرارات المنظمة غير ملزمة، ولكن يمكن مخاطبة مجلس الأمن من خلالها، ومطالبته باتخاذ إجراءات تلزم إسرائيل بإلغاء وإيقاف ممارساتها تجاه المدينة ومقدساتها، مع الأخذ في الاعتبار أن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه تلك الخطوات، وستستخدم كافة وسائل الضغط الممكنة لديها للتصدي للقرار وتبعاته التي قد تحدث، كما يجب الانتباه للموقف الأمريكي المنحاز والمساند لإسرائيل بالأساس، والذي سيقف حجر عثرة في طريق تطبيق القرار واستغلاله في المحافل الدولية والمنظمات الأممية، لذا لا بدَّ من تضافر الجهود العربية والإسلامية لمواجهة ذلك الأمر.
يذكر أن الأمم المتحدة كانت قد اتخذت في عام 1975 قرارًا ينص على أن «الصهيونية تعتبر شكلا من أشكال التمييز العنصري»، لكن اللوبي الصهيوني، بدعم من الولايات المتحدة، بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي، تمكن من إلغاء القرار في عام 1991.... وبالطبع فنحن لا نريد أن يتكرر الأمر من جديد.








كلمات دالة

aak_news